هل التطور “مجرد نظرية”؟!

كثيراً ما نسمع ممن لا زالوا يهتفون بأن التطور الدارويني “مجرد نظرية” أنه ينبغي علينا:

(التدقيق ومراجعة الأدلة التي تدعم هذه النظرية) لكونها محض مجموعةٍ من الأفكار الداروينية غير المدعومة بالأدلة المنطقية والعلمية حتى.

يجب أن نسأل: هل المشككون بهذه النظرية يستخدمون المصطلحات الصحيحة عندما يقولون أن التطور الدارويني “مجرد نظرية”؟.

المعاني متفاوتة، والجواب يعتمد على كيفية تعريف المصطلحات:

  • ففي الاستخدام الشائع لكلمة “نظرية” هي: فرضيةٌ تُقترح كًتفسير، لذا فهي محض فرض، تخمين، حَدس، فكرة أو مجموعة من الأفكار حول شيء، رأي أو انطباع فردي.
  • لكن العلماء دائماً يستخدمون الكلمة للإشارة إلى: تفسيرٍ مُدعَّمٍ بشكلٍ جيدٍ من جوانب العالم الطبيعي التي يمكن أن تدمج الحقائق والقوانين والفرضيات المجربة، أي: “مخططٌ أو منظومةٌ من الأفكار أو الجمل تُعتبر تفسيراً أو سبباً لمجموعةٍ من الحقائق أو الظواهِر، فرضيةٌ أُكِدّت أو أُثبتت بالملاحظة أو الخبرة، وتُقترح أو تُقبل كتعليلٍ للحقائق المعلومة، جُملةٌ لما يُعتبر قوانين عامة، مبادئ، أو أسباب”.

فنَظرية التطور هي بالفعل (مخطط أو مجموعة من الأفكار أو الجمل). هي فعلاً سببٌ لمجموعةٍ ضخمةٍ من(الحقائق والظواهر). هي(فرضيةٌ أُكِّدت أو أُثبتت بالملاحظة أو الخبرة). فهي (جملةٌ لما يُعتبر قوانين عامة، مبادئ، أو أسباب، لشيءٍ مُلاحَظ)، وهي بلا ريبٍ أبعد ما تكون عن (محض نظرية، تخمين أو حَدس).

نحن نحتاج كلمةً بديلةً للمعنى الأول، كما يسلّم بعض العلماء بأن لديهم مصطلح فرضية على الرغم من أن استخدام مصطلح نظرية يتوافق مع القواميس. لأن التفسير الأول لكلمة نظرية مشوّش وغير ضروري، خصوصاً في المجتمعات غير العلمية، يفهم كلُّ امرئٍ بأن الفرضية هي فكرةٌ تجريبية (تنتظر الإثبات أو الدحض)، ونظرية التطور تخطّت تماماً المرحلة التجريبية.

من الواضح أن المعنَيَيْن مختلفان تمام الاختلاف عن بعضهما، العلماء في مجال التطور يستخدمون التفسير الثاني بلا شك، بينما الخلقيّون ربما تعمداً للتلاعب وربما عن صِدقٍ يستخدمون التفسير الأول لكلمة “نظرية”.

من الأمثلة؛ نظرية (مركزية الشمس) في المجموعة الشمسية، أي نظرية أن الأرض والكواكب الأخرى تدور حول الشمس، هذا المثال يلائم المعنى الثاني بشكلٍ مثالي، كما نظرية التطور. إن العلماء والخَلقيين يفهمون كلمة “نظرية” بمعنَيَيْن مختلفين جداً، إن التطور بنفس المعنى لِنظرية مركزية الشمس، وأيضاً في هذه الحال لا يجب أن تستعمل كلمة مجرد، كما في عبارة (مجرد نظرية).

العديد من النظريات الأُخرى المُؤكدة لا يوجد أيُّ دليلٍ جديدٍ يُحتَمل أن يغيرها بدرجةٍ كبيرةٍ أو ينفيَها، على سبيل المثال أن تطرأ أدلةٌ تفيد أن الكائنات الحية لا تتكون من الخلايا فتنفي (النظرية الخلوية)، أو أدلةٌ تفيد بأن القمر لا يدور حول الأرض، أو أن الغلاف الصخري للأرض ثابت فتُنفى بذلك (نظرية الصفائح التكتونية)، والقائمة تطول.

إن نظرية التطور، شأنُها شأنُ جميع النظريات العلمية، تخضع لصقلٍ مُستمرٍّ مع ظهور مجالاتٍ جديدةٍ في العِلم وفي حال ظهور التكنولوجيات الجديدة التي تتمكن من إجراء عملياتِ رصدٍ وتجاربَ لم تكن ممكنةً في السابق.

من الخصائص المثيرة والجديرة بالذكر في النظريات العلمية هي إمكانيتها على أن تتنبأ حول الأحداث الطبيعة أو الظواهر، حيث تنبأت نظرية الجاذبية بسلوك الكائنات على القمر والكواكب قبل خروج الإنسان إلى الفضاء الخارجي أو وصوله إلى القمر بوقتٍ طويل. كما تنبأ العلماء المختصون بالعلم التطوري، بعد عثورهم على أحافير التِكتالِك أنهم سيجدون الأحافير الوسيطة بين الأسماك والتِكتالِك، وأكد اكتِشافهم التنبؤ المبني على أُسسٍ تطورية. بالتالي، فالتّنبؤات الصحيحة تزيد من رصانة النظرية.

كائن التِكتالِك

الجاذبية حقيقة، والتطور حقيقة، نظرية الجاذبية السائدة لأينشتاين، ونظرية التطور السائدة لداروين.

– ريتشارد دوكنز

في العِلم، تشير “الحقيقة” إلى الملاحظة أو القياس أو أي شيءٍ آخر من الأدلة التي يمكن توقع حدوثها بنفس الطريقة في ظل ظروفٍ مماثلة.

مع ذلك، يستخدم العلماء مصطلح “حقيقي” للإشارة إلى شيءٍ علميٍّ تم اختبارهُ في أكثر من مرة وبأكثر من طريقة، ولم يعد هناك سببٌ منطقيٌّ لإبقاء هذا الشيء تحت مجهر التجرُبة. واستناداً إلى هذا فالتطور الذي حدث في الماضي ولازال مستمراً هو حقيقةٌ علمية.

وذلك لرصانة الأدلة الداعمة لها، فلم يعد العلماء يتساءلون ما إذا كان التطور قد حدَث ولا زال يحدُث! بل بدؤوا بالبحث في المراحل القادمة في صدد هذه النظرية والتحقيق في آلياتها.

الرياضيات وحدها من يمكنها أن تُثبت حقيقة!

بالنسبة إلى الادعاء أن التطور لم يثبت قط، فإنه جدلٌ على أساس أن العلماء يرتعبون من الارتياب، حيث يخبرنا فلاسفةٌ نافذو التأثير أننا لا نستطيع إثبات أيِّ شيءٍ في العلوم، وأن علماء الرياضيات فقط من يمكنهم إثبات الأشياء.

لكن أفضل جهود العلماء تخفق في (البرهنة على أو دحض أي شيء) بينما تجدر الإشارة إلى محاولاتهم. حتى النظرية غير المُجادَل بشأنها أن القمر أصغر من الشمس لا يمكن (وفقاً لقناعة نوعٍ معينٍ من الفلاسفة) أن تثبت بنفس الطريقة التي يمكن بها إثبات نظرية فيثاغورس على سبيل المثال.

فالازدياد الهائل للأدلة يدعمها بقوةٍ شديدة، حيث أن إنكارها يجعل من مكانة الحقيقة سخيفةً للجميع عدا المتحذلقين، وبالمِثل فهذا صحيحٌ بالنسبة لنظرية التطور.

يستخدم الرياضياتيين فكرة البرهان للتفريق بين الحدس والنظرية “Theorem”.

الحدس هو افتراضٌ يبدو صحيحاً لكن لم يثبت بعد، سيصير نظرية “Theorem” عندما يثبت.

المثال الشهير على هذا هو حدس جولدباخ، والذي ينصُّ على أن كل عددٍ صحيحٍ زوجيّ يمكن أن يعبَّر عنه بمجموع عددين أوليين، لقد أخفق الرياضيون في دحضها مع كل الأعداد الزوجية وصولاً إلى 300 مليون مليون مليون، ونسبة للفهم العام تُدعى بـ “تلقائية حقيقة جولدباخ”.

مع ذلك فإنها لم تُثبت قط بشكلٍ تام، ويرفض جميع الرياضيون وضعها كفرضيةٍ لم تثبت بعد، ولو وجد أي امرئٍ برهاناً فسوف ترتقي من حدس جولدباخ إلى نظرية جولدباخ، أو ربما نظرية X، حيث X: هو العالم الرياضي الذكي الذي يجد البرهان.

لماذا ليست قانوناً!

إن “القانون” العلمي لا يمكنه أن يكون نموذجاً أو تفسيراً، مثل النظرية، وسنذكر هنا مثالاً أيضاً.. “قوانين نيوتن للحركة الخطية” تنص على أن (الجسم الثابت يبقى ثابتاً، والجسم المتحرك يبقى متحركاً بسرعة منتظمة، ما لم تؤثر به قوى خارجية).
إنه قانون، لكنه لا يقدم أي تفسيرٍ من التفسيرات التي تقدمها النظريات، إن كنا نود أن نكتب هذا القانون كنظرية، علينا أن نكتب بعض التفسيرات الدقيقة والتعليلات المسببة للحركة والتي تنحصر بكلمة واحدة “لماذا”.

لذلك فنظرية التطور لا يمكن أن تكون قانوناً أبداً (ولا أي نظرية)، لأنه لا يمكنها أن تتوقف عن الإجابة حول التفسيرات البيولوجية..

لماذا يبدو علم الأحياء اليوم بهذا الشكل؟

مجرد نظرية لا تمنح الخلقيين ومنكري التاريخ إلا رائحة زائفة، الذين يحسبون أن كلمة نظرية هي تنازل، وتمنحهم شعوراً بالمنحة والنصر.

– ريتشارد دوكنز، أعظم العروض على الأرض

إعداد: ليث حسين

تدقيق لغوي: نور الحاج علي

المصادر: 123456

المزيد