العثور على كواكب خارج المجرة عبر الأمواج الثقالية

دراسة جديدة تشير إلى إمكانية رصد الكواكب خارج مجرة درب التبانة، بواسطة الأمواج الثقالية gravitational waves.

خلال الثلاث عقود الماضية استطاع علماء الفلك تأكيد وجود ما يقارب 4200 كوكب خارج نظامنا الشمسي، يُحدد العلماء هذه الكواكب عن طريق مراقبة الضوء المنبعث من الكواكب نفسها أو من النجوم التي تدور حولها. لذلك وبالنسبة للكواكب خارج مجرتنا درب التبانة، من الصعب رصد هذا الضوء مع الأخذ بعين الاعتبار المساحة الشاسعة والمعيقات للضوء كالسحب الغبارية وغيرها.

لقد كان كوكب HIP 13044 هو الوحيد الذي تم رصده خارج مجرتنا، ليتبين لاحقًا فشله. كما وفي عام 2018 رصد عدد من علماء الفلك أدلة على كواكب خارج المجرة ولكنها كانت مجرد احتمالات غير مباشرة.

ولحل هذه المشكلة اقترح باحثون طريقة بديلة عن الضوء لرصد الكواكب البعيدة، إلى وهي الموجات الثقالية التي تنتجها هذه الكواكب أو النجوم التي يدور حولها. أن أول من تنبأ بوجود الموجات الثقالية كان العالم المشهور ألبرت أينشتاين في نظريته النسبية العامة، عندما يتحرك جسمين أو أكثر في مجال الجاذبية فينتج عنهما تموجات في الزمكان تسافر بسرعة الضوء، وهذه الموجات هي ما تعرف بالأمواج الثقالية من خلال طريقة الرصد هذه ستمكننا من حل مشكلة عوائق الضوء القادم من الكواكب والنجوم البعيدة، لكن المشكلة في هذه الموجات هي صعوبة رصدها، فحتى أينشتاين لم يكن متيقنًا فيما إذا كانت موجودة أو قابلة للرصد.

بعد عقود من العمل والبحث بعد أينشتاين وفي عام 2015 استطاع عدد من العلماء رصد هذه الأمواج لأول مرة، وذلك بواسطة مرصد الأمواج الثقالية في الولايات المتحدة الأمريكية Laser Interferometer Gravitational Wave Observatory LIGO يستخدم هذا المرصد زوجين من أجهزة الكشف، أحدهما في هانفورد في واشنطن Hanford, Washington، والآخر في ليفينجستون في لويزيانا Livingston, Louisiana، لاستشعار التشوهات التي تسببها الموجات الثقالية أثناء عبورها المادة.

جهاز كشف من الليغو يتخذ شكل حرف L عملاق بطول 4 كم. تكون أرجل الكاشف بنفس الطول، مما يسمح لأشعة الليزر أن تستغرق نفس الوقت للانتقال لأسفل كل منها. ولكن، عند مرور الموجة الثقالية عبر الأرض فتمتد أرجل أحد الكواشف وتتقلص الأخرى، مما سيغير بتوقيت الإشارة بحوالي واحد على عشرة آلاف من قطر البروتون. وبواسطة الساعات الذرية سنتمكن من تحديد الاختلاف في أجزاء الثانية في توقيت وصول الليزر للأسفل.

نظرًا لأن كل كاشف يبعد عن الأخر بحوالي 3000 كم، فقد يستغرق الأمر نحو 10 ملي ثانية حتى تعبر الموجة من كاشف لآخر.

وباستخدام الفارق الزمني هذا يمكن للعلماء تحديد مصدر الموجة الثقالية. لذلك من المهم تطوير مراصد للموجات الثقالية في أماكن أخرى حول العالم، مثل مرصد فيرغو VIRGO بالقرب من بيزا في إيطاليا Pisa, Italy، والذي بدأ عمله في عام 2017 لتُمكن الباحثين من تحديد مصادر الموجات بدقة أكبر.

لكن وبالرغم من ذلك، فإن المراصد الأرضية سواء الحالية أو المخطط لها، حساسة لأطوال موجية تصل إلى 100 كم فقط؛ فالنجوم النيوترونية والثقوب السوداء التي تكبر الشمس أضعافًا بكتلتها قد تصنع هكذا أطوال من الموجات الثقالية. ولحل مشكلة المسافات القصيرة على الأرض لطالما حلم العلماء بمصرد فضائي للأمواج الثقالية، بكواشف مفصولة عن بعضها بمسافات شاسعة ستمكننا من التقاط أطوال موجية أكبر قد تعود لثقوب سوداء هائلة.

لحسن الحظ فوكالة الفضاء الأوربية تعمل حاليًا على تطوير مرصد فضائي للأمواج الثقالية تحت أسم European Space Agency’s Laser Interferometer Space Antenna LISA، والذي من المخطط إطلاقه عام 2034. سيتكون من ثلاث أقمار صناعية تبعد عن بعضها بملايين الأميال تدور حول الشمس خلف الأرض، وبداخل كل قمر صناعي مكعب يطوف بحرية في الفضاء، متبعًا مسارًا ثابتًا يتشوه فقط عند مروره بأمواج ثقالية. فيتم مراقبة هذه المكعبات بعناية لرصد أي انحراف في مسارها للبحث عن أي علامة لتموج زمكاني.

من حيث المبدأ ستتمكن LISA من رصد موجات ثقالية بطول موجي يصل إلى 30 مليون كم. يعتقد العلماء أن مثل هذه الإشارات تنبع من اندماجات الثقوب السوداء التي تزيد عن 10000 إلى 10 ملايين ضعف كتلة الشمس.

وأكد العلماء أيضًا أن LISA ستكون قادرة على رصد الموجات الثقالية لعشرات آلاف من أزواج الأقزام البيض، (القزم الأبيض هو نواة بارد وخافتة بحجم الأرض لنجوم متوسطة الحجم ماتت بعد أن استهلكت وقودها النووي)، يومًا ما ستتحول شمسنا أيضًا إلى قزم أبيض، كما الحال مع 90% من نجوم درب التبانة.

في عام 2019، نفس الفريق البحثي خلف البحث الجديد اكتشف إمكانية ليزا والمراصد الفضائية الأخرى على رصد كواكب خارجية عملاقة تدور حول زوجين من الأقزام البيض في داخل مجرتنا، ليصرحوا مؤخرًا حول امكانية رصد كواكب مشابهه خارج مجرة درب التبانة، خصوصًا بوجود أكثر من 50 مجرة تابعة تدور حول مجرتنا.

لاحظ الباحثون، أنه في حال اتراب زوجين من الأقزام البيض من بعضهما لدرجة تسمح باندماجهما خلال آلاف السنين، سيولد هذا الاندماج تيارًا مستمرًا، تمتلك جميعها نفس التردد تقريبًا، من الموجات الثقالية، لذا ففي حال وجود كواكب عملاقة تدور حولهما ستسبب انحرافًا صغيرًا في تردداتها، مما سيمكننا الكشف عن هذه الكواكب من خلال مراقبة الانحرافات في تردد هذه النجوم الميتة خلال فترة قد تصل ل 10 سنوات.

في السابق وجد العلماء أن ليزا ستكون قادرة على رصد بضع مئات من الكواكب الخارجية (خارج مجرة درب التبانة) ذات كتل مماثلة أو اثقل من كوكب المشتري، بشرط أن لا تبعد هذه الكواكب عن أقزامها البيضاء بأكثر من 10 وحدات فلكية AU (الوحدة الفلكية الواحدة هي متوسط المسافة بين الأرض والشمس، أي ما يقارب ال 150 مليون كم). ليكشف الآن عن إمكانية رصد بضع مئات من الأقزام البيض المزدوجة في سحابة ماجلان الكبيرة، واحدة من أقرب المجرات التابعة لمجرة درب التبانة.

أما بالنسبة لنظام نجمي ثنائي بكتلة إجمالية تساوي نصف كتلة الشمس، وتدور أقزامها البيضاء حول بعضها البعض بمسافة واحد بالألف من المسافة بين عطارد والشمس، يعتقد العلماء أنه المؤكد أن نكون قادرين على رصد هذه الأنظمة النجمية خلال 10 سنوات من المراقبة، فعلى سبيل المثال، يتوقع العلماء إمكانية ليزا برصد كواكب خارجية بضعف كتلة المشتري ب 13 مرة في غضون 4 سنوات من الرصد.

صرحت كاميلا دانسيلكي Camilla Danielski عالمة الفيزياء الفلكية بجامعة كوليدج University College London في لندن: «بفضل للموجات الثقالية، قد نتمكن أخيرًا من رصد هكذا أجسام بعيدة عن جوارنا الشمسي».

مراصد الموجات الثقالية المستقبلية بحساسية أعلى من LISA ب 10 مرات، مثل مرصد أميغوAMIGO الفضائي، قد تتمكن وفي غضون 10 سنوات من رصد كواكب بضعف كتلة المشتري بأربع مرات فقط، تدور حول قزم أبيض مزدوج.

وأضاف نيكولا تامانيني Nicola Tamanini، وهو مؤلف مشارك في البحث وعالم فيزياء فلكية في معهد ماكس بلانك لفيزياء الجاذبية في ألمانيا: «تُعتبر دراستنا هذه أولية لطريقة الرصد الجديدة هذه، فستقدم الأبحاث المستقبلية صورة أكثر تفصيلًا».

يبقى هنالك غموض كبير حول تشكل وتطور هذه الكواكب حول الأقزام البيض المزدوجة. لكن وبحسب دانيلسكي، فإن الأبحاث المستقبلية قد تعمل على اكتشاف كواكب قد تكون تشكلت فيما بعد تحول النجم لقزم أبيض. رصدنا للأمواج الثقالية قد يساعد في تسليط الضوء على هذه الأسئلة من خلال الكشف عن أنواع الكتل والمدارات التي تمتلكها هذه الأنظمة الشمسية.

المصادر: 1