كيف ساهم روّاد الجراحة بنشر التعقيم والقضاء على تلوث المستشفيات؟

قبل إختراع المطهرات، قد تتسبب زيارة إلى المستشفى في قتلك، حتى لو نجوت من الجراحة، وقد أدرك عدد من الأطباء الماهرين السبب.

بحلول ستينات القرن التاسع عشر، وعلى الرغم من كثرة الجراحين المتمرسين في المستشفيات الأوروبية الحديثة، كانت فرصة نجاتك من عملية جراحية هي ثمانية من عشرة ولكن فرصك في الخروج من المستشفى حياً بعد العملية كانت تساوي فرصة خروجك ميتاً.

في ذلك الوقت دمرت العدوى والأمراض عنابر المستشفى. وبينما كان الجراحون يتنقلون بين المرضى فاحصين جروحهم وأنسجة الغرغرينا (gangrenous tissue) عجزوا عن فهم سبب موت العديد من مرضاهم. عرفت هذه الحالة بداء المستشفيات (hospitalism) نُطلق عليها اليوم تعفن الدم أو تسمم الدم، وقد اعتقد الطاقم الطبي أن ذلك قد حصل نتيجة الروائح السيئة أو بخار العفن المتخلل في الهواء.

ويقول روان باركس (Rowan Parks) إستشاري جراحة ونائب رئيس الكلية الملكية للجراحين في ادنبرة: «إن مفهوم النظافة أو مخاطر انتقال العدوى كما نعرفه اليوم لم يكن موجودًا في المستشفيات آنذاك فقد ارتدى الجراحون المعاطف الاعتيادية (غير الطبية) ولم تغسل ملاءات السرير بانتظام وحمل الجراحون أدواتهم في جيوبهم، ما نجده اليوم فظيعًا كان طبيعيًا في السابق».

حتى أن بعض الجراحين أعادوا – بفخر- إستعمال الضمادات بين المرضى مفضلين عدم إضاعة موارد المستشفى القيمة.

ومع الازدهار التقني واستعمال السكك الحديدية شاعت الإصابات الصناعية ونتيجة لذلك شكّل بتر الأطراف الغالبية العظمى من الجراحات.

على سبيل المثال، إذا عانى المريض من كسر مركب والذي يخترق فيه العظم الجلد، فمما لا شك فيه أن الجرح سيُصاب بالعدوى فلا يُترك أمام الجراحين أيّ خيار آخر غير البتر، على الرغم من أن العمليات كانت تُجرى تحت التخدير إلا أن النتائج كانت أسوأ بكثير.

خلال السنوات الأربع الأولى من عمله كأستاذ في الجراحة في أجنحة مستشفى غلاسكو الملكي الجديدة، كانت معدلات وفيات جوزيف ليستر (Joseph Lister) تقريبًا متوسطة.

عَلِمَ ليستر أن نصف مرضاه سيكون مصيرهم الموت، وكان -خلافًا لزملائه- مصممًا على القيام بشيءٍ في هذا الشأن.

أدرك جوزيف ليستر أن نفس العوامل غير المرئية التي تسببت في التعفن كانت تقتل مرضاه أيضًا.

يقول ستيفن كير (Steven Kerr) أمين مكتبة في الكلية الملكية للجراحين في ادنبرة: «كان جوزيف رجلًا جادًا وعنيدًا ولا أعتقد انه سيكون ذلك الرجل المرح إن رأيته في حفلٍ ولكنه كان دائمًا يسعى إلى تحسين البشرية، إن العدوى التي سببت موت نصف مرضاه بعد الجراحة يمكن تحسينها، كان هذا حافزه».

كان ليستر أيضًا عالمًا هاويًا وبفضل دروس والده إحترف في الفحص المجهري وفي وقت فراغه عمل على فحص الأنسجة المصابة للضفادع واكتشف أن الغرغرينا هي عملية تحلل.

لقد بدا أن هذا التعفن يحصل فقط في حالة تعرض اللحم للهواء ولكن هل كانت العدوى ناتجة من الهواء نفسه أم من شيء ضمن الهواء؟

أدرك ليستر أن هذه المخلوقات غير المرئية هي التي تقتل مرضاه.

ساعد توماس اندرسون (Thomas Anderson) -وهو أستاذ كيمياء- ليستر في اكتشاف الاجابة عندما عرفه على التجارب التي أجراها لويس باستور (Louis Pasteur) في فرنسا.

في تجربته الشهيرة أخذ باستور قارورة من سائل والذي يتخمر ويعقم باستخدام الحرارة.

يسمح زجاج القارورة بدخول الهواء ولكنه يحبس أي جزيئات محمولة في الهواء في منحني منها، بقي السائل في القارورة معقمًا وقد ظن باستور أن هذه الجسيمات هي جراثيم وهي كائنات دقيقة تُسبب التسوس.

أدرك ليستر أن هذه المخلوقات غير المرئية هي التي تقتل مرضاه والآن هو بحاجة إلى التوصل إلى طريقة لتعقيم الجروح. أُستبعدت الحرارة من الموضوع وأُختير حامض الكربوليك وهو مادة كيميائية استخدمت لمكافحة رائحة الصرف الصحي، وبالطريقة المعتادة لجراحٍ في القرن التاسع عشر قرر تجربة ذلك على أحد المرضى.

كانت المستشفيات في القرن التاسع عشر غير صحية لدرجة أن عدد الموتى الناتج من انعدام النظافة يفوق نظيره الناتج من الجراحة.

إصطدم جيمس غرينليس (James Greenlees) البالغ من العمر 11 بعربة، نُقل إلى المستشفى في 12 آب/اغسطس عام 1865 مع عظم بارز من جرح طولهُ نصف بوصة أسفل ساقه اليسرى. بعد تثبيت العظم باستخدام الجبيرة طُلب ليستر من طاقمه الطبي تضميد الجرح بضمادة مغموسة في حامض الكربوليك ولمنع الحامض من التبخر غطيت الضمادة في صحيفة من القصدير.

بعد أربعةِ أيام قام ليستر بفحص الجرح مجددًا وبدلًا من رؤية الغرغرينا كما هو متوقع وجد الجرح نظيفًا، الاحمرار الوحيد الظاهر كان بسبب الحامض.

لو كان جيمس في الماضي لبُترت قدمه، أما الآن فقد سُرح من المشفى بعد ستة أسابيع من الرعاية.

واحدة من اعظم المآسي في التاريخ الدموي للجراحة بأكمله هي أن النظافة وأساليب التعقيم لم يتم تبنيها في وقتٍ قريب. وفي حقيقة الأمر فإن إجراءات تعقيم اليدين وأدوات الجراحة قد ظهرت قبل عشرين سنة من الأحداث سالفة الذكر في فيينا من قبل الطبيب المجري إغناز سيميلويس (Ignaz Semmelweis).

لقد كانت تعليماته لا تحظى بشعبية لدى الاطباء وتم تجاهل نظرياته إلى حد كبير من قبل المؤسسة الطبية النمساوية المجرية.

إستنتج سيميليوس بعد العمل في مستشفى الولادة ذات معدلات وفيات مريعة أن الاطباء كانوا ينشرون العدوى بسبب نقلهم لجزيئات ناتجة من تشريح الجثث إلى مرضاهم الأحياء، على الرغم من أنه لم يفهم أن هذه الجسيمات كانت كائنات دقيقة، فقد خفض سيميلويس معدل الوفيات بين الأمهات الحوامل من خلال الإصرار على أن يغسل طاقمه أيديهم في مادة الكلور.

ونتيجة لاحباطه بسبب عدم تبني افكاره، إمتد غضب سيمليوس إلى منشوراته والتي اعتبرت مجادلة مريرة للطريقة التي عُومل بها.

ومن المفارقة أنه قد لقي مصيره نتيجة تسمم الدم بعد أن أُودع إلى مستشفى الأمراض العقلية ولا يوجد أي دليل على أن ليستر قد قرأ اعماله.

في حرب القرم العديد من المصابين في أرض المعركة تُوفوا لاحقًا في المستشفى نتيجة انعدام النظافة.

لحسن الحظ فإن البطل الآخر للمعركة ضد العدوى كان أكثر قدرة على الإقناع. تقول آن ماري رافيرتي (Anne Marie Rafferty) رئيسة الكلية الملكية للتمريض: «كانت فلورنس نايتنجيل (Florence Nightingale) قبل كل شي ماهرةً في التواصل مع الآخرين».

في عام 1854 كلفت نايتنجيل من قبل الحكومة البريطانية برعاية و تحسين ظروف الجنود المصابين خلال حرب القرم، عندما وصلت سكوتاري (إسطنبول حاليا) وجدت الحالة فوضوية، العنابر كانت قذرة ولم يتوفر الطعام إلا نادرًا وكان الطاقم الطبي المتوفر للرعاية غير كافٍ.

لم تقم نايتنجيل بتنسيق الامدادات وتحسين الظروف فحسب، بل قامت بتجميع وإرسال البيانات الاحصائية إلى بريطانيا لإثبات جدارة ما يقوم به فريقها.

إن ما طورته من قواعد النظافة في تلك الفترة مشابه ما هو عليه اليوم في ظل الجائحة.

تقول رافيرتي: «لقد لاحظت نايتنجيل أن عدد الجنود الذين يقعون ضحية للإهمال ونقص الرعاية كان يفوق عدد ضحايا المعركة نفسها». وتضيف:

«لقد حددت أهمية النظافة والتهوية وأهمية غسل اليدين ووضعت مسافات بين الأسرة بالإضافة إلى جعل المرضى يشعرون بالراحة والرعاية».

تقدمت نايتنجيل على باستور و ليستر في علم مسببات الأمراض حيث كانت تطبق مبادئ حركة الصرف الصحي الفكتوري والتي جلبت المياه النظيفة و الصرف الصحي الى المدن البريطانية لتحسين النظافة، وفي حقيقة الأمر فإن أكبر طفرة في معدلات الوفيات قد جاء بعد تصليح أنبوب الصرف الصحي المتسرب في المستشفى.

في غلاسكو، بعد نجاحه مع الضمادات، حوَّل ليستر انتباهه إلى العمليات مع استمراره في غسل يديه وأدواته باستخدام حامض الكربوليك وقد طوّر أداة لتعقيم منضدة العمليات من خلال بخار كاربوليكي.

قام ليستر أيضًا بصناعة غرز مصنوعة من أمعاء الضأن تذوب داخل الجسم، وبحلول عام 1867 وبعد نشر نتائجه في مجلة لانسيت الطبية، إنخفض معدل وفيات ليستر من 45% إلى 15%.

(صورة) أدى إصرار فلورنس نايتنجيل على غسل الاسّرة واليدين إلى انخفاض معدلات الوفيات بشكل كبير في المستشفيات العسكرية.

مع النجاح الذي حققته إصلاحات نايتنجيل وتقنيات ليستر الطبية قد تعتقد أن كل مستشفيات وجراحي العالم تبنوا هذه الأفكار لكن تعّنت وغطرسة المؤسسة الطبية في القرن التاسع عشر كانت أكبر من ذلك.

على الرغم من دمج أساليب نايتنجيل في تصميم المستشيفات الجديدة الا أن الليسترية (Listerism) والنظرية القائلة بأن المرض ينتشر عن طريق الجراثيم وُصفت بالهراء وقد رُفض إستعمال الكربوليك باعتبار أنه يسبب ألمًا غير ضروري.

يقول كير: «جيمس سبنس والملقب ديسمال جيمي ولأنه يتشاجر مع كل شيء، رفض تقنيات ليستر، بعد أن مات مريضه ألقى جيمس باللوم على غرز ليستر الجديدة وادعى أنها المسؤولة غير أن مساعده قد أوضح في رسالة إلى لينسيت أن سبب موت المريض كان خطأً جراحيًا». ولاحقاً فُصل المساعد بسبب ذلك.

«ربما ساعدت مبادئ التعقيم في تحسين المعايير والنتائج الجراحية أكثر من أي شيء في تاريخ الجراحة» – روان باركس

في النهاية كان على ليستر أن يعرض تقنياته في لندن قبل أن يتقبلها العالم. وبحلول منتصف سبعينيات القرن التاسع عشر، كان معظم الجراحين قد علقوا معاطف الجراحة الملطخة بالدماء للمرة الأخيرة، وبدأوا في غسل أيديهم بشكل روتيني قبل العمليات الجراحية وقاموا بتعقيم أدواتهم.

تُركت ممارسة ليستر للعمل في ضباب كاربوليكي بعد أن أدرك الجراحون أن من الأفضل العمل في أماكن معقمة وبأيادي مغسولة وقفازات وأقنعة.

يقول باركس: «ربما ساعدت مبادئ التعقيم في تحسين المعايير والنتائج الجراحية أكثر من أي شيء في تاريخ الجراحة». يعمل باركس اليوم في مستشفى ادنبرة حيث قضى ليستر معظم مسيرته المهنية.

يقول ريتشارد هولينجهام صحفي في مجال العلوم والفضاء، وكاتب مقالات في (BBC Future) ومؤلف كتاب (Blood and Guts, A History of Surgery): «يُشار إلى ليستر عادة بأنه الأب الروحي للجراحة الحديثة لأنه قاد الأُسس للرعاية الجراحية والعملية، أعتقدُ أن حدوث مثل هذا التغيير في الجراحة في المستشفى التي أعمل بها هو أمر رائع و مدهش».

المصادر: 1