محاضرات فاينمان: الفيزياء الأساسية (م2 ج2)

الجزء الأول من المحاضرة

2-3 فيزياء الكم

سرعان ما اكتشفنا بعد وصفنا فكرة المجالات الكهرومغناطيسية -كيف أن المجال ينقل الموجات- أن هذه الموجات تتصرف بطريقة غريبة إلى الدرجة التي تبدو وكأنها ليست موجات! إذ إنها تتصرف عند الترددات المرتفعة كجسيمات! هنا يأتي دور نظرية أخرى للتفسير هي ميكانيك الكم التي اكتشفت عقب 1920.

كانت صورة الفراغ قبل عام 1920 عبارة عن ثلاثة أبعاد بينما كان ينظر للزمن أو الوقت على أساس أنه شيء مستقل، آينشتاين غيّر هذه الفكرة، فأوجد أولًا مزيجًا أسماه الزمان-مكان (الزمكان أو الفراغ الزمني)، ثم بعد ذلك عبر عن الجاذبية بانحناءات هذا الزمكان. لقد تغير المسرح [وصف الكون سابقًا] إلى الزمكان، والجاذبية تغيرت إلى تعديل طرأ على الزمكان.

ووجد بعد ذلك أن القوانين المنظِّمة لحركة الجسيمات لم تكن صحيحة؛ القوانين الميكانيكية المفسرة للـ«قصور الذاتي» و«القوى» لم تكن صالحة -قوانين نيوتن كانت خاطئة- في عالم الذرة. وجد أن الأشياء في المقياس الصغير تتصرف بشكل مخالف تمامًا للأشياء في مقياسها الأكبر.

وهذا هو الذي يجعل الفيزياء صعبة وشيقة في ذات الوقت؛ إنها صعبة لأن الطريقة التي تتصرف بها الأشياء في المقاييس الصغير تبدو لنا «غير طبيعية» بالمرة؛ ليس عندنا خبرة مباشرة معها. على هذا النطاق لا شيء يتصرف بطريقة نعرفها أو اعتدناها، لذا من المستحيل وصف هذه السلوكيات إلا بالطرق التحليلية. وهذا صعب، ويتطلب الكثير من التخيل.

تحوي ميكانيكا الكم العديد من المظاهر. في المقام الأول، فكرة أن الجسيمات لها مكان محدد وسرعة محددة لم يعد مسموحًا بها. لتوضيح مدى خطأ الفيزياء الكلاسيكية؛ اعلم أن هناك قانون في ميكانيكا الكم يقول إن الراصد لا يستطيع أن يعرف سرعة حركة الجسيم ومكانه في وقت واحد.

إن عدم التأكد من الزخم وعدم التأكد من المكان [الموضع] أمرين متلازمين، وحاصل ضرب القيمتين محدود بثابت ذو قيمة صغيرة. ويمكن كتابة هذا القانون بهذه الطريقة: Δx.Δp≥ℏ/2 وهو يحتاج إلى مزيد من الشرح التفصيلي.

هذا القانون يشرح واحدة من المفارقات الغامضة: لو إن الذرات مكونة من الشحنات الموجبة والسالبة، فلماذا لا تتراكب الشحنات السالبة على الشحنات الموجبة ببساطة (يجذب بعضهما بعضًا) بحيث يقترب بعضهما من الآخر حتى يختفي تأثير شحنتهما؟ ولماذا الذرات كبيرة جدا؟ ولماذا أنوية الذرات في المنتصف بينما الإلكترونات تدور حولها؟ كان يعتقد سابقًا أن هذا بسبب كبر حجم النواة لكن لا، فالأنوية صغيرة جدًا.

يبلغ قطر الذرة نحو 8-10 سم بينما يبلغ قطر نواتها نحو 13-10 سم. وإذا كان لدينا ذرة ورغبنا في رؤية النواة، فعلينا تضخيمها بحيث تكون الذرة بحجم غرفة كبيرة، ومن ثم ستكون النواة بقعة بالكاد يمكن رؤيتها بالعين، ورغم ذلك فإن كل وزن الذرة سيظل في تلك النواة لا متناهية الصغر.

ما الذي يمنع الإلكترونات من السقوط؟ إليك المبدأ: إن صارت الإلكترونات في داخل النواة فسنعرف موضعها بدقة ومن ثم سيتوجب عليها أن تملك زخما كبيرًا جدًا غير معروف القيمة (طاقة كامنة) وهذا بالطبع حسب مبدأ عدم اليقين. وهي بفعل هذه الطاقة الكامنة ستخرج من النواة، إنها تسوِّي الأمر كالتالي: تترك لنفسها فسحة صغيرة لعدم اليقين هذا ثم تتحرك بمقدار معين من الحركة الدنيا وفقًا لهذه القاعدة (تذكر أننا قلنا إن الذرات لا تتوقف عن الحركة تمامًا عندما تبرَّد بلورة ما إلى الصفر المطلق بل تظل تهتز قليلًا، فلماذا؟ حسنًا، إذا توقفت عن الحركة، فسنعرف أين هي [موضعهم] وأن لهم حركة صفرية [سرعتهم] وهذا ضد مبدأ عدم اليقين إذ يجب ألا نستطيع معرفة أين هي وكم سرعة تحركهم، لذلك يجب أن تهتز الذرات باستمرار هناك!)

أحد أهم التغييرات التي أنتجتها ميكانيك الكم في أفكار وفلسفة العلوم هي: لا يمكن التنبؤ بالضبط بما سيحدث في أي ظرف من الظروف. على سبيل المثال، يمكننا ترتيب ذرة على وشك إشعاع ضوء، ويمكننا قياس متى ينبعث الضوء عن طريق التقاط جسيم الفوتون (وهو أمر سنشرحه لاحقا). ومع ذلك، لا يمكننا أن نتنبأ متى سينبعث الضوء (أو عند وجود عدة ذرات، لا يمكن معرفة أي ذرة سترسل هذا الضوء) قد تقول إن هذا لأن هناك بعض الـ«عجلات» الداخلية التي لم ينظر إليها بشكل دقيق بما فيه الكفاية.

لا. لا توجد عجلات داخلية؛ الطبيعة -كما نفهمها اليوم- تتصرف بطريقة تجعل التنبؤ الدقيق بما سيحدث في تجربة معينة أمرًا مستحيلًا جوهريًا.

هذا أمر مريع. إذ قال الفلاسفة سابقًا إن أحد المتطلبات الأساسية للعلوم هو وجوب حدوث ذات الشيء متى ما أعدت ذات الشروط.

هذا ببساطة ليس صحيحًا؛ ليس شرطًا أساسيًا للعلوم. فالحقيقة هي أن الشيء نفسه لا يحدث، وأننا نستطيع إيجاد متوسط إحصائي لما يحدث وحسب. لكن مع ذلك، فالعلم لم يسقط تمامًا.

الفلاسفة يقولون -عرضيًا- الكثير عمّا هو ضروري للعلوم، وحسبما نرى فهي دائما أقوال ساذجة وغالبًا خاطئة. على سبيل المثال، فإن فيلسوفًا أو سواه قال إن من الأساسي للجهد العلمي أنه إذا أُجريت تجربة في ستوكهولم، ثم أُجريت ذات التجربة في كيتو، أن تكون النتيجة نفسها.

وهذا خطأ كبير. فليس من الضروري أن يفعل العلم ذلك؛ قد تبدو حقيقية بفعل الخبرة لكنها ليست صحيحة بالضرورة. لنأخذ مثالًا على الموضوع: إذا كانت إحدى التجارب هي أن تنظر إلى السماء وترى الشفق القطبي في ستوكهولم فإنك لن تراه من كيتو! هنا ستقول «لكن هذا أمر متعلق بالعالم الخارجي، إن وضعت نفسك في صندوق وأغلقته فهل ستحصل على أي اختلاف؟»، بالتأكيد نعم!

لو سحبنا بندولًا مركب بمفصل [رقّاص مركب بمفصل كاردان pendulum on a universal joint] ثم تركناه فإنه سيتحرك جيئة وذهابًا في مستوي، لكن بشكل غير تام، إذ سيتغير المستوي في ستوكهولم فقط وليس في كيتو. وحقيقة أن هذا يحدث لا يؤدي إلى تدمير العلم؛ فالفرضية الأساسية للعلوم والفلسفة الجوهرية التي ذكرناها في الفصل الأول هي: إن التجربة هي الاختبار الوحيد لصلاحية أي فكرة.

إن تبين أن معظم التجارب تعمل في كيتو كما تعمل في ستوكهولم، فإن «معظم التجارب» تلك ستستخدم لصياغة قانون عام، أما التجارب الأخرى التي تخالف الأغلبية فسنقول إنها كانت بسبب بيئة ستوكهولم.

سنخترع طريقة ما لتلخيص نتائج التجربة، وينبغي ألا يتم اخبارنا طول الوقت بالكيفية التي ستكون عليها. فلو أخبرنا أن نفس التجربة دائمًا ستنتج نفس النتيجة فهذا سيكون رائعًا بالطبع، لكن حين نطبقها ولا تكون النتائج نفسها فإن النتائج ليست نفسها. يجب علينا الأخذ بما نراه فقط وتكوين بقية أفكارنا على ضوء مشاهداتنا الحقيقية.

لنعد مرة أخرى إلى ميكانيكا الكم والفيزياء الأساسية، لكن دون الذهاب إلى تفاصيل مبادئ ميكانيكيا الكم لصعوبة فهمها في الوقت الحالي. سنفترض أنها موجودة، ونصف بعض تبعاتها.

واحدة من هذه التبعات هي أن الأشياء التي اعتدنا أن نعتبرها موجات تتصرف وكأنها جسيمات، والجسيمات تتصرف كما لو أنها موجات؛ في الحقيقة كل شيء يتصرف بهذه الطريقة ولا يوجد فرق بين الموجة والجسيم. لذا فإن ميكانيكا الكم توحد فكرة المجال والموجات والجسيمات في كيان واحد.

وعندما يكون التردد منخفضًا فإن المنظور الموجي للظاهرة يكون أوضح، أو يكون وصفًا تقريبيًا جيدًا بالنسبة لعالمنا المألوف. أما عندما يرتفع التردد فإن المنظور للظاهرة على أنها جسيمات يكون أوضح مع الجهاز الذي نستخدمه عادة في إجراء القياسات.

ورغم ذكرنا للعديد من الترددات إلا إننا لم نرصد أي ظاهرة تتضمن ترددًا يزيد عن 1012 دورة في الثانية تقريبًا [إلى وقت كتابة هذه المحاضرة]. نحن نستنتج هذه الترددات من طاقة الجسيمات عبر قاعدة تفترض أن فكرة ميكانيكا الكم عن الجسيم-الموجة صحيحة.

وهكذا بات لدينا رؤية جديد عن التفاعلات الكهرومغناطيسية: أصبح لدينا نوع جديد من الجسيمات بالإضافة إلى الفوتون والبروتون والنيوترون، هذا الجسيم الجديد يسمى بالفوتون.

هذه الرؤية الجديدة لتفاعل الإلكترون والفوتون هي النظرية الكهرومغناطيسية، وباعتبار أن كل شيء صحيح من وجهة نظر ميكانيك الكم، سنسميها نظرية الكهروديناميك الكمومي (quantum electrodynamics).

تعد النظرية الأساسية لتفاعل الضوء والمادة، أو المجالات الكهربية والشحنات من أعظم نجاحاتنا في الفيزياء حتى الآن. إذ لدينا في هذه النظرية الواحدة القواعد الأساسية لجميع الظواهر الطبيعية باستثناء الجاذبية والعمليات النووية.

حيث تنبع من نظرية الكهروديناميك الكمية جميع القوانين الكهربائية والكيميائية والميكانيكية المعروفة مثل قانون اصطدام كرات البلياردو وحركة الشحنات في أسلاكٍ داخل مجال مغناطيسي، وحرارة أول أكسيد الكربون المحددة، وألوان علامات غاز النيون، وكثافة الملح وتفاعل الهيدروجين مع الأكسجين لصنع الماء.. كل ما سبق تبِعاتٌ لتلك النظرية!

وكل هذه التفاصيل يمكن أن تتحقق إذا كان الوضع بسيطًا كفاية بالنسبة لنا لإجراء تقريب، وهو ما لا يحدث تقريبًا، ولكننا أحيانًا يمكن أن نفهم القليل أو الكثير عمَا يحدث.

هذا ولم يعثر إلى الآن على استثناءات لقوانين الكهروديناميك الكمية خارج النواة، ولا نعلم ما إن كان هناك استثناء لأننا لا نعلم كل ما يجري في داخل النواة.

من حيث المبدأ، فإن الكهروديناميك الكمية هي نظرية كل الكيمياء، والحياة أيضًا إن كان أصل الحياة كيميائيًا وحسب وبالتالي فيزيائيًا، لأن الكيمياء هي جزء من الفيزياء (بات معروفًا فرع الفيزياء الذي يحتوي الكيمياء تحت مظلته). الأكثر من ذلك أن الكهروديناميك الكمية -هذا الشيء العظيم- تتنبأ بالكثير من الأشياء الجديدة. في المقام الأول، إنها تخبرنا عن خصائص الفوتونات عالية الطاقة، وأشعة جاما وما إلى ذلك.

إنها تتنبأ كذلك بأشياء أخرى عظيمة فتقول: بخلاف الإلكترون، هناك جسيم آخر بنفس الكتلة لكن بشحنة معاكسة [أي موجبة] يسمى البوزيترون، وهذان الجسيمان يفني واحدها الآخر عند التصادم مع انبعاث ضوء أو أشعة جاما (علما أن الضوء وأشعة جاما هما نفس الشيء [في الأصل]، إنهما نقطتين مختلفتين على مقياس التردد).

وتبين أن تعميم هذا الأمر إلى أن لكل جسيم يوجد جسيم مضاد هو أمر صحيح. وفي حالة الإلكترون يسمى نقيضه بوزيترون لكن لكثير من الجسيمات الأخرى فإن الجسيم النقيض يسمى {مضاد كذا} مثل الجسيم مضاد البروتون والجسيم مضاد النيوترون. ويفترض أن ينتج رقمان يُدخلان في الكهروديناميك الكمي معظم الأرقام الأخرى في العالم. هذان الرقمان هما كتلة الإلكترون وشحنته. في الواقع هذا ليس صحيحًا تمامًا، إذ لدينا قاعدة كاملة من الأرقام الكيميائية التي تعبر عن مدى ثقل النواة. وهذا ما يقودنا إلى الجزء القادم.

[جدير بالذكر أن ريتشارد فاينمان هو مؤسس علم الكهروديناميك الكمومية، وهو علم يربط النظرية النسبية الخاصة بميكانيك الكم في علم واحد لتفسير الظواهر آنفة الذكر]

2-4 الجسيمات والذرات

من أي شيء تتكون الذرات، وكيف تترابط هذه الأجزاء معًا؟ لقد وجد أن الذرة تترابط بفضل مجموعة من القوى. وحين تتحرر هذه القوى تتحرر طاقة عظيمة مقارنة بالطاقة الكيميائية، بعظمة الفرق بين انفجار القنبلة النووية وانفجار مادة تي أن تي TNT؛ ذلك لأن في القنبلة النووية تحدث التغيّرات في داخل النواة بينما تغيّرات انفجار الـ TNT يكون على مستوى الإلكترونات خارج النواة.

السؤال هو: ما هي القوى التي تبقي البروتونات والنيوترونات معًا داخل نواة الذرة؟

تمامًا مثل التفاعل الكهربي الذي يحدث بين الجزيئات والفوتونات، اقترح هيديكي يوكاوا (Hideki Yukawa) أن القوى المتبادلة بين النيوترونات والبروتونات لها مجال من نوع ما، وأن هذا المجال يتصرف عند اهتزازه مثل الجسيمات.

لذا واستنادًا إلى الفرضية السابقة: هناك جسيمات أخرى في الوجود بخلاف البروتونات والنيوترونات، وقد استطاع أن يستنتج خصائص الجسيمات من خلال خصائص القوى النووية. على سبيل المثال لقد تنبأ أن لها وزن يعادل مئتين إلى ثلاث مئة ضعف وزن الإلكترون. وانظر وتعجب! إذ اُكتشف جسيم في الأشعة الكونية بالكتلة الصحيحة! ولكن تبين لاحقًا أنه الجسيم الخطأ. وسمي بالـميو-ميزون أو الميون.

واكتشف لاحقًا بين عامي 1947 و1948 جسيم آخر هو الـباي-ميزون أو الـبيون، والذي حقق معيار يوكاوا. وبجانب البروتون والنيوترون، سيكون لزامًا علينا لكي نحصل على القوى النووية أن نضيف البيون.

لعلك ستقول الآن «عظيم جدًا، لنضع نظرية عن ديناميكية الأنوية الكمومية بتضمين البيونات كما أراد يوكاوا أن يفعل، ولنرَ إن كانت ستنجح ويُفسر كل شيء».. حظ سيء! لقد تبين أن الحسابات التي احتوت عليها هذه النظرية كانت في غاية الصعوبة بالشكل الذي استعصى على أي شخص أن يتصور تبعات هذه النظرية، أو أن يختبرها باستخدام التجربة، وما يزال هذا مستمرًا منذ عشرين عامًا تقريبًا.

لذا فقد علقنا مع نظرية لا نعرف إن كانت صحيحة أم خاطئة، لكننا نعلم أنها خاطئة إلى حد ما، أو ليست مكتملة على الأقل. لكن بينما كنا نبدد الوقت في الأفكار الافتراضية محاولين أن نحسب تبعات هذه النظرية، كان العلماء التجريبيون يكتشفون بعض الأشياء..

على سبيل المثال: لقد اكتشفوا بالفعل الميزون أو الميون، ونحن لا نعرف أين موضعه من النظرية. كذلك وُجد عدد كبير من الجسيمات الإضافية في الأشعة الكونية. وتبين أن لدينا قرابة 30 جسيمًا اليوم، ومن الصعب جدًا فهم العلاقات بين كل هذه الجسيمات ولِمَ أرادتهم الطبيعة أو ما هو الاتصال بينها.

حاليًا نحن لا نفهم هذه الجسيمات على أنها أوجه متعددة لشيء واحد، وحقيقة أن لدينا جسيمات كثيرة غير مترابطة هو تمثيل لحقيقة أن لدينا الكثير من المعلومات غير المترابطة بنظرية.

بعد النجاح الرائع لنظرية الكهروديناميك الكمومي، أصبح لدينا معرفة جيدة بالفيزياء النووية، وهي معرفة تقريبية نصف تجريبية ونصف نظرية، بافتراض وجود نوع من القوة بين البروتونات والنيوترونات ورصد ما سيحدث، ولكن من دون معرفة من أين تأتي القوة. بالإضافة إلى ذلك فقد تقدمنا تقدمًا ضئيلًا جدًا.

لقد قمنا بتجميع عدد كبير من العناصر الكيميائية. لكن في الحالة الكيميائية ظهرت علاقات تربط هذه العناصر بشكل غير متوقع، وقد ضمِّنَت في الجدول الدوري لماندليف. الصوديوم والبوتاسيوم على سبيل المثال لهم تقريبًا نفس الخواص الكيميائية؛ وقد تواجدا معًا في نفس العمود في جدول ماندليف.

لقد بحثنا عمّا يشبه مخطط ماندليف للجسيمات الجديدة. فصَنَعَ هكذا مخطط واحد للجسيمات الجديدة كل من جيل-مان في أمريكا ونيشيجيما في اليابان بشكل منفصل. أساسيات التصنيف هي رقم جديد يميّز كل جسيم، مثل الشحنة الكهربية، هذا الرقم سمي بالـغرابة strangeness ورمز له بالحرف S، وهو محفوظ في التفاعلات التي تحدث على مستوى القوى النووية، مثل الشحنة الكهربية.

ويحتوي الجدول 2-2 كل الجسيمات. ولا يمكننا مناقشة تفاصيلهم كثيرًا في هذه المرحلة، ولكن الجدول سيعكس على الأقل مقدار ما لا نعرف. في الأسفل من كل جسيم تكتب كتلته بوحدة القياس المعروفة باسم ميغا إلكترون فولت MeV، وتساوي الواحدة منها 1.783×10−27 غرام.

الصورة: الجدول 2-2: الجسيمات الأولية

لقد اختيرت هذه الوحدة لسبب تاريخي، لكن لن نشرحه الآن. أما بخصوص الجدول فتوضع الكتل الأثقل في المناطق الأعلى من المخطط؛ ونرى أن البروتونات والنيوترونات لهما نفس الوزن تقريبًا. وفي الصفوف الأفقية توضع الجسيمات ذات نفس الشحنة الكهربية: كل العناصر المحايدة في عمود واحد، وكل ذوات الشحنة الموجبة في الجهة اليمنى من هذا العمود، وكل ذوات الشحنة السالبة في الجهة اليسرى.

الجسيمات موضحة بخطوط عادية والرنينة بخطوط متقطعة. وحذف عدد من الجسيمات من الجدول. وهذا يتضمن الجسيمات المهمة صفرية الكتلة والصفرية الشحنة (الفوتون والجرافيتون) والتي لا تخضع إلى مخطط تصنيف بايرون-ميزون-ليبتون، وكذلك بعض العناصر الرنينة (K∗, ϕ, η).

الجسيمات المضادة للميزون موضوعة في الجدول، لكن الجسيمات المضادة للبايرونات واللبتونات وجب أن توضع في جدول آخر مشابهٌ لهذا الجدول لكنه معكوسٌ على عمود خط الشحنة الصفرية.

كذلك كل الجسيمات باستثناء الإلكترونات والنيوترونات والفوتونات والجرافيتونات والبروتونات غير مستقرة، لكن لم تعرف نتائج الاضمحلال لغير الرنينيات. ويجدر الذكر أن ثابت الغرابة لا ينطبق على الليبتونات لأنها لا تتفاعل بقوة مع النواة.

تسمى كل الجسيمات الموجودة مع البروتونات والنيوترونات بالبايرونات، التي تحتوي أيضًا على جسيم لامدا lambda ذو كتلة تساوي 1115 مليون إلكترون فولت وثلاثة جسيمات أخرى هي سيجما sigma موجب وسالب ومتعادل وهن ذات كتل مختلفة لكن متقاربة جدًا.

هناك مجموعات أو متعددات multiplets تحتوي على نفس الكتل تقريبًا مع اختلافات نسبية تصل إلى 1 أو 2 في المئة. كل جسيم في هذه المجموعة له نفس ثابت الغرابة S. أول المتعددات هو البروتون-النيوترون المتشابهان، أيضًا هناك المتفرد (لامدا) وسيجما الثلاثية، وزاي المتشابهة.

لقد وجدت في عام 1961 جسيمات جديدة، أم هل هي جسيمات؟ إنها تبقى في الوجود لوقت قصير، إذ تتفكك لحظيًا بمجرد أن تتكون، إلى الدرجة التي لا نعرف أنعتبرها جسيمات جديدة أم نوع من تفاعل الرنينيات لمستويات طاقة محددة بين منتجات (Λ وπ) التي تتفكك إليها.

وبالإضافة إلى البايرونات تسمى الجسيمات الأخرى التي تشترك في التفاعلات الذرية بالـميزونات. ومنها أولا البيونات التي تكون بثلاثة أنواع. الموجبة والسالبة والمتعادلة؛ وهي بذلك تكون متعددات أخرى. ولقد وجدنا أشياء جديدة تسمي الـ(ك-ميزون K-meson) وهي تحدث في حالة ازدواج k+ وK0.

كذلك فإن لكل جسيم جسيم مضاد، إلا إذا كان الجسيم هو نفسه جسيمه المضاد. على سبيل المثال -π و π+ هما جسيمان مضادان لبعضهما، لكن π0 هو نفسه جسيمه المضاد. كذلك -K و +K هما جسيم وجسيم مضاد، وكذلك K̅+ وk0.

بالإضافة إلى ذلك، وجدنا في عام 1961 المزيد من الميزونات أو ربما هي ميزونات تتفكك لحظيًا تقريبًا. إذ اكتشفنا شيئًا ما يسمى ω يتفكك إلى ثلاثة بيونات وله كتلة 780 على هذا المقياس، وبيقين أقل كان هناك جسيم ينقسم إلى اثنين من البيونات. توضع هذه الجسيمات المسماة بالميزونات والباريونات، والجسيمات المضادة للميزونات على نفس المخطط، لكن الجسيمات المضادة للباريونات لا بد أن تُضَمَّن في مخطط آخر، يكون معكوسًا على عمود الشحنات الصفرية.

وتمامًا مثل مخطط مندليف الذي كان رائعًا باستثناء حقيقة أن هناك عدد من العناصر النادرة على الأرض كانت ملحقة به (في أسفل الجدول الدوري)، نحن أيضًا لدينا عدد من الأشياء الملحقة بمخططنا بشكل حر تسمى ليبتونات. وهي جسيمات لا تتفاعل بقوة في النواة وبالتالي ليس لها علاقة بالتفاعل النووي وليس لها تفاعل قوي (أعني ليس قويًا كذلك التفاعل في الطاقة النووية).

هذه الليبتونات هي: الإلكترون ذو الكتلة الصغيرة نسبيًا والبالغة نحو 0.510 مليون إلكترون فولت. والميون الذي تفوق كتلته كتلة الإلكترون بـ 206 مرات. ووفق التجارب الحالية فلا فرق بين الميون والإلكترون غير الكتلة وينطبق على الميون ما ينطبق على الإلكترون باستثناء أن أحدهما أثقل من الآخر. لماذا أحدهما أثقل؟ وما الفائدة؟ هذا ما لا نعرفه.

أيضًا هناك ليبتون آخر متعادل الشحنة يسمى نيوترينو وكتلته تساوي صفرًا (كتلته صفرية). وفي الحقيقة صرنا نعلم الآن أن هناك نوعين من النيوترينو، أحدهما متعلق بالإلكترون والآخر مرتبط بالميون.

أخيرا لدينا نوعين من الجسيمات التي لا تتفاعل بقوة مع الجسيمات النووية: أحدهما هو الفوتون. وإن وُجِدت نظريةٌ كميةٌ لمجال الجاذبية (لم تكتشف نظرية كمّية للجاذبية بعد) ربما سيكون لدينا عندها جسيم جديد عديم الكتلة (كتلته صفرية) أيضًا يسمى جرافيتون.

ما هي الكتلة الصفرية؟ الكتل المعطاة هنا هي كتلة الجسيمات في حالة السكون. وحقيقة أن الجسيمات لها كتل صفرية تعني بشكل ما أن هذه الجسيمات لا يمكن أن تكون في سكون: الفوتون لا يستقر أبدا، إنه دائما في حالة من الحركة بسرعة الضوء 186,000 ميل في الثانية. وسنفهم أكثر ما تعنيه الكتلة عندما نفهم النظرية النسبية، وهذه سنشرحها لاحقًا.

لقد واجهنا عدد ضخم من الجسيمات، والتي تبدو مجتمعة كمكونات أساسية للمادة. لحسن الحظ؛ ليس لهذه الجسيمات تفاعلات مختلفة بين بعضها البعض. في الحقيقة، هناك فقط أربعة أنواع من التفاعلات بين الجسيمات هي -من الأقوى إلى الأضعف- القوة النووية، والتفاعلات الكهربية، واضمحلال أشعة بيتا، والجاذبية.

الفوتون مرتبط بجميع الجسيمات المشحونة وقوة التفاعل تقاس برقم يسمى ثابت البناء الدقيق قيمته 1/137. والقانون المفصل لهذا الارتباط يعرف باسم الكهروديناميك الكمي. الجاذبية ترتبط بكل الطاقات ولكن ارتباطها أضعف بشكل ملحوظ، أضعف بكثير من الكهرباء. وهذا القانون أيضا معروف. هناك أيضا ما يعرف بالاضمحلال الضعيف أو اضمحلال بيتا، والذي يسبب تحلل النيوترون إلى بروتون وإلكترون ونيوترينو، وهو أبطأ نسبيًا، هذا القانون معروف بشكل جزئي. أما ما يسمى بالتفاعل القوي، وهو تفاعل الميزون-بايرون، فله قوة 1 على مقياس التفاعل هذا، والقانون بأكمله غير معروف، على الرغم من وجود عدد من القواعد المعروفة مثل أن عدد البايرونات لا يتغير في أي تفاعل.

جدول 2-3: القوى الأولية

هذه إذًا ظروف الفيزياء في الوقت الحالي [ستينيات القرن العشرين]. للتلخيص يمكنني القول إن خارج الذرة يبدو أننا نعلم كل شيء، أما في داخلها فإن ميكانيك الكم صالحة ولم نجد أن مبادئها فشلت قط. ويمكننا القول إن المسرح الذي نضع عليه كل معرفتنا هو الزمكان النسبي وربما الجاذبية متضمنة في الزمكان. ولا نعرف كيف بدأ الكون ولم نجرب اختبار أفكارنا عن المكان والوقت بشكل دقيق في مسافات دون الصغيرة، لذا نحن فقط نعلم أن أفكارنا تعمل بعد هذه المسافات.

يجدر الذكر أن قوانين اللعبة هي مبادئ ميكانيك الكم، وهذه المبادئ تنطبق -على حد علمنا- على الجسيمات الجديدة كما تنطبق على القديمة. وإن أصل القوى في النواة يقودنا إلى جسيمات جديدة لكنها لسوء الحظ تظهر بوفرة كبيرة وليس لدينا الفهم الكامل لعلاقاتها معًا، رغم أننا نعلم بوجود بعض العلاقات المفاجئة بينها. يبدو أننا نتجه نحو فهم عالم الجسيمات دون الذرية، لكننا لا نعلم حقًا كم بقي من مسافة لإكمال هذا (الطريق).

انتقل إلى المحاضرة التالية

المصادر: 1