علم الفلك البابلي: نشوءه وتطوّره وانتشاره

كثيرًا ما نظر البشر إلى السماء منبهرين بجمالها وأسرارها. ولا عجب أننا نلاحظ تغيّر مظهر السماء ليلًا في أثناء دوران الأرض والكواكب الأخرى حول الشمس، إذ يتمتع البشر ببراعة مذهلة في اكتشاف الأنماط. وهذا ليس بالجديد إذ تحدد لوحة مكتشفة في لاسكو، في فرنسا موقع الكواكب في السماء ليلاً منذ قرابة 15،000 سنةٍ قبل الميلاد!

رسمة على جدران كهف فرنسي في لاسكو تصوِّر أماكن النجوم في السماء

وممارسة فك رموز هذه الأنماط المتغيرة وما تعنيه للحياة على الأرض قديمة أيضًا. إذ ظهرت ممارسات التنجيم بشكل مستقل في جميع أنحاء العالم: في بلاد ما بين النهرين والهند والصين وأمريكا الوسطى. لكن نظام بلاد ما بين النهرين، الذي ظهر في بابل القديمة (العراق الحديث) منذ نحو 5000 عام، هو الذي شكل أساس علم التنجيم المستخدم حاليًا في الغرب. 

بدايات علم التنجيم البابلي

توجد بعض البراهين على ممارسة علم التنجيم في بابل منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد، ولكن أقدم دليل على نظامهم الموثوق في علم التنجيم هو من الألفية الثانية قبل الميلاد؛ إذ يوثّق نحو 70 لوحًا طينيًا مكتوب باللغة المسمارية يعود إلى العام 1700 قبل الميلاد أكثر من 7000 نذيرٍ سماويٍ!

ركز علم التنجيم في ذلك الوقت على ما كان يحدث في السماء ليلًا لأن التنبؤ بحركة الكواكب كان صعبًا حينها، لكنهم امتلكوا بحلول القرن الرابع قبل الميلاد نظامًا موثوقًا إلى حد ما، بحيث يستطيع التنبؤ بحركة الكواكب المستقبلية.

أجزاء من التقويم النجمي البابلي (الإمبراطورية البابلية).

كان علم التنجيم في بابل إحدى ممارسات الكهنة، وكان إحدى طريقتين يحدد بهما الكهنة إرادة الآلهة. أما الطريقة الأخرى فهي فحص أكباد القرابين وتفسير أنماط البقع الداكنة التي يمكن ملاحظتها.

تضمن نظام التنجيم البابلي الكثير من الأشياء التي نتعرف عليها في عصرنا الحالي. قسَّموا النجوم الثابتة إلى ثلاث مجموعات -آنو وإنليل وإيا- بناءً على مكان سطوعها في الأفق الشرقي.

وتعرف البابليون في الأصل على 18 كوكبة من هذه النجوم الثابتة، لكنهم ركزوا لاحقًا على أهم 12 كوكبة، والتي تبناها الغريق وتتوافق مع الأبراج التي يستخدمها الغرب اليوم.

كان يعتبر علم التنجيم البابلي مهمًا جدًا في تسيير الدولة؛ وهؤلاء منجمون بابليون يرسمون خرائط النجوم. المصدر: مهد الحضارة Cradle of Civilization.

قراءة رغبة الآلهة

عرف البابليون أيضًا خمسة كواكب، إضافةً الى الشمس والقمر. ولقد ربطوا هذه الكواكب مع آلهة مختلفة من مجموعة آلهتهم: كوكب المشتري مع مردوخ، والزهرة مع عشتار، وزحل مع نينورتا، وعطارد مع نابو، والمريخ مع نيرغال، والشمس مع شمش، والقمر مع سين.

ولقد اعتقدوا أن حركة الشمس والقمر والكواكب في الفلك تعرض نشاطات هذه الآلهة وتحمل رسالة منهم عن رغبتهم.

من اليسار إلى اليمين: آشور، عشتار، سين، إنليل، أداد، عشتار أربي وحولهم مصليان للنجوم

اهتم الكهنة عند قراءة هذه الطوالع بما يحدث في عموم الدولة بالدرجة الأولى وفي حياة الملك باعتباره الشخصية المركزية للدولة. وآمنوا بقدرة الطقوس على إرضاء الآلهة وتلطيف القضاء الذي تعرضه النجوم.

أما طريقة البابليون في التفسير فقد كانت مبنية على الذاكرة، بتعبير أدق: يستذكرون ما حدث في الماضي عندما ظهرت نفس الظاهرة الفلكية الحالية. وأيضًا استخدموا خصائص الآلهة (طبيعته) المرتبطة بالكواكب المختلفة (ذكرنا سابقًا أن لكل كوكب إله مختلف) وأيضًأ القصص المرتبطة بالكوكبات المختلفة لتطوير قصص تتضمن رسائل عن معناها.

وقد انتشر علم التنجيم البابلي في المنطقة. فالكثير من الملفات التي وجدت في المدن الحيثية والأكدية والآشورية تفصِّل أشياء عديدة مثل طالع القمر والكسوف الشمسي بناءً على النظام البابلي.

بلانسفير من المكتبة الآشورية في نينوى (668-627 قبل الميلاد) محفوظة في المتحف البريطاني.

ملاحظة: البلانسفير Planisphere هي أداة حساب على شكلِ قرصٍ يُدَوَّرُ حول نقطةٍ لعرضِ مواقع النجوم في أي وقت. أو باختصار: خريطة فلكية.

الطوالع البابلية

يبدو أن قدرتك على “معرفة” شيءٍ عن شخص ما من خلال موضع النجوم عند ولادته هي مبدأ قديم في علم الفلك البابلي. إذ تقول نبوءة من الألفية الثانية قبل الميلاد إن الأطفال المولودين في الشهر الثاني عشر سيعيشون فترة طويلة وينجبون أطفالًا من الذكور.

مع ذلك، يبدو أن ممارسة إنتاج الأبراج الشخصية ظهرت منذ نحو 400 عام قبل الميلاد. كان هذا بعد أن استولى الفُرس على المنطقة. ومع ممارساتهم الدينية المختلفة، لم يعودوا بحاجة إلى خدمات الكهنة المنجمين.

يصف البرج البابلي الأكثر شهرة سماء الليل في 29 أبريل/نيسان 410 قبل الميلاد. فيصف القمر بأنه يقع أسفل كماشة العقرب، والمشتري في برج الحوت، والزهرة في برج الثور، والمريخ في الجوزاء، وعطارد على أنه غير مرئي. وتوقع المنجم من هذا الحظ الجيد للمواليد الجدد. ومثلما يكون التنبؤ مبكرًا؛ يمكن للكاهن إن حملت خريطة نجم طفل نذير شؤمٍ أن يؤدي طقوسًا مبكرة للتخفيف من هذه المشاكل.

يمكن للكاهن البابلي تأدية طقوس لتخفيف تأثير طوالع الشؤم التي تظهر عند ولادة طفل.

الانتقالات والإضافات من الإغريقيين.

تعود جذور علم التنجيم المستخدم في الغرب اليوم إلى بابل، إلا أنه تأثر بشدة بالثقافات الأخرى التي نقلته إلى العالم الحديث. وكان الإغريق مفتاح هذه الانتقالات. ورغم ظهور إشارات إلى علم الفلك في بعض النصوص اليونانية المبكرة -مثال عليها قصائد هسيودوس (توفي عام 750 ق.م) التي تقترح أن النجوم تشير إلى الوقت المواتي لعمل أشياء معينة- إلا أن علم التنجيم لم يصبح شائعًا إلا بعد غزوات الإسكندر الأكبر لآسيا وزيادة التواصل مع بلاد ما بين النهرين.

سبق الإيكوانوكس (وهذه هي إحدى النقطتين اللتان)

مع هذا فقد أضاف الإغريق إلى علم التنجيم عناصر معتبرة، مثل أهمية العناصر الأربعة -النار والأرض والهواء والماء- واكتشاف مبادرة الاعتدالين precession of the equinoxes.

ويعد بطليموس من الإسكندرية الذي عاش في مصر في العام 100م تقريبًا، من أشهر علماء الإغريق، إذ كتب عملين مهمين في علم التنجيم. وقدم في مؤَلَفِه تيترابيبلوس (الكتب الأربعة) تلخيصًا عن علم التنجيم المعاصر، واتخذه العرب والأوروبيون مرجعًا حتى القرن السابع عشر، أي عندما صرح كوبرنيكورس أن الأرض تدور حول الشمس.

علماء فلك قدامى.

تعديلات الرومان والعرب على علم التنجيم

مارس الرومان -الذين تبنوا العديد من جوانب الثقافة الإغريقية- علم التنجيم. واشتهر العديد من أباطرة الإغريق باستخدامهم علم التنجيم، فكان للإمبراطور أغسطس قيصر إشارة القمر الخاصة به، وهي علامة برج الجدي التي نقشت على بعض عملاته المعدنية.
وإن أشهر منجم روماني كان فيرميكوس، الذي عاش في القرن الرابع قبل الميلاد وكَتب دليلًا عمليًا إلى علم التنجيم متمثلًا بكتابه ماثيسس Mathesis.

فُقدت من أوروبا الكثير من المعرفة بعد سقوط روما عام 410م لكنها عاودت الظهور في العصور الوسطى. وبينما كان علم التنجيم في أوروبا يمر بعصر مظلم، لكنه استمر في الازدهار في العالم العربي..

كان العلماء العرب هم الذين حافظوا على أعمال بطليموس وفريميكوس، وأضافوا معلومات عن ممارسات التنجيم في أماكن مثل الصين والهند. وطوروا الإسطرلاب، وهو أداة علمية لتتبع حركة النجوم والكواكب.

الإسطرلاب الإسلامي من القرن الثالث عشر في المتحف البريطاني.

ولم يستعد علم التنجيم الأوروبي قوته إلا بعد تجديد النشاط الفكري في أوروبا بعد العصور المظلمة. وفي القرنين الحادي عشر والثاني عشر، نظر العلماء المتعطشين إلى العالم العربي بحثًا عن معلومات في علم التنجيم. وفي عام 1138 وصلت أول ترجمة باللغة اللاتينية لكتاب تيترابيبلوس إلى أوروبا. ومنذ ذلك الوقت، أعاد علماء الفلسفة الأوروبية تقديم علم التنجيم للثقافة الأوروبية، وطوروا نظام التنجيم المستخدم في الغرب اليوم استنادًا إلى علم التنجيم البابلي.

المصادر: 1