لوحة رسمها John Trumbull، تصوّر لحظة إعلان استقلال الولايات المتحدة وتقديم مسودة القرار في أثناء اجتماع مؤتمر القارات الثاني عام 1776

لمحة عن عصر التنوير

سميت الفترة ما بين أواخر القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر «بعصر التنوير». بينما كان عصر التنوير عهدًا ازدهر فيه العلم، وقامت فيه ثورات عدة في الولايات المتحدة وفرنسا، إلا أنه كان عصرًا مظلمًا أيضًا من ناحية أخرى، فاستُعبد فيه ملايين الأشخاص ونقلوا من أفريقيا إلى النصف الغربي للكرة الأرضية.

كتبت أستاذة التاريخ في جامعة روشستر، دوريندا أوترام Dorinda Outram في الطبعة الثالثة من كتابها «التنوير»: «يمكن أن ننظر بواقعية أكثر أن حركة التنوير كانت سلسلة متشابكة من المشاكل والجدالات المحتدمة.»

الأفكار العظيمة التي ترافقت مع عصر التنوير

كتب جون روبرتسون John Robertson، أستاذ تاريخ الفكر السياسي في جامعة كامبريدج، في كتابه «التنوير: مقدمة قصيرة جدًا»، والذي طبع في مطبعة جامعة أكسفورد في عام 2015: المصطلح الإنجليزي «اينلايتنمنت» «Enlightenment» أي التنوير، هو في حد ذاته ترجمة، جاءت صياغته في أواخر القرن التاسع عشر، من مصطلحين مختلفين، استخدم كلاهما في القرن الثامن عشر وهما: المصطلح الفرنسي «lumières» والمصطلح الألماني «Aufklärung»، يشترك كلا المصلحين بمعنى «التنویر».

في أثناء العصر الذي سمي عصر التنوير، انتشرت العديد من الأفكار الجوهرية. فقد ازدادت شكاوى الناس وانزعاجهم من الحكم الملكي، من أولئك الملوك الذين يسنّون القوانين على هواهم. وبدأت تتزايد الدعوات إلى الحريات الفردية والتحرر، فكتب توماس باين «Thomas Paine» في كتيّبه الحس السليم Common Sense ناقداً استبداد الملوك: «وقد بُنيت قصور الملوك على أنقاض عرائش الجنة».

ساعدت هذه الأفكار على إشعال الثورة الفرنسية بين عامي 1789-1793، والتي أدت لقطع رأس الملك الفرنسي لويس السادس عشر، وتأسيس جمهورية في فرنسا.

كان حكم لويس السادس عشر وأسلافه لفرنسا حكمًا ملكيًا مطلقًا، كانوا يتربعون في قصر فرساي البهيّ، الذي عُدّ بمثابة شعار لسلطة الملك الفرنسي.

فقد الحكم الملكي في الولايات المتحدة أيضًا ثقة الشعب وازدادت الاحتجاجات ضد نظام الحكم الملكي، مما أدى إلى تحولها إلى جمهورية بعد طرد البريطانيين خلال حرب الاستقلال الأمريكية بين عامي 1775-1783.

وشهدت بداية هذا العصر أيضًا انتشار فكرة التحرر الديني بعد أن سئم الناس من شدة تحكم السلطات الدينية بالسياسة.

أدى صلح ويستفاليا The Peace of Westphalia، وهو سلسلة معاهدات السلام التي أنهت حرب الثلاثين عامًا في عام 1648، إلى تقليص سلطة البابا في جميع أنحاء أوروبا، واستمر هذا التراجع في سيطرة القوة الدينية إلى القرن الثامن عشر، ولاسيما خلال الثورة الفرنسية.

بالإضافة إلى ذلك، عندما نالت الولايات المتحدة استقلالها، رفضت تبني ديانة وطنية، وبدلاً من هذا نص الدستور على أن: «لن يصدر الكونجرس أي قانون يدعم فرض أي ديانة أو يحظر حرية ممارستها».

شهدت هذه الفترة أيضًا اهتمامًا متزايدًا بالعلم وفهمه واستخدامه بدلا ًمن الاعتماد على تفسيرات الدين لشرح الظواهر الطبيعية.

فإسحاق نيوتن ودانيال فهرنهايت وبنجامين فرانكلين وأليساندرو فولتا، هم ثلة علماء ومخترعين من بين كثيرين لمعت أسماؤهم و ازدهرت أعمالهم خلال عصر التنوير. وقد ساعدت اكتشافاتهم، كالتقدم في اكتشاف تقنيات الكهرباء، على تمهيد الطريق للثورة الصناعية و على ظهور التقنيات الحديثة المستخدمة في العالم الذي نعيش فيه اليوم.

أدى تطوير مؤسسات جديدة مكرسة للنهوض بالعلوم كافة إلى انتشار المعرفة في جميع أنحاء أوروبا، ومع بروز تقنيات جديدة ذات كفاءة عالية في مجال الطباعة، أصبح نشر المعلومات أسهل وأقل كلفة من أي وقت مضى، فعلى سبيل المثال، احتوت مجلدات الموسوعة «Encyclopédie» التي نُشرت في فرنسا بين عامي 1751 و1772 على قدر هائل من المعلومات، وجذبت الآلاف من المشتركين في فرنسا وخارجها.

وانتشرت المقاهي في أوروبا کظاهرة عصرية جديدة، وأصبح بإمكان أي شخص وبسعر فنجان قهوة، قراءة المواد المتاحة، مثل الصحف والروايات الخيالية، مما جعل المواد المكتوبة في متناول جميع أفراد المجتمع.

برز اهتمام آخر في ذلك العصر وهو الاقتصاد. نشر الفيلسوف الاسكتلندي آدم سميث Adam Smith كتابه «تحقيق في طبيعة وأسباب ثروة الأمم» في عام 1776.

في هذا الكتاب المحوري، درس سميث كيفية عمل الأسواق وانتقد سياسة مذهب التجارية mercantilism، وهو النظام الاقتصادي الذي كان سائدًا في أوروبا آنذاك، إذ فرض رسومًا جمركيةً باهظة، مما أدى إلى خنق التجارة بين البلدان. لذا يعتبر بعض الخبراء أن سميث هو مؤسس علم الاقتصاد الحديث.

أدرك الكثير من الناس حقيقة الحروب البشعة فصاروا ينتقدون الحروب وعذابها. ألّف الكاتب الفرنسي فولتير Voltaire روايته الشهيرة كانديد Candide إذ تحدث فيها عن شرور الحروب، و التي نُشرت في عام 1759.

عاش بطل الرواية كانديد، الحب والرومانسية في وقت مبكر من حياته، ثم اضطر للمشاركة في حرب علمته القسوة والتعذيب.

العبودية

صحيح أن عصر التنوير كان عصرًا ازدهرت فيه المقاهي وازداد التقدم العلمي وقامت وثورات ضد الملوك وسيطرة الدين، إلا أنه أيضًا فترة سادت فيها تجارة الرقيق، فاستعبد ملايين الأشخاص ونقلوا قسراً من أفريقيا إلى نصف الكرة الغربي.

لم ينج الكثير منهم من الرحلة بسبب ضيق سفن العبيد، ومات كثيرون في ظروف العمل القاسية التي واجهوها في القارة الغربية، ولكن مع ذلك استمرت رحلات سفن الرقيق حتى القرن التاسع عشر.

حتى توماس جيفرسون Thomas Jefferson، الرئيس الأمريكي السابق والمؤلف الرئيسي لإعلان الاستقلال الأمريكي، كان يمتلك عبيدًا، على الرغم من حقيقة تأثره بأفكار التنوير، وكتب في إعلان الاستقلال: “جميع الأفراد خلقوا متساوين.”

شرحت أوترام Outram في كتابها، أن أحد أسباب انتشار العبودية في ذلك العصر، هو الكم الهائل من الأموال التي يمكن جنيها منها، فاستخدم أصحاب المزارع في جنوب الولايات المتحدة ومنطقة البحر الكاريبي وأمريكا الجنوبية، عمالة العبيد لجني الأرباح، كما استفاد العاملون في صناعة وصيانة سفن الرقيق منها ماليًا، وأيضًا استفادت الشركات المالية التي أقرضت الأموال لتمويل نقل العبيد.

الإرهاب

كانت لدى الجمهورية الفرنسية الأولى أيضًا سياسات تتعارض مع أفكار التنوير، فسميت الفترة بين عامي 1793 و 1794 بـ «عهد الإرهاب».

خلال هذا الوقت، كانت الحكومة الفرنسية الوليدة تخشى أن يُطاح بها، وبالتالي اعتقلت وأعدمت أكبر عدد ممكن من أعدائها مما أدى إلى إعدام آلاف الأشخاص. هذه الحوادث سببت مزيدًا من الفساد في الحكومة الفرنسية، وساعدت على تمهيد الطريق لصعود نابليون بونابرت، الذي أصبح في النهاية إمبراطورًا لفرنسا.

المصادر: 1