GeorgePeters/Getty Images

دراسة حول أثر «الكلمات المخفية» في بناء هيكل القصة

منذ نشأة القصص وروايتها قبل قرون، حاول المنظرون والفلاسفة والمفكرون تحليل البنية السردية وتحديد العناصر التي تُعطي القصص صياغًة ومعنى.

وبالرجوع إلى القرن الرابع قبل الميلاد فصَّل (ارسطو) بنية القصة وهيكلها. ولازالت محاولات التحليل جارية حتى اليوم ولكن بحكم أننا في القرن الواحد والعشرين، فإننا نفعل ذلك بشكل مختلف. إذ تُتيح الحواسيب قدراتٍ مذهلة للبحث عن أنماط الصياغة في العديد من النصوص.

استخدم الباحثون تقنيات تحليل اللغة قبل بضع سنوات للتدقيق في أكثر من1700 عمل أدبي وتحديد ستة مساراتٍ عاطفية أساسية تتكرر في أغلب القصص المعروفة: المسارات التي تتجَسد بالتقلبات العاطفية (الصعود والهبوط العاطفي) والتي شكلت أساس الهيكل السردي.

ولكن، للقصة أبعاد أخرى بجانب التقلب العاطفي. في القرن التاسع عشر، عرَض الكاتب الألماني غوستاف فريتاغ Gustav Freytag أسُس سميت لاحقا «بهرم فريتاغ» معتمِداً على مفاهيم(ارسطو) لهيكل العمل التراجيدي الذي يتمثل بثلاثة أجزاء: بداية، منتصف، نهاية.

وضَّح مُعدو الدراسة بقيادة باحث التحليلات السلوكية رايان بويد Ryan Boyd من جامعة لانكستر في المملكة المتحدة: «يَقترح هرم فريتاغ ثلاث مسارات أساسية للإفصاح عن طيات القصة بالتدريج».

«الأول هو قيام الراوي بإعدادات القصة وإنشاء سياق لها. بمجرد تحديد العناصر الأساسية للقصة، يبدأ تطور الحبكة من خلال دايناميكية الشخصيات عبر الزمان والمكان وتوسع نطاق الأحداث بين تلك الشخصيات. وبذلك فإن النقطة المحورية في القصة هي الصراع المركزي أو التوتر المعرفي الذي يجب أن تتصارع معه الشخصيات وتحله في النهاية».

والسؤال هو كيف للكاتب وَصل تلك المسارات ببعضها؟

وضح بويد وفريقه بأن الإجابة تكمن في «الكلمات المخفية»، تلك الكلمات الوظيفية (الدالة) التي اعتدنا على وجودها وقلما ندركها في النص الإبداعي مثل الضمائر وحروف الجر وأدوات التعريف وغيرها. والتي قد تكون غير ملفتة بالنسبة للقارئ ومهمَلة بعكس كلمات المحتوى (التي تساهم في بناء السياق) مثل الأسماء والأفعال والصفات وظروف الحال.

وقال بويد: «يجب أن تكون الصياغة في بداية القصة ذات بناء منطقي من أجل أن تكون مفهومة، ثم يعقبها تسلسل متصاعد للأحداث لغرض تجسيد الحبكة».

قام بويد وفريقه بتحليل رقمي لأكثر من 40 ألف عمل تنوعت بين رواية وسيناريو وقصص قصيرة.

وأظهرت آلاف النتائج بأن الكُتّاب يبدأون في البداية بإعدادات القصة تمهيدًا لتقديم الشخصيات وتحديد مكانها عن طريق استخدام حروف الجر وأدوات التعريف بكثرة.

ومع تطور الحبكة (الذروة) واحتدام الأحداث، تبدأ الصياغة بالتغير ويَكثر استخدام الأفعال المساعِدة وظروف الحال والضمائر. وعند هبوط الأحداث يقل استخدامها تدريجيا حتى وصول الأحداث الى النهاية (الخاتمة).

ويوفرالموقع الالكتروني للباحثين أمثلة توضح تغير الصياغة اللغوية خلال مراحل تسلسل الأحداث. ومن تلك الأمثلة أعمال معروفة مثل رواية (مرتفعات ويذرنغ Wuthering Heights) والفيلم الأمريكي ( Raiders of the Lost Ark) والفيلم ( Casablanca ).

وقال الباحث ليس بالضرورة أن تلتزم جميع الكتابات بهذا التسلسل في الصياغة.

فعند تحليل أكثر من 30 ألف عمل غير أدبي (مثل مقالاتٍ لنيويورك تايمز ومحادثات تيد TED وعدة أحكام صادرة من المحكمة العليا) تبين نمط كتابة يختلف عن ذلك الذي يتم اتباعه في الأعمال الأدبية.

سبب ظهور تلك الصياغة المميزة في كتابة القصص مازال مبهماً، ولكن من المؤكد أنه يُفسر الكثير بخصوص استيعابنا نحن البشر لتلك المعلومات الموجودة في القصص التي نرويها لبعضنا البعض.

كتب الباحثون: «أساس التساؤل يكمن في إيجاد إجابة عن سبب ظهور أنماط متشابهة من الأسلوب السردي في قصص مختلفة».

وأضافوا: «الهيكل الذي ظهر في هذا البحث قد يكون أنموذجًا مثاليًا لإيصال المعلومات عند سرد القصص. أي إذا كان أسلوب السرد لا يَبتدِئ بمعلومات توضح إعدادات القصة منذ البداية، سيجد القارئ صعوبة في فهم دوافع وسلوكيات الشخصيات وأهدافها مع تقدم الحبكة».

«من منظور تطوري، يمكن لهيكل السرد أن يُعَد طريقة أساسية لبعض الأشخاص أو(لمجموعات مختلفة) لمشاركة القصص. إذًا فإن هذا البناء السردي قد ينشأ من الميل الفطري لطريقة رواية أحداث قصة عن طريق تحديد الأشياء/الأشخاص ثم كتابة الأحداث».

المصادر: 1