Credit: Ismagilov laboratory

الرياضيات الخفيّة للسلوك البكتيري

أدى تقدم العلوم الطبية الحديثة إلى إدراك الدور الذي تؤديه البكتيريا والكائنات الدقيقة الأخرى في صحتنا، على الجانب الآخر نشأ تساؤل بالغ الأهمية: كيف يمكن للمجتمعات الميكروبية المفيدة أن تتحول إلى حالة ممرضة مقاومة للعلاج؟

في ورقة بحثية جديدة نُشرت في دورية Science Advances، أوضح عدد من الباحثين من مختبر رستم إسماجيلوف Rustem Ismagilov، ومعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا Caltech’s، ومعهد جاكوبس للهندسة الجزيئية للطب Jacobs Institute for Molecular Engineering for Medicine، آلية يمكن أن تشرح كيفية تحوّل الميكروبات من حالة مفيدة إلى حالة ممرضة من خلال محفزات صغيرة.

ذكرت تحمينه خزاعي Tahmineh Khazaei، المؤلفة الرئيسية للدراسة، وباحثة ما بعد الدكتوراه في علم الأحياء والهندسة البيولوجية: «نرصد تحولات ميكروبية في العديد من الأمراض والظروف المؤثرة على الصحة. ما نجهله هو كيفية حدوث هذه التحولات ولماذا تستمر، بالتالي فإن الهدف من بحثنا هو محاولة الإجابة عن هذا التساؤل».

أضافت خزاعي أنه يمكن العثور على التحولات الميكروبية في عدة حالات، مثل فرط نمو البكتيريا في الأمعاء الدقيقة Small intestinal bacterial overgrowth SIBO، وأمراض اللثة، والتهابات الجروح، في كل هذه الحالات، تبدأ البكتيريا اللاهوائية «نوع من البكتيريا التي تحتاج ظروفًا خالية من الأكسجين للازدهار والعيش» بالتكاثر بين البكتيريا الهوائية، وهي نوع من البكتيريا التي تحتاج للأكسجين للاستمرار في العيش.

وذكرت أيضًا: «من المحيّر أن نرى البكتيريا اللاهوائية تتكاثر في البيئات المؤكسجة التي تبدو غير مناسبة لنموها».

نمذجت خزاعي وزملاؤها المجتمعات الميكروبية رياضيًا، ووجدوا أنها تميل للتبديل بين الحالات المفيدة والممرضة من خلال نظام يسمى بالتعددية والتباطؤ multistability and hysteresis MSH. يُقصد بقابلية التعدد أن النظام يمكن أن يُوجد في حالتين أو أكثر من حالات الاستقرار، في حين أن التباطؤ يعني ميل النظام إلى البقاء عالقًا في حالة واحدة بمجرد وجوده هناك.

التعددية والتباطؤ هو مفهوم معروف لدى الفيزيائيين والمهندسين العاملين في عدة مجالات أخرى، ولكن، وجد فريق البحث أنه ينطبق على سلوك المجتمعات الميكروبية أيضًا.

يمكن اعتبار التعددية والتباطؤ بمثابة أرجوحة صدئة يقف عليها شخص. إذا كان الشخص يقف على أحد طرفي الأرجوحة، فإن النهاية ستميل إلى الأسفل نحو الأرض. وهذا ما يسمى بالحالة الواحدة المستقرة.

أما حالة التعددية فهي كالتالي، إذا بدأ الشخص بالسير على طول الجزء العلوي من الأرجوحة باتجاه الطرف الآخر، فسوف يعبر في النهاية مركز الأرجوحة، ثم سيميل الطرف الآخر نحو الأرض، وهي الحالة الأخرى المستقرة. ولكن نظرًا لأن الأرجوحة صدئة، فإنها ستقاوم الإمالة حتى يتجاوز الشخص المركز. هذا الميل لمقاومة التغيير هو ما يسمى بالتباطؤ.

احتاج الفريق بعد تطوير النموذج إلى معرفة ما إذا كان نظام التعددية والتباطؤ خاصية للمجتمعات البكتيرية في العالم الحقيقي أيضًا، لذلك قام الفريق ببناء مقصورة حضانة يمكنهم «ضبطها» لمعرفة كيفية استجابة المجتمعات الميكروبية للظروف المتغيرة، ولدراسة امكانية تحولها كما في الحالة النظرية. اختار الفريق نوعين من البكتيريا، إحداها هوائي والآخر لا هوائي، إذ استخلص الفريق هذه العينات من مرضى فرط نمو البكتيريا في الأمعاء الدقيقة.

كما تنبأ النموذج، بعد رفع مستويات السكر إلى عتبة معينة في مقصورة الحضانة، رصد الباحثون تحول البكتيريا من حالة سيادة البكتيريا الهوائية إلى حالة تتعايش فيها البكتيريا الهوائية مع اللاهوائية. هذه التجمعات البكتيرية الجديدة بقيت عالقة «مثل الأرجوحة الصدئة» حتى بعد التخلص من السكر.

فحص الفريق بعد ذلك العمليات التي حدثت على المستوى البيوكيميائي داخل النظام، ووجدوا أن «الاقتران الأيضي» يسمح لأنواع البكتيريا الهوائية واللاهوائية بالنجاة عبر مجموعة واسعة من الظروف، مثل ظروف البيئة الغنية بالأكسجين، وهي ظروف لا تدعم بقاء البكتيريا اللاهوائية.

يعمل الاقتران الأيضي على النحو التالي:

يمكن للأنواع البكتيرية الهوائية فقط البقاء على قيد الحياة في حال انخفاض مستويات السكر، وارتفاع مستويات الأكسجين.

ولكن، عند ارتفاع مستويات السكر بدرجة كافية، فإن البكتيريا الهوائية تستهلك الكثير من الأكسجين في عملية التمثيل الغذائي، مما يؤدي إلى تكوين منطقة تحتوي على نسبة منخفضة من الأكسجين، وهي ظروف تسمح للبكتيريا اللاهوائية بالعيش. ثم تزدهر البكتيريا اللاهوائية وتستمد غذائها عن طريق هضم السكريات المعقدة التي لا تستطيع البكتيريا الهوائية العيش فيها.

لاحقًا، ينتج عن هضم السكريات المعقدة عدة سكريات بسيطة، تُستهلك بعضها بعد ذلك بواسطة البكتيريا الهوائية. ومع استهلاك البكتيريا الهوائية لهذه السكريات البسيطة، يُستهلك جزء من الأكسجين في العملية، بالتالي يُحافظ على منطقة مضيافة منخفضة الأكسجين تمثل منطقة مناسبة لعيش البكتيريا اللاهوائية على الرغم من وجود الأكسجين في باقي البيئة المحيطة.

بمجرد الوصول إلى هذه الحالة، يبقى النظام على هذا النمط، حتى عندما يتوقف الباحثون عن إضافة السكريات البسيطة إلى الحاضنة، لأن المجتمع البكتيري يمكنه الآن العيش على السكريات المعقدة. إذ يوفر أحد الأنواع الغذاء للمجتمع، بينما يوفر الآخر الحماية من الأكسجين.

ذكرت خزاعي: «النماذج الرياضية تنبؤية، لكن في نهاية المطاف، عليك أن تثبت حدوثها بالفعل. كانت لحظة مثيرة حقًا عندما رصدنا نمو البكتيريا اللاهوائية في وجود الأكسجين».

وتضيف أنّ مثل هذه الاكتشافات مهمة، لأنها تساعدنا على فهم أفضل لما يحدث عندما تتصرف البكتيريا بطرق غير متوقعة.

تضيف خزاعي، أنّ الفهم الأفضل لكيفية تحول مجتمعات الميكروبيوم من الحالة الصحية إلى الحالة الممرضة قد يساعد الباحثين يومًا ما على اكتشاف طرق تساعد على تحويل الممرض إلى الحالة الصحية.

ذكر الدكتور فريدريك جريجوري Frederick Gregory، مدير البرنامج في مكتب أبحاث الجيش Army Research Office: «أن محور الميكروبيوم – الأمعاء – الدماغ يُعد أحد المجالات المهمة، حيث كانت التطبيقات على صحة الإنسان محدودة بسبب قصور فهمنا للقوى المحركة المسببة الكامنة».

«تسلط الدراسة الضوء على الإمكانات الهامة لقابلية التعددية والتباطؤ كإطار أساسي لدراسة القوى المحركة للمجتمعات الميكروبية في العديد من الظروف المترابطة على نطاق واسع. على سبيل المثال، يمكن لهذه النتائج أن تقود الجيش لتطوير الجيل التالي من أنماط تغذية الجيش لتعزيز صحة ميكروبات أمعاء الجنود، والقدرة على التكيف مع اختلال توازن بكتيريا الأمعاء».

المصادر: 1