ثعبانان أم ثعبان واحد؟ لماذا فهمنا رمز الطب بشكل خاطئ؟

الرعاية الصحية قديمة بقدم البشرية نفسها، وهذا أمرٌ واضح وليس مستغربًا، فلطالما مرض البشر ولجأوا دائمًا إلى الآلهة وللحكماء من الرجال والنساء لمساعدتهم، ومن هنا بدأت أصولها ورموزها.

الرجل الجريح، والصليب الأحمر، وعصا أسكليبيوس، هي جميعها رموز للرعاية الصحية.

عصا أسكليبيوس (إله الشفاء عند اليونانيين القدماء)، هي رمز بارز للطب، يتكون من عصا واحدة مع ثعبانين متشابكين حولها.

إلا أن هذا الرمز ليس عصا أسكليبيوس على الإطلاق، هذا الرمز لثعبانين ملفوفين حول عصا، يُعرف باسم الكادوسيوس، وينتمي في الواقع إلى هيرميس، رسول الآلهة اليونانية القديمة، والمسؤول عن الرعاة والسفر والتجارة.

أطلق عليه الرومان القدماء اسم Mercury أي الزئبق. لأنه كان أسرع الآلهة، وكان لديه حذاء مجنح وخوذة لمساعدته على السفر.

وفي إحدى مغامراته رأى ثعبانان يتقاتلان، فألقى عليهما عصا لإيقافهما، وفي الحال التفت الثعابين حولها وثبتت.

أحب هيرميس الشكل الناتج كثيرًا لدرجة أنه اعتبرها ملكًا له، ومن ثم أصبح الكادوسيوس رمزًا لهيرميس، وبالتالي رمزًا للتجارة والسفر.

من ناحية أخرى، كان أسكليبيوس ابن أبولو (إله الشمس)، تمامًا مثل هيرميس، فكان مرتبطًا أيضًا بالثعابين.

تقول إحدى الأساطير أنه كان لديه ثعبان يلعق أذنيه وبذلك يعطيه قدرة الشفاء، وتقول أسطورة أخرى أن ثعبانه كان يعطيه عشبًا لديه القدرة على إحياء الموتى.

ومهما تعددت الأسباب، فأسكليبيوس أظهر امتنانه للأفاعي بحمله لعصا عليها ثعبان واحد، ليس اثنان.

لم تكن الحضارة الإغريقية القديمة الحضارة الأولى ولا الأخيرة التي ربطت بين الثعابين والألوهية، فلدى الناس عادة التبجيل التي تترافق دومًا بالقدر نفسه من الخوف، فالثعابين بوصفها كائنات هادئة، بالإضافة إلى سمومها الغامضة، وقدرتها على تجديد نفسها من خلال التخلص من جلدها، هي كائنات تبعث على الدهشة و تثير الفضول.

فلماذا الخلط بين هذين الرمزين إذن؟

أحد الأسباب المحتملة يرجع إلى الخيمياء، أي محاولة العلماء الأوائل لتحويل المعادن الأساسية إلى ذهب والتي رغم كونها حماقة، ساعدت في تقدم المعرفة العلمية بما في ذلك الطب.

اُستخدم الكادوسيوس كرمز من قبل الخيميائيين لأنهم غالبًا ما يستخدمون الزئبق في خلطاتهم وتجاربهم، فارتبط اسم الإله هيرميس باسم المعدن الذي يحمل اسمه، أي الزئبق.

كان الكادوسيوس أيضًا رمزًا للمهارة والحرفية، لذلك فإن أي شخص يريد أن يؤخذ عمله على محمل الجد سيستخدم رمز الكادوسيوس الذي كان كنوع من رموز القديمة الاعتماد والثقة المهنية.

في هذا السياق، قدم جون كايوس «John Caius»، مؤرخ مرض التعرق، لكل من كلية كامبريدج التي تحمل اسمه، والكلية الملكية، كادوسيوس فضي اللون، ولكنه لم يكن رمزًا للطب بل رمزًا للاحتراف.

على أي حال، كان التمييز بين عصا أسكليبيوس والكادوسيوس كرموز لمهنتين مختلفتين للغاية، واضحًا تمامًا في بريطانيا العظمى في أواخر عام 1854، لاحظ بوركيت “AH Burkitt” في مقالته عن علامات ورموز التجار في لندن أنه من بين الرموز القديمة جدًا التي لا تزال مستخدمة في لندن في ذلك الوقت، والتي كانت تستند إلى الروابط بين الآلهة الوثنية والمهن، نجد أن «Mercury» أي هيرميس نفسه، أو صولجانه، مناسب في التجارة والرحلات الاستكشافية.

بينما نجد أن إسكولابيوس أو أفعاه وعصاه، أو ديكه، رموزًا لأساتذة فن الشفاء.

يبدو أن الالتباس لم يحدث حتى القرن العشرين، في عام 1902، حين تبنت المؤسسة الطبية التابعة للجيش الأمريكي الكادوسيوس كرمز لها.

ومازال السبب غير واضح حيث أن الجمعية الطبية الأمريكية، والمؤسسة الطبية للجيش الملكي، والخدمة العسكرية الفرنسية، تبنت جميعها عصا أسكليبيوس.

يرجع الفضل في هذا القرار (اختيار الكادوسيوس) إما إلى النقيب فريدريك ب رينولدز «Frederick P. Reynolds »، أو العقيد هوف «Hoff».

واتخذت خدمة الصحة العامة الأمريكية، والمستشفى البحري الأمريكي، رمز هيرميس كرمز لهما.

يبدو أن هذا الارتباك أميركي سببه التسويق، ففي عام 1990، بينت إحدى الدراسات في الولايات المتحدة أن 62٪ من الاتحادات المهنية استخدمت عصا إيسكولابيوس بينما 37٪ استخدمت الكادوسيوس و 76٪ من المنظمات التجارية استخدمت الكادوسيوس، ربما يكون هذا منطقيًا لأن هيرميس كان إله التجارة، ولكن منظمة الصحة العالمية اتخذت عصا أسكليبيوس لشعارًا لها، ولازالت تستخدمه حتى اليوم.

الطب مليء بالرمزية، فالرموز مثل اللغة تغير معناها.

في وقت ما كانت الرعاية الصحية مليئة بالدجالين، وكان الصولجان علامة على الاحتراف قبل فترة طويلة من وجود الاعتمادات، واستخدام الثعبان هو إشارة إلى تلك الجهود لجعل التجارة احترافية وخاضعة للمساءلة، ولكن إذا كنت تريد أن تكون دقيقًا، فإن العصا ذات الثعبان الواحد هي ضالتنا.

المصادر: 1