عقلك أقوى من القلق الذي تعاني منه، تعلم كيف تتعامل معه

تؤثر اضطرابات الخوف والقلق على 20% من الأمريكيين، مما جعلها أكثر الاضطرابات النفسية شيوعًا في أمريكا. وبينما يفسر الكثيرون القلق على أنه ردّ فعلٍ مبالغٍ فيه من الدماغ على التفاعل مع بيئةٍ غامضة، فإن البروفيسور في جامعة نيويورك جوزيف ليدوكس Joseph Ledoux يعتقد بأن هذه الحجة التطورية غير دقيقة.

فهو يؤكد بأننا لم نرث مشاعرنا من أسلافنا، لكننا ورثنا عوضًا عن ذلك «نفس الآليات التي ترصد المخاطر وتحدد نوع ردود الفعل تجاهها». ويلعب الوعي دورًا حاسمًا في كيفية ترجمة الإشارات والرسائل الذي نستقبلها من بيئتنا، إذ ذكر ليدوكس في كتابه Anxious: «إن آليات التعامل مع التهديد تحفّز سلوكيات معينة ولكن هذه السلوكيات لا تنطوي بالضرورة على مشاعر القلق والخوف، إلا في حالة كون الدماغ واعيًا للأنشطة التي يمارسها».

إن نصيحة آني ماري ألبانو Anne Marie Albano، بروفيسورة علم النفس الطبي ومديرة عيادة جامعة كولومبيا للقلق والاضطرابات الأخرى ذات الصلة، أنه يجب العمل لتفهم القلق وليس الوقوف ضدّه، وذلك لأن مشاعر القلق قد تطورت لتحمينا. وقالت أيضًا إن مثل هذا النظام ينتهي عمله حينما يُدركُ بأن الخطر الذي يتخيلهُ غير موجودٍ في الواقع.

وقد ذكرت هذه الحادثة التي وقعت لها كمثال على ذلك: منذ عقدٍ مضى، حصلت معي نوبة هلع شديدة في أحد المطاعم. لا أستطيع تذكر ما الذي حفز هذه النوبة، ولكنها جعلتني أقوم من مقعدي مسرعةً نحو المرحاض. مشيت نحو عشرة أقدام ولم أنتبه إلا بعد دقيقة حين اصطدمت بامرأة وسقطت عليها.

وبعد يومين، واجهت نوبةً أُخرى في محطة قطار وول ستريت .Wall st حيث فقدت وعيي تقريبًا، وكلما دخلت تلك المحطة كانت تصيبني نوبة أُخرى. فكان الحل الوحيد هو أن أمشي نحو قاعة المدينة، مما يعني زيادة الوقت الذي أقضيه في المشي، وهو شيء ممتع لفعله خلال شتاء مدينة نيويورك. وبعدها لم أقُم بزيارة ذلك المطعم لعدة سنوات.

قالت ألبانو إننا نتصور وجود خطرٍ لا وجود له بالأصل، وهذا يحدث لنا دائمًا. فهناك بحث أظهر أننا نقضي نحو 50% من وقتنا كل يوم ونحن نفكر بأشياءٍ غير موجودة في محيطنا. وهنالك بحث آخر بين بأننا نتخيل الآلاف من أحلام اليقظة في اليوم الواحد. إن كيفية ملأنا لهذا الفراغ العقلي في دماغنا هو ما يحدد كوننا أشخاص مبتهجين أو تعساء في حياتنا.

فرقت ألبانو بين القلق اليومي (الذي يحدث لنا جميعًا وهو مفيد لتطوير دماغنا كي يستطيع للتعامل مع التوتر) وبين القلق المزمن. فالقلق المزمن يسبب مشكلةً اجتماعية واقتصادية كبيرة. فقد وجدت إحدى الدراسات أن الأمريكيون يخسرون نحو 321 مليون يوم عمل كل سنة بسبب القلق والاكتئاب، وهذا يكلف الاقتصاد 50 مليار دولار سنويًا. وأن عدد الأمريكيين الذين يتوجهون للأطباء بسبب القلق أكثر من عدد الذين يتوجهون للأطباء بسبب الصداع النصفي وألم المفاصل. وبحسب منظمة الصحة العالمية، فإن القلق هو أكثر مرضٍ عقلي شائع في العالم.

وفقًا لألبانو، فإن العلاج السلوكي المعرفي أثبت كفائته كمنهجٍ علاجي. فحينما يُدمج العلاج السلوكي مع العلاج الدوائي الصحيح لمعالجة القلق تخف حدة الأعراض. وبالطبع ستكون عملية الموازنة بين هذين العلاجين عملية صعبة، نظرًا لإفراطنا في استخدام الأدوية. ولكن ألبانو تأمل أن تكون الآلية الإدراكية والبيولوجية التي تسبب القلق في طور الاكتشاف، حيث تعتقد بأنها من الممكن أن تعطل الحلقة التي تربط ما بين المحفّز والنوبة. وهي تعتقد أيضًا بأننا سنكون قريبًا قادرين على تحديد هذه العملية عند الشباب الذين يعانون من هذه المشكلة حتى نستطيع إيقافها في وقتٍ مبكر.

بينما تميل ألبانو للعلاج الكلامي والدوائي، ناقشت عالمة النفس الطبية كيلي مكجونيغال Kelly McGonigal عملية من ثلاث خطوات لتغير طريقة تفكيرك حينما يتزايد قلقك:

•عليك بتمييز القلق عندما تواجهه.

•رحبْ بالقلق لأنه ليس سوى استجابة عقلك على شيءٍ يهمك أمره.

•استغل الطاقة التي يزودك بها القلق، عوضًا عن إهدار تلك الطاقة في محاولة السيطرة عليه وإيقافه.

قبل أن أفهم عمق الاضطراب الذي أعاني منه (حيث أنني لم أعد أًعاني منه بعد الآن)، كانت الخطوة الثالثة جزءًا من ترسانتي ضد القلق. فحين يهاجمني القلق، ابدأ بالركض حول الحي أو المشي على آلة الجري. فالقلق هو أمرٌ جسدي مثلما هو نفسي، والعلاج يكمن في استخدامك جسدك للتعامل معه، عوضًا عن محاولة إيقافه.

ولأن القلق يُمكن أن «يخلق حالة من الاهتمام المُركز»،

اقترحت البروفيسورة مكجونيغال بأنه يجب استغلال حالة التركيز هذه في شيء إيجابي. ما دام من بين كل 5 أشخاص يوجد شخص مصاب بهذا الأضطراب، فهذا يعني أن المشكلة في ثقافتنا ومجتمعنا. وحينما يكون هناك الكثير من الأشخاص الذين لا يرغبون بالتحدث عما يعانون منه، إما لأنهم خائفون أو لأن الناس تخبرهم بأنهم «يتخيلون ذلك فقط»، فنحن نحتاج لخلق بيئةٍ داعمةٍ للأشخاص الذين يعانون من هذه الاضطرابات، على العكس مما يحدث في بلدنا حاليًا.

نظرًا لوضع الرعاية الصحية السيء في البلد هذه الفترة وصعوبة تحمل تكلفة العلاج، فإن مثل هذه الخطوات العلاجية ستكون مفيدة. إن إعادة تشكيل طريقة تفكيرك هو خيار متاح لك في كل وقت. صحيح أنه ليس من السهل فعل ذلك، ولكن هذه الطريقة سوف تساعدك على العمل جنبًا إلى جنب مع عقلك بدلًا من مواجهته كل يوم.

المصادر: 1