عمليات التعلم المباشر والتعلم الاجتماعي تتم في مناطق مختلفة لكن مترابطة مع بعضها في الدماغ

«صنع القرار الاجتماعي» آلية دماغية تعلميّة يكتشفها علماء الأعصاب اليوم

نَحن نتخذ القرارات ليس بناءً على خبراتنا المكتسبة الفردية الخاصة فحسب، بل وأيضًا نستفيد من خبرات الآخرين ونتعلم منهم. للآخرين مجموعة خبرات وخيارات مختلفة عن خبراتنا، فكيف نتعلم منهم لنزيد خبراتنا ومعارفنا؟

وهل تتم معالجة التعلم الاجتماعي بشكل مختلف عن التعلم المباشر في الدماغ؟

ضمن دراسة جديدة نُشرت في دورية Science Advances، قدم عالم الأعصاب لاي جانغ Lei Zhang من جامعة فيينا دليلًا تجريبيًا على أن عمليات التعلم المباشر والتعلم الاجتماعي تجري بشكل متوازٍ في الدماغ حيث إنها تتم في مناطق منفصلة ولكنها مترابطة مع بعضها.

ومعروف إن الناس يخضعون للتأثيرات الاجتماعية. على سبيل المثال، على طاولة غداء في شركة جديدة، إذا كنا محتارين في اختيار الطبق ذي المذاق الأفضل، فإننا نراقب اختيارات الأشخاص الآخرين للحصول على بعض الإرشادات لاختيار طبقنا الخاص. تُعرف هذه الظاهرة «بالتأثير الاجتماعي»، التي اختبرها تجريبيًا في عام 1950 عالم النفس الاجتماعي سولومون آش Solomon Asch.

في الدراسة الجديدة، وضع باحثون من المركز الطبي الجامعي هامبورغ إيبندورفUKE في ألمانيا مجموعات من خمسة متطوعين في تجربة اتخاذ قرار قائمة على الكمبيوتر، حيث عُرض رمزان مجردان لكل منهم. كان هدفهم هو اختيار الرمز الذي سيجعلهم يحصلون على المزيد من المكافآت المالية على المدى الطويل. في كل جولة من التجربة، اختار كل شخص أولًا أحد الرمزين، ثم لاحظ الرموز التي اختارها الأشخاص الأربعة الآخرون. بعد ذلك، يمكن لكل شخص أن يقرر التمسك باختياره الأولي أو التبديل إلى الرمز الآخر. أخيرًا وُزعت المكافآت النقدية، إما فوزًا أو خسارة، لكل شخص وفقًا لقراره الثاني. «وبهذه الطريقة عززنا التأثير التفاعلي الاجتماعي بين الأشخاص، مما يقوي إلى حد كبير فاعلية تأثير البيئة المحيطة». بحسب ما قال رئيس الدراسة لاي جانغ، الذي كان آنذاك يعمل في UKE، وهو الآن باحث حاصل على الدكتوراه في جامعة فيينا.

أثناء إجراء الاختبار

في الحقيقة، کان الرمز الذي يمنح مكافأة أكبر يتغير دائمًا. ففي بداية التجربة، أعاد أحد الرمزين مكافآت مالية بنسبة 70%، وبعد عدة جولات، قدم مكافآت بنسبة 30% فقط. أُحدثت تغييرات عديدة لقيم المكافآت خلال التجربة. يوضح يان جلاشر Jan Gläschree، رئیس مجموعة بحثية حول التقييم واتخاذ القرارات الاجتماعية في UKE: «هذا ما يسمى نموذج التعلم العكسي، أي خلق حالة من عدم اليقين للمتطوعين إذ أنهم يحتاجون دائمًا إلى التعلم وإعادة التعلم لاكتساب المزيد من النتائج. وخاصة عندما يحدث تبديل للقيم. صار بعض الأشخاص في المجموعة يتخذون قرارًا أسرع من الآخرين، وبهذه الحالة، يمكن لهؤلاء الأشخاص دمج المعلومات الاجتماعية التي اكتسبوها من هذا الموقف مع عمليات صنع القرارات الخاصة بهم».

كان من المتوقع أن يتغير رأي المتطوعين عندما واجهوا خيارات متعارضة عن الآخرين، ولكن المثير للاهتمام أن الخيار الثاني (بعد النظر في المعلومات الاجتماعية) عكس مفهوم المكافأة بشكل أفضل من الخيار الأول. كيف نفسر هذه النتيجة؟ استخدم الباحثون نماذج معقدة لقياس سلوك المتطوعين، واكتشفوا استراتيجيات حسابية منفصلة للتعلم المباشر والتعلم الاجتماعي. يقول جانغ: «في بداية كل جولة، كان المتطوعون يجمعون بين تجربة التعلم المباشر الخاصة بهم وخبرة التعلم الاجتماعي لتوجيه اختيارهم»، حيث يتَبع التعلم المباشر خوارزمية تَعلم مُعزز بسيطة، ويُنشىء التعلم الاجتماعي من خلال تتبع تاريخ المكافآت للآخرين.

فحص الباحثون دماغ أحد المتطوعين من كل مجموعة، باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، مما سمح لهم بقياس متى وأين ينفذ الدماغ عمليات التعلم المباشر والتعلم الاجتماعي، وتحديد إذا ما كان نوعا التعلم مرتبطين بالفعل بإشارات عصبية مختلفة. أظهرت فحوصات الدماغ أن التعلم المباشر يجري في منطقة تسمى قشرة الفص الجبهي الأنسي، بينما تجري عمليات التعلم الاجتماعي في منطقة تسمى القشرة الحزامية الأمامية. تتفاعل هاتان المنطقتان أيضًا مع منطقة في منتصف الدماغ تسمى (الجسم المخطط)، يقول غلاشر: «الجسم المخطط يحسب كلًا من خطأ التنبؤ بالمكافأة وخطأ التنبؤ الاجتماعي، ويقيّم عمليات التعلم عن طريق (التجربة والخطأ) لتشكيل السلوك» يضيف جلاشر. «وهذا يدل على وجود شبكة دماغية متكاملة تدعم التأثير الاجتماعي في صنع القرار البشري».

أثناء إجراء الاختبار

تشير هذه الاستنتاجات إلى أن نوعين فريدين من إشارات التعلم يُحسبان في مناطق مختلفة لكنها مترابطة مع بعضها في الدماغ البشري، وتمثل استراتيجيات حسابية منفصلة لصنع القرار في السياقات الاجتماعية. يوضح جلاشر: «التعلم المباشر فعال في المواقف المستقرة، أما عندما تتغير المواقف وتكون محيرة، يلعب التعلم الاجتماعي دورًا مهمًا جنبًا إلى جنب مع التعلم المباشر في التكيف مع المواقف الجديدة، مثل اتخاذ قرار بشأن قائمة الغداء في شركة جديدة».

يقول جانغ: «هناك الكثير من الأبحاث عن التعلم المباشر ولكن القليل من الأبحاث أجريت عن التعلم الاجتماعي، وعن كيفية تفاعل نمطي التعليم هذين مع بعضيهما». فما الخطوة التالية؟ يجيب غلاشر: «إنه مجال هام لخوض المزيد من الأبحاث، سيعيد النظر في شبكة التعليم المحددة التي تعتمد على تقنيات تحفيز خارجية، كما أن هذا المجال سيحدد كيفية تغيير السلوكيات واستراتيجيات الحساب في عملية صنع القرار الاجتماعي». ويضيف: «في ضوء استمرار وباء فيروس Covid 19، لا يمكن للأفراد والحكومات الاكتفاء بخبراتهم والتعلم من أخطائهم، بل هناك حاجة ماسّة إلى خبرات مجتمع بشري عالمي وجماعي لمواجهة كل هذه التحديات».

المصادر: 1