ما هو علم ما فوق الجينات، وهل سيحل مشاكل السرطان، وما الفائدة من دراسته؟

علم ما فوق الجينات هو العلم الذي يقوم بدراسة التغييرات في التعبير الجيني (الجينات النشطة مقابل غير النشطة) والتي من المتحمل أن تورث، والتي لا تنطوي على تغييرات ضمنية في تسلسل الحمض النووي – تغيير النمط الظاهري دون تغيير في النمط الجيني – وهذا بدوره يؤثر على كيفية قراءة الخلايا للجينات.

التغيرات فوق الجينية هي حدث طبيعي ومنتظم، ولكن يمكن أيضًا أن تتأثر بعوامل عديدة بما في ذلك العمر، البيئة، نمط الحياة وحالة المرض.

التحويرات فوق الجينية يمكن أن تظهر كما هو شائع، مثل الطريقة التي تتخصص فيها الخلايا في نهاية المطاف إلى خلايا أكثر تخصصًا كخلايا الجلد، خلايا الكبد وخلايا الدماغ، وما إلى ذلك.

التغييرات فوق الجينية يمكن أن يكون لها آثاراً أكثر ضررًا، مثل تلك التي يمكن أن تؤدي إلى أمراض مثل السرطان.

على الأقل ثلاثة أنظمة بما في ذلك “مثيلة الحمض النووي” و”تعديل الهيستون” والـRNA غير المشفر(ncRNA) – تعتبر مرتبطة بعملية إسكات الجينات ومهمة لبدء واستمرار عملية التغيير الجينية.

البحوث الجديدة المستمرة تكشف باستمرار دور “علم ما فوق الجينات” في مجموعة متنوعة من الاضطرابات البشرية والأمراض القاتلة.

المشهد المتطور للبحوث الوراثية: لمحة تاريخية مختصرة

ما بدأ كبحوث واسعة تركز على الجمع بين علم الوراثة وعلم الأحياء النَمَائِي من قبل العلماء المحترمين بما في ذلك “كونراد H” و”ادنجتون” و”إرنست هادورن”، خلال منتصف القرن العشرين وتطورت إلى المجال الذي نشير إليه حاليًا بإسم علم ما فوق الجينات.

وقد استمد مصطلح علم ما فوق الجينات الذي صاغه “ادنجتون” في عام 1942، من الكلمة اليونانية “التخلق” التي وصفت أصلًا تأثير العمليات الوراثية على “التنمية”.

خلال التسعينات، أصبح هناك إهتمام متجدد بالتمثيل الجيني ومنذ ذلك الحين، تركزت الجهود البحثية على كشف الآليات الجينية المتعلقة بهذه الأنواع من التغييرات.

وفي الوقت الحاضر، فإن مثيلة الحمض النووي هي واحدة من التعديلات الوراثية الأكثر دراسةً والموثوقة والتي يرجع تاريخها إلى الدراسات التي قام بها “جريفيث وماهلر” في عام 1969 والتي أشارت إلى أن مثيلة الحمض النووي قد تكون مهمة في وظيفة الذاكرة طويلة الأمد.

وتشمل التعديلات الرئيسية الأخرى إعادة تشكيل الكروماتين ـ هو مزيج من الحمض النووي والبروتينات التي تشكل محتويات نواة خلية. وتعديلات الهيستون وآليات الـRNA غير المشفر.

وقد أدى الإهتمام المتجدد في علم ما فوق الجينات إلى نتائج جديدة حول العلاقة بين التغيرات الجينية ومجموعة من الإضطرابات بما في ذلك مختلف أنواع السرطان والتخلف العقلي والإضطرابات المرتبطة بها وإضطرابات المناعة والاضطرابات العصبية والنفسية واضطرابات الأطفال.

علم ما فوق الجينات: كيف يمكن أن يوثر نمط الحياة على التغيرات جينية من جيل واحد إلى التالي؟

مجال علم ما فوق الجينات يتقدم بسرعة وذلك على أساس أن كلًا من البيئة ونمط الحياة الفردية يمكن أيضًا أن تتفاعل مباشرة مع الجينوم للتأثير على تغيير الجينيات.

ويمكن أن تنعكس هذه التغييرات في مراحل مختلفة طوال حياة الفرد وحتى في الأجيال اللاحقة على سبيل المثال، قدمت الدراسات الوبائية البشرية أدلة على أن العوامل البيئية قبل الولادة وبعدها تحدد المخاطر التي ستواجه البالغين من خلال تطور مختلف الأمراض المزمنة والاضطرابات السلوكية.

وقد أظهرت الدراسات أن الأطفال الذين ولدوا خلال فترة المجاعة الهولندية من 1944-1945 زادت معدلات الإصابة بأمراض القلب التاجية والسمنة بعدما تعرضت الأمهات للمجاعة أثناء الحمل المبكر مقارنة مع غيرهن اللاتي لم يتعرضن للمجاعة.

فقد تم العثور على أقل مثيلة للحمض النووي لعامل النمو الذي يشبه الأنسولين إي (IGF2)، وهو “موضع جيني” مميز جيدًا، مع هذا النوع من التعرض للمجاعة وبالمثل، أفادت التقارير بأن البالغين الذين تعرضوا لظروف المجاعة قبل الولادة لديهم نسبة أعلى بكثير من حالات الفصام.

التطبيقات السريرية – أمراض جينية

السرطان: كان “السرطان” أول مرض إنساني مرتبط بعلم ما فوق الجينات

قام “فينبرغ وفوج”مالستين” في عام 1983، وذلك باستخدام الأنسجة الوَرمية الأولية للأنسان، أن جينات خلايا السرطان القولوني المستقيمي كانت “أقل مثيلة” ألى حدٍ كبير مقارنة مع الأنسجة الطبيعية، وتقليل مثيلة الحمض النووي يمكن أن ينشط الجينات السرطانية فتشرع في عدم استقرار الكروموسوم.

في حين أن زيادة مثيلة الحمض النووي يقوم بإسكات الجينات الكابتة للورم، ويمكن أن يؤدي تراكم الأخطاء الجينية والتخلقية إلى تحويل “خلية طبيعية” إلى “خلية ورم غازي” أو” نقلي”. بالإضافة إلى ذلك، إن أنماط مثيلة الحمض النووي قد تسبب تعبيرات غير طبيعية للجينات المرتبطة بالسرطان، وجد أن أنماط تحوير الهيستون العالمية أيضًا ترتبط مع سرطانات مثل سرطان البروستات و”الثدي” و”البنكرياس”، بالتالي يمكن استخدام “التغيرات فوق الجينية” كمؤشرات حيوية للتشخيص الجزيئي للسرطان المبكر.

اضطرابات التخلف العقلي: وترتبط التغيرات فوق الجينية أيضًا بالعديد من الاضطرابات التي تؤدي إلى إعاقات ذهنية مثل أتر-X و إكسيل فراجيل X و ريت و بيكويث-ويدمان (بوس) و برادر-ويلي و أنجلمان سيندروميس.

على سبيل المثال، اضطرابات التطبع مثل متلازمة برادر ويلي” و”متلازمة أنجلمان” تعرض نمط ظاهري غير طبيعي نتيجة لعدم وجود نسخة الأب أو الأم من الجين، على التوالي.

في هذه الاضطرابات هناك حذف وراثي في الكروموسوم 15 في غالبية المرضى، نفس الجين على الكروموسوم المقابل لا يمكن أن يعوض عن الحذف لأنه قد تم إيقافه من قبل المثيلة وهي عملية تحوير فوق جينية، الحذف الجيني الموروث من الأب يؤدي إلى متلازمة “برادر-ويلي”، وتلك الموروثة من الأم، متلازمة “أنجلمان”.

المناعة والاضطرابات المتعلقة بها:

هناك العديد من الأدلة التي تبين أن فقدان السيطرة فوق الجينية على العمليات المناعية المعقدة يساهم في أمراض المناعة الذاتية، وقد لوحظت عمليات مثيلة الحمض النووي غير الطبيعية في المرضى الذين يعانون من مرض “الذئبة “، الذي تظهر فيه خلايا T المناعية إنخفاض في فعالية نقل المثيل وبالتالي أنخفاض مثيلة الحمض النووي، عدم إنتظام هذا المسار كما يبدو يؤدي إلى تعبيرفوقي من الجينات الحساسة للمثيلة مثل عامل يرتبط بوظيفة الكريات البيض (LFA1)، والذي يسبب داء شبيه بالذئبة من المناعة الذاتية.

ومن المثير للإهتمام، تعبير LFA1 مطلوب أيضًا لتطور التهاب المفاصل، الأمر الذي يثير احتمال أن تغيير أنماط مثيلة الحمض النووي يمكن أن تسهم في حدوث غيرها من الأمراض التي تظهر مناعة ذاتية مجهولة السبب.

الاضطرابات العصبية والنفسية:

إن ألاخطاء فوق الجينية أيضًا تلعب دورًا في تسبب الاضطرابات النفسية المعقدة والتوحد وإضطرابات الإنتكاس العصبي، وقد ربطت العديد من التقارير الفصام واضطرابات المزاج مع إعادة ترتيب الحمض النووي التي تشمل جينات DNMT وهو انزيم يقوم بنقل المجموعات احادية الكربون، مثل ميتيلاز الميثيلين إلى الحمض النووي.

DNMT1

أنزيم يعبرعنه فوقيًا بحساسية في حمض الغاما أمينوبيوتريك (الناقل العصبي المثبط الرئيسي في الجهاز العصبي المركزي في الثدييات، يلعب الدور الرئيسي في الحد من استثارة الخلايا العصبية في جميع أنحاء الجهاز العصبي. في البشر، جابا هو أيضا المسؤول المباشر عن تنظيم العضلات)، في حين ثبت أن فرط المثيلة يكبح التعبير عن الريلين reelin (بروتين مطلوب في النقل العصبي الطبيعي، وتشكيل الذاكرة واللدونة المشبكية ) في أنسجة المخ للمرضى الذين يعانون من إنفصام الشخصية والمرضى الذين يعانون من مرض ثنائي القطب والذهان.

كما أن مستويات حمض الفوليك تساهم في عملية المثيلة الشاذة كعامل في مرض الزهايمر، وتدعم بعض الأدلة الأولية نموذجًا يتضمن المساهمات الجينية والتخلقية في سبب التوحد.

وقد تم ربط مرض التوحد مع المنطقة على الكروموسوم 15 المسؤول عن متلازمة برادر ويلي ومتلازمة أنجلمان، وقد كشفت النتائج في تشريح نسيج المخ للمرضى الذين يعانون من التوحد وجود نقص في التعبيرعن جين MECP2 (يسبب تعطيله متلازمة ريت الخاصة بالتوحد) الذي يبدو أنه انخفض بسبب نقص التعبيرعن العديد من الجينات ذات الصلة به.

متلازمات الأطفال:

بالإضافة إلى التغيرات فوق الجينية، تم تحديد طفرات محددة التي تؤثر على مكونات مسار التغيرات فوق الجينية والتي تتسبب بعدة متلازمات: DNMT3B في ICF(نقص المناعة، وعدم استقرار الجسيم المركزي للكروموسوم وشذوذ الوجه).

على سبيل المثال في متلازمة ريت فإن الجين MECP2 يشفر لبروتين يرتبط مع الحمض النووي المثيلي، الطفرات في هذا البروتين تتسبب بأنماط غير طبيعية من التعبير الجيني خلال السنة الأولى من الحياة.

الفتيات اللآتي يعانين من متلازمة ريت يحدث لديهن انخفاض في نمو الدماغ، وفقدان في معالم النمو والإعاقات العقلية العميقة، والمثل فإن متلازمة “أتر-X” تشمل أيضًا أوجه القصور التنموية الشديدة بسبب فقدان “أتركس”، وهو بروتين يشارك في الحفاظ على حالة مكثفة وغير نشطة من الحمض النووي معًا، هذه الكوكبة من متلازمات الأطفال السريرية ترتبط مع “التغيرات في الجينات” و”المناطق الكروموسومية” اللازمة للتنمية العصبية والجسدية المناسبة.

إن زيادة المعرفة والتكنولوجيات في علم ما فوق الجينات على مدى السنوات العشر الماضية سمحت لنا بفهم أفضل لطريقة التفاعل بين التغييرات فوق الجينية وتنظيم الجينات والأمراض البشرية وسوف يؤدي إلى طرق جديدة من التشخيص الجزيئي وعلاجات ذات تخصص عالي في المجتمع الطبي.

ترجمة: إبراهيم وصفي

تدقيق لغوي: حسام عبدالله

تدقيق علمي: حسام عبدالله

المصادر: 1