اللا جنسية: ما هي؟ ولماذا يجب أن نحكي عنها؟

«أنت لا تحب رياضة القفز المظلي، وأنا لا أحب الجنس؛ لهذا يجب أن نتحدث عن اللا جنسية».

هذا عنوان مقالٍ مثير نُشر في موقع “The Correspondent” وكتبته فيولا ستيفانيلّو، أرى هذا المقال باعتباره مرحلة جديدة من النقاش حول اللا جنسية، فهو يخوض أبعد من الأساسيات التي اعتدنا الكتابة للقرّاء عنها ومفاجأتهم بأنها موجودة أصلًا.

هذا بحد ذاته تطوّر مرحَّب به!

فلم يعد حتمًا أن تكون طالبًا أكاديميًا مجتهدًا تدرس وتعمل في صمت أو فردًا ضمن حفنة من المثقفين حتى تسمع أو تتعرف على مصطلح اللا جنسية Asexuality، إن اللا جنسيّ Asexual هو شخص لا يختبر الانجذاب الجنسي ولا يشعر به تجاه أحد (أو قد يكون انجذابه الجنسي ضعيفًا لدرجة لا تجعله مهتمًّا بتجربة ممارسة الجنس)، قد ينجذب اللا جنسي للأشخاص رومانسيًا (عاطفيًا) بدرجات مختلفة وقد لا يفعل.

أشارك معكم هنا بعض الأفكار والاقتباسات من مقال فيولا، وأضيف عليه بعضًا من أفكاري الشخصية حول سبب الارتباط بين اللا جنسية وحياة العزوبية، وتجارب جميع هؤلاء الأشخاص الذين يتحدّون الطرق التقليدية في التفكير والحياة.

تبدو اللا جنسية شيئًا جديدًا:

«لم يحدث إلا في القرن الحاليّ، تحديدًا عام 2001، عندما أسس الناشط ديفيد جاي «شبكة التعليم والظهور اللا جنسية AVEN»، وهي أول مجتمع خاص باللا جنسيين»، تكتب ستيفانيلّو.

لقد استغرق اللا جنسيون وقتًا طويلًا للحصول على أكثر من مجرد ذكر عابر في الصحافة الشعبية، بل حتى الآن ما يزال كثيرون يجدون مصطلح «لا جنسية» غير مألوف؛ لكن بالطبع هذا لا يعني أنه مفهوم جديد!

في الحقيقة، اللا جنسية ليست حالة جديدة:

«وُجد ذكرٌ لأشخاص لم يشعروا برغبة جنسية تجاه الآخرين في كتيب لاختصاصي ألماني في علم الجنس من عام 1896»، تورد ستيفانيلّو في مقالها، «ويُعتقد اليوم أن عددًا من الشخصيات التاريخية المعروفة كانوا لا جنسيين، على سبيل المثال لا الحصر: الروائية البريطانية إيميلي برونتي، وسلفادور دالي، وإسحاق نيوتن، ونيكولا تسلا».

وتضيف: «اللا جنسية ليست جديدةً في الأدب أيضًا»، «ففي رواية «مئة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز نقرأ عن ريميديوس الجميلة، التي تظهر عديمة الاهتمام بالجنس والعلاقات، وكذلك الأمر بالنسبة لشخصية شارلوك هولمز الشهيرة للكاتب والطبيب آرثر كونان دويل، أيضًا، إحدى الشخصيات الرئيسية في سلسلة «بوجاك هورسمان» لا يخفي هذا الجانب، ففي الموسمين الرابع والخامس من المسلسل نشاهد اكتشاف تود لهذا الجزء من ذاته».

– الجمعية الأمريكية للطب النفسي ألغت تصنيف اللا جنسية كاضطراب عقلي عام 2013:

عندما كتبت عن اللا جنسية للمرة الأولى عام 2009، اقترح أول تعليق أن اللا جنسيين -أساسًا- ليسوا إلا مرضى اكتئاب، لم يكن هذا الشكل من الرفض غير عادي آنذاك، فكما أشارت ستيفانيلّو، لم تسلّم الجمعية الأمريكية للطب النفسي بحقيقة أن اللا جنسية لا تنتمي إلى دليلها التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية (DSM) إلا في عام 2013.

إن مستوى الاهتمام أو الرغبة الجنسية له صلة بعدد قليل من الاضطرابات، لكن اللا جنسية بحد ذاتها ببساطة ليست مرضًا ولا اختلالًا، إنها ببساطة توجّه جنسي طبيعي.

ما زال اللا جنسيون يعانون الوصم (التعيير) الاجتماعي:

كما ذكرنا أعلاه، كفّ الدليل الرسمي للاضطرابات العقلية عن وصم اللا جنسية، لكن هذا لم ينعكس بعد على سلوك الكثيرين إزاءها؛ فأولئك اللا جنسيون الذين يجهرون بتعريفهم لأنفسهم ما فتئوا يتعرضون للسخرية والاستهزاء.

تتنوع ردود الفعل الأكثر شيوعًا تجاههم من «أنتِ/أنتَ تكره الرجال»، إلى «حتمًا لديك مشكلة هرمونية»، أو «لا بد أنك متدين»، وأيضًا، على نحو متوقع: «لم تشاركني السرير قطّ!».

بالطبع، لم نعد نحتاج فقط إلى الاعتماد على هذه الأمثلة من الخطابات باعتبارها دليلًا؛ فقد وُثِّق التمييز ضد اللا جنسيين في برنامج بحثي منهجي وُصفت نتائجه.

حان الوقت لإسقاط التراتبية التي تحكم العلاقات:

عندما نفكر بالأشخاص من حولنا بالطريقة المألوفة، فإننا نرى تسلسلًا هرميًا للعلاقات بينهم تقع علاقات الحب في قمته.

وكما تشير ستيفانيلّو: «من الممكن أن يكون الأصدقاء بنفس أهمية أحبائنا وحبيباتنا إن لم يكونوا أهم. أيضًا، ليس شرطًا أن توصلنا العلاقات الرومانسية دائمًا إلى الفراش».

إن إدراك وجود طرق أكبر وأوسع للتفكير والتأمل في العلاقات والأسرة والحب هو أمر جوهري في مجال علم النفس الإيجابي لحياة العزوبية.

إن أكبر تهديد يطرحه اللا جنسيون هو شيء يتجاوز الجنس:

«حقيقة مشاعرنا هذه تزعج البعض كثيرًا؛ لأنها تضع نظرتهم للعالم موضع تشكيك، وذلك عبر الرأي القائل إنه ليس مفروضًا عليك أن تمارس الجنس حتى تكون علاقتك بشريكك صحيةً وسعيدة، وعبر وجود أشخاص لا يشعرون بالانجذاب إلى الآخرين؛ فذلك تحدٍّ لمفهومهم عما يجعل الإنسان إنسانًا».

هذا ما قاله إستانس ديكلو – هامون وهو أحد مؤسسي «الجمعية الفرنسية للظهور اللا جنسي» لستيفانيلّو خلال حديث طويل.

إن التغيير الأكبر الذي يشكله اللا جنسيون هو تحديهم لتصوّر الآخرين للعالم، وطريقة تفكيرهم به وبإخوتهم من البشر.

شخصيًا تعلمت الدرس نفسه خلال دراستي لأشخاص عازبين سعداء، خصوصًا أولئك الذين أدعوهم: “القلوب الوحيدة”، هؤلاء اختاروا بمحض إرادتهم حياة العزوبية لأنها أفضل شكلٍ للحياة يرغبون بعيشه، أي أنهم ببساطة ليسوا عالقين في عزوبيتهم رغمًا عنهم.

إن فكرة كون الحياة كأعزب/عزباء اختيارًا شخصيًا أو أمرًا يتقبله البعض بسرور ويزدهرون في ظله هي نقضٌ حقيقي للمبدأ المتعارف عليه عبر العالم بكون كل إنسان يرغب فطريًا باتخاذ شريكٍ أو بالزواج وأنه بهذا فقط يمكنك أن تحيا سعيدًا حقًّا.

وكما بيّنت دراسات عديدة، فإن الأشخاص العُزّاب الذين يصرحون بتفضيلهم البقاء على حالهم يتعرضون للذم والاستهزاء أكثر من نظرائهم الراغبين/الباحثين عن الارتباط، فالأخيرون لا يُعدّون منتهِكين للعُرف، ومن ثمّ “يُسمح” لهم بالبقاء عزّابًا.

جزءٌ مما يجعلني كالكثيرين مهتمة بالتعلم عن اللا جنسية جنبًا إلى جنب مع هويات وتجارب باقي أفراد مجتمع الميم إضافةً لما ذكرته أعلاه، هو حقيقة أن الأشخاص المحبّين لعزوبيتهم هم أشد ميلًا ليكونوا لا جنسيين من أولئك المنخرطين في علاقات.

لقد قضيت سنوات عدة في دراسة سبل حياة كثيرة ومختلفة يعيشها الناس اليوم، وما أريد الوصول إليه فعلًا هو عقول وقلوب منفتحة على كل مجال من مجالات الحياة الشخصية، إذ لا ينبغي أن يكون سلوك طريقٍ مختلف عن الغالبية أمرًا صعبًا أو تجربة محبطة لأي أحد.

المصادر: 1