[the_ad_placement id="scine_before_content"]

هل ترغب بوظيفة جيدة؟ إذًا تخصّص في الفلسفة

القراءة عن إغلاق العديد من أقسام الفلسفة جعلني أشعر بالقَلَق حيال انتهاء تجربتنا التي تعود إلى قرونٍ طويلة في تعليم الفنون الحُرة. تحاول الولايات المتحدة تحويل تعليم الفنون الحرة إلى تدريب ما قبل الاحتراف لأكثر من عقدٍ من الزمن، على الأقل منذ الركود الاقتصادي عام 2008؛ وقد تسارعت هذه الرغبة، يطالب الطلاب وأهاليهم بتوسعة البرامج والتخصصات التي يعتقدون أنها ستقود لوظائف جيدة الأجر وآمنة.

ضع في عين الاعتبار النكات حول ما ستفعله تخصصات الفلسفة بعد التخرج. على سبيل المثال قميص مكتوبٌ عليه “لدي درجة علمية في الفلسفة: لماذا تريد البطاطا المقلية مع ذلك؟” هذا يكشف سوء فهم منتشر حول ماهية الفلسفة وما الذي يُحضر التدريب الفلسفي الطلابَ له.

الفلسفة، مثل كل درجات البكالوريوس في الفنون الليبرالية، تحضر الخريجين لطيف واسع من الوظائف، النوع الذي يمكن أن يقود إلى وظائف متوسطة أكثر مهارة في وقتٍ لاحق. ومع ذلك، يبدو أن التدريب الفلسفي يُفهم على أنه مثال على ما تسميه الفيلسوفة ليزا هيلدك “بالمعرفة الغبية”، التي تجعل من الشخص يبدو أكثر غباءً لاكتسابه لها. تشير هيلدك إلى المجازات الثقافية للمزارعين بوصفهم عُمّالًا غير ماهرين، والذين تؤدي معرفتهم في الزراعة إلى استبعادهم من مهارات التفكير العليا.

يمتلك خريجو الفلسفة بهذه المهارات المعرفية العليا، لكن في الوقت نفسه، التمتع بهذه المهارات يعتبر دليلًا على الغباء: ما مدى غباءك في دراسة تخصص “لا قيمة له” ويضمن لك الفقر؟

مع ذلك، تشير البيانات أننا نحتاج إلى المزيد من صفوف الفلسفة إذا كان مستقبل توظيف طلابنا يعتبر مصدر قلق رئيسي لنا. على سبيل المثال نحن نعلم أن طلاب الفلسفة يقدمون أداءً استثنائيًا في اختبارات GRE، LSAT وGMAT، وهذا يدل على أنهم مستعدون ليس للمزيد من الدراسة الأكاديمية فحسب، بل أيضًا للتدريب في مجالي القانون والأعمال. في دراسة نشرها المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية عام 2018 أظهرت أن صافي العائد على الاستثمار للحصول على درجة فلسفة يعادل درجة الهندسة. تعليم الفلسفة ليس فقط أقل تكلفة من أشكال التعليم الأخرى الذي يقود لوظائف محترمة جيدة الأجر، بل أيضًا يجني خريجو الفلسفة خلال حياتهم أكثر من خريجي أي تخصص إنساني آخر وأكثر من خريجي بعض تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.

كلما أظهر خريجو الفلسفة زيف المجاز “تخصص غير مُجدي”، أصبح أكثر رسوخًا. اتخذ البعض ادعاء أن “تخصص الفلسفة لا يُحضر الخريجين لأي وظيفة” بمعنى أن الفلسفة تترك خريجيها بدون أي مهارات وظيفية. الحقيقة تكمن بين وجهتي النظر: تُعد الفلسفة خريجيها للعديد من الوظائف المختلفة.

إن تعليم الطلبة كيفية رؤية وتقييم نطاق الاحتمالات المختلفة بين الطرفين –بما في ذلك طرفي معضلة زائفة- هو ما أفعله في كُل فصل دراسي. يصل الطلاب إلى فصولي معتقدين أنه إذا لم تكن هناك “إجابة صحيحة” واحدة لسؤالٍ ما، فعندئذ كل شيء مباح. الأمر كله يتعلق بالعواطف، والعواطف قد تكون مخطئة. مع ذلك، فإن العلوم الإنسانية، وتحديدًا الفلسفة، تُحضر الطلاب للتفاعل بشكل هادف مع غموض الحياة خارج الفصل، حيث تكون الإجابات الفردية الصحيحة غير متوفرة وتكون المهارات الإبداعية في حل المشكلات ضرورية للتغلب على الصعوبات التي نواجهها.

في ظل غياب الإجابة الصحيحة المطلقة، ما زال بإمكاننا تحديد العديد من الإجابات الخاطئة، وهذه إحدى الطرق التي تتقدم بها الفلسفة- فالكثير من الأعمال الفلسفية هي أعمال توضيحية، تهدف إلى مساعدتنا لتعلم ما يعمل وما لا يعمل. هذه الطريقة التي يعمل بها التساؤل السقراطي في محاورات أفلاطون المبكرة. من خلال إيجاد جميع التعاريف الخاطئة للمفاهيم القَيّمة، فإننا نستخلص ما هو أكثر أهمية بالنسبة لها. هذا في المقابل يعطينا الأدوات لتوضيح التزامنا بالقيم التي تُوجِّه حياتنا. التفكير الفلسفي لا يعني أن “كل شيء مباح”، بل أنه أداة يمكننا استخدامها لصقل قيمنا ومعقداتنا الغامضة والمشوهة حول الواقع.

المصادر: 1