العثور على الجين (المتداخل) الحاصل من تزاوج سلف غامض مع الإنسان القديم

إن البشر اليوم يحملون مورِّثات سلفٍ قديم مجهول الهوية، ربما خلَّفه تزاوج حصل بين أنواع من أشباه البشر القدامى منذ مليون سنة تقريبًا.

قال أدم سيبل، عالم أحياء حسابي في مختبر (كولد سبرينغ هاربور (Cold Spring Harbor Laboratory)، وأحد مؤلفي بحث جديد يبحث في علاقات أسلاف البشر القدامى: «إن السلف ربما كان الإنسان منتصب القامة، ولكن لا أحد يستطيع أن يؤكد ذلك على وجه اليقين – حيث أن جينات ذلك النوع المنقرض من البشر لم يحدد تسلسله قط».

ويجد البحث الجديد، الذي نشر اليوم (6 آب/أغسطس) في مجلة (بلوس جينيتكس PLOS Genetics)، أن البشر القدماء تزاوجوا مع النياندرتال (الإنسان البدائي)، قبل ما يتراوح بين200.000 و300.000 سنة، وقبل فترة طويلة من حدوث الاختلاط الأحدث والأشهر للنوعين، بعد أن هاجر الهوموسيبيان (الإنسان العاقل)، بأعداد كبيرة من إفريقيا إلى أوروبا قبل 50.000 سنة. ذكر الباحثون أنه بفضل حدث الاختلاط القديم هذا، يدين النياندرتال في الواقع بما يتراوح بين 3% و 7% من جيناتهم للإنسان العاقل القديم.

وأدلى سيبل لموقع (Live Science): «إن أفضل تخمين لدينا هو أن مجموعة مبكرة من البشر حديثي العصر التشريحي غادروا أفريقيا في ذلك الوقت وصادفوا رجال نياندرتال، ربما في الشرق الأوسط، حيث أنهم تداخلوا فيما بينهم وتزاوجوا. ممكن أن تكون هذه السلالة [من البشر] قد فقدت بعد ذلك – إما انقرضت، أو امتزجت وانخرطت بالنياندرتاليون، أو عادت أدراجها إلى إفريقيا».

الاختلاطات (التزاوج) القديمة

يوضح البحث الجديد مدى تعقيد تاريخ البشرية العميق. لطالما تراكمت الأدلة على تزاوج البشر مع البشر البدائيين خلال فترة استيطانهم في أوروبا، قبل أن ينقرض البشر البدائيون أي قبل حوالي 30 ألف سنة. وفي عام 2010، أفاد الباحثون بأن ما يتراوح بين 1% و 4% من الجينات البشرية الحديثة في الناس الموجودين في آسيا وأوروبا وأوقيانوسيا جاءت من أسلاف نياندرتال. ووفقًا لأبحاث أجريت في عام 2014: سيكون بوسعنا أن نحتفظ بنحو 20% من جينات النياندرتال، فيما لو تمكنا من جمع كل قصاصات الحمض النووي للنياندرتال الموجودة عند جميع البشر المعاصرين اليوم.

اكتشف العلماء شبكة معقدة من التهجين تمتد لآلاف السنين، عند تمكنهم من تسلسل أجزاء أكثر هشاشة للحمض النووي المأخوذ من أحافير تعود لأسلاف البشر القدامى، فعلى سبيل المثال، بعض سكان جزر المحيط الهادئ يحملون قطعًا من الحمض النووي لأنواع غامضة وقديمة من البشر يعرفون بالدنيسوفان.

استخدم الباحثون للدراسة الجديدة طريقة حسابية لمقارنة جينات اثنين من النياندرتال، دينيسوفان وشخصين من الأفارقة المعاصرين. (تم اختيار الأفارقة لأن الشعوب الحديثة في إفريقيا لا تحمل جينات النياندرتال الناتجة من التزاوج المشهور بين الإنسان والنياندرتال الذي حدث في أوروبا منذ 50000 عام). ومكنت هذه الطريقة الباحثين من التقاط ومراقبة أحداث إعادة التركيب، والتي يتم فيها دمج أجزاء من كروموسوات فرد -المكونة من الحمض النووي- في كروموسومات فرد آخر.

قال سيبل: «نحاول بناء نموذج كامل للتاريخ التطوري لكل جزء من الجين، بشكلٍ مشترك عبر جميع الأفراد الذين تم تحليلهم عن طريق الرسم البياني لإعادة تركيب الأسلاف، كما هو معروف، والذي يتضمن شجرة تلتقط العلاقات بين جميع الأفراد في كل موقع على طول الجين، وأحداث إعادة التركيب هي التي تتسبب في تغيير تلك الأشجار من موضع إلى آخر».

وأضاف : «إن إحدى مزايا هذه الطريقة هي أنها تسمح للباحثين بالعثور على أحداث إعادة التركيب داخل أحداث إعادة التركيب. فعلى سبيل المثال، إذا تم دمج القليل من الحمض النووي لأشباه البشر القديم من سلف غير معروف في جينات النياندرتال، ثم حدث تزاوج لاحق بين النياندرتال والبشر، يدخل هذا الحمض النووي الغامض في الجينات البشرية. هذه الطريقة تتيح لنا التعرف على هذا الحمض النووي (المتداخل)».

التاريخ المعقد

قال سيبل: «أظهر التحليل دليلاً على هذا النوع من التركيب المتداخل للحمض النووي. وإن اكتشاف أن الهوموسيبيان قد تزاوج مع النياندرتال منذ فترة تتراوح ما بين 200000 و 300000 سنة مضت، ينسجم مع أدلة سابقة لنوع من أحداث الاختلاط بين النوعين قبل انتقال البشر بشكل جماعي إلى أوروبا».

وجد الباحثون أيضًا أن 1% من جينات دينيسوفان تنحدر من جينات سلف غير معروف، من حالة تهجين لابد أن تكون قد حدثت منذ ما يقرب من مليون سنة. وذكر سيبل بأن هذا الجد الغامض يمكن أن يكون الإنسان منتصب القامة، لأنه من المحتمل أن الإنسان المنتصب القامة قد انخرط في أوراسيا مع أسلاف الدينيسوفان والنياندرتال. ومع ذلك، فإن هذه القصاصات صغيرة ولا توجد تسلسلات للإنسان المنتصب يمكن مقارنتها بها، لذا فإن هذا يبقى ضمن دائرة التخمين.

في كلتا الحالتين، انتقلت أحداث التهجين هذه مرة أخرى إلى البشر المعاصرين، حيث وجد الباحثون بأن 1% السلاسل الهجينة التي وجدت في الدينيسوفان، هي متواجدة عند البشر اليوم.

واختتم سيبل بقوله: «إن النتائج الجديدة هي دليل آخر على أن السلالات البشرية القديمة والحديثة اختلطت بشكلٍ متكرر نسبيًا في كثير من الأحيان».

«كما تظهر صورة لسلسلة من المجموعات السكانية المغايرة ولكنها مترابطة، والتي تتحرك في جميع أنحاء العالم وتتفاعل في كثير من الأحيان مع بعضها البعض، مع أحداث التزاوج التي تسفر من حينٍ لآخر عن نسلٍ هجين.

قد يكون هذا النسل الهجين قد عانى في بعض الحالات من انخفاض اللياقة البدنية – وهذا الأمر محط خلاف – ولكن يبدو أن الكثير منها تتمتع بصحةٍ جيدة بما يكفي لبقائها على قيد الحياة وتكاثرها، مخلفةً مزيجًا من الحمض النووي البشري القديم والحديث في النياندرتال والدينيسوفان والبشر المعاصرين».

المصادر: 1