تعرّف على العلاقة الوثيقة التي تشبه الدوامة بين النوم والصحة العقلية (النفسية)

تعرّف على العلاقة الوثيقة التي تشبه الدوامة بين النوم والصحة العقلية (النفسية)

المقال: يؤثر عدم الحصول على قسط كافٍ من النوم على قدرتنا في تنظيم عواطفنا ويمكن أن يرفع ذلك من خطر الإصابة بمشكلات مرتبطة بالصحةِ النفسية على المدى البعيد. وبدورها، تتسبب حالات مثل القلق والاكتئاب في حدوث المزيد من اضطرابات النوم.

لحسن الحظ توجد طرق مثبتة لتحسين جودة النوم الذي تحصل عليه لكي تخرج من هذه الحلقة المفرغة.

منذ أكثر من 400 عام وصف ويليام شكسبير نعمة النوم والمحنة التي يتسبب بها الأرق بقوله في مسرحية هنري الرابع، الجزء 2:

«أيها النوم! أيها النوم اللطيف!

يا ممرض الطبيعة الرقيق، كيف أخفتك حتى لم تعد تثقل جفوني وتغمس حواسي بالنسيان؟»

إنّ وصف شكسبير للنوم بأنه «ممرض الطبيعة الرقيق» هو في الواقع أقرب إلى الحقيقة مما كان يعتقد شكسبير.

ووفقًا لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) فإن النوم غير الكافي يزيد من خطر الإصابة بالنوع الثاني من مرض السكري وأمراض القلب والأوعية الدموية والسمنة.

إن النوم ضروري للحفاظ على الصحة الجسدية ولكنه يساعد أيضًا في الحفاظ على المهارات المعرفية (الإدراكية) مثل الانتباه والتعلم والذاكرة وتنظيم العواطف.

يعزز النوم الجيد ليلًا من قدرتنا على إدراك واقعنا وما يحيط بنا بدقة. وتشير الأبحاث إلى أن انعدام النوم لمدة 3 ليالٍ أو أكثر على التوالي يؤدي إلى تشوهاتٍ في الإدراك ويتسبب بحدوث الهلوسات والأوهام.

وتأتي هذه الاكتشافات الحديثة حول أهمية النوم وتأثيره على الصحة الجسدية والعقلية في وقتٍ تتسبب فيه التكنولوجيا بعرقلة أوقات ونظام نومنا بشكل غير مسبوق. حيث تبعدنا وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت والتلفاز وألعاب الفيديو أكثر فأكثر عن أسرّتنا ليلًا.

وتنصح مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) البالغين بالحصول على نحو 7 إلى 9 ساعات من النوم يوميًا؛ ويختلف عدد الساعات الموصى بها مع اختلاف عمر الشخص.

وكان استبيان الصحة الوطني السنوي National Health Interview Survey لعام 2012 في الولايات المتحدة قد كشف أن نسبة 29% من الأمريكيين البالغين (ما يعادل الثلث) ينامون أقل من 6 ساعات كل ليلة.

التأثير المتبادل بين الصحة العقلية والنوم

تعد قلة النوم عاملًا خطيرًا يتسبب بالعديد من المشكلات والأمراض المتعلقة بالصحة العقلية (النفسية).

حيث كشفت دراسة كانت قد تابعت 979 شخص بالغ من ولاية ميشيغان Michigan، أن الأرق يرفع من احتمال الإصابة بالاكتئاب بمقدار أربعة أضعاف، بعد متابعة أولئك الأشخاص على مدار 3 سنوات.

بينما وجدت دراسات لاحقة دليلًا على أن الأرق لا يتسبب بالاكتئاب فحسب، بل بالاضطراب ثنائي القطب واضطرابات القلق. كما وجد الباحثون صلة بين الأرق وزيادة خطر الانتحار.

فكشفت دراسة نُشرت في دورية جاما للطب النفسي JAMA Psychiatry عام 2020 عن وجود رابط بين حدوث اضطرابات النوم في مرحلة الطفولة المبكرة والإصابة بالذهان واضطراب الشخصية الحدية في مرحلة المراهقة.

رغم أن اضطرابات النوم تتسبب بارتفاع خطر الإصابة بالمشكلات والأمراض العقلية (النفسية)، إلا أن النوم المضطرب يعد أيضًا أحد أعراض ونتائج معظم الأمراض العقلية (النفسية) مثل القلق والاكتئاب والاضطراب ثنائي القطب والفصام.

يعتقد البروفيسور (الأستاذ الجامعي) والطبيب النفسي دانييل فريمان Daniel Freeman وزملاؤه من جامعة أوكسفورد في المملكة المتحدة أن العلاقة الوثيقة (ذات الاتجاهين) بين اضطرابات النوم ومشكلات الصحة العقلية تشبه الدوامة.

وكتب فريمان وزملاؤه في دورية The Lancet Psychiatry أنه من الممكن أن يكون الأطباء بطيئين في معالجة بعض الأمور عند التعامل مع الأشخاص الذين يعانون من مشكلات تتعلق بالصحة العقلية، فقالوا:

«وفقًا للفكرة التقليدية الشائعة عن الأمر، يعد النوم المضطرب والمتقطع أحد أعراض ونتائج اعتلال الصحة النفسية (العقلية) أو ظاهرة ثانوية تنتج عن ذلك. وبسبب هذا الأمر، لا يولّى علاج اضطرابات النوم سريريًا إلا أولوية منخفضة. بينما تفيد وجهة النظر الأخرى بأن النوم المتقطع يعد عاملًا مساهمًا يتسبب في حدوث العديد من الأمراض والاضطرابات العقلية والنفسية، وبهذا تنشأ حلقة مفرغة من التصعيد لاضطرابات الصحة العقلية وآثارها على الأداء خلال النهار والمعاناة في الحصول على تعويض عن النوم الفائت للتعافي».

أثبت نموذج في العلاج السلوكي المعرفي للأرق cognitive behavioral therapy for treating insomnia CBT-I جدارته كحلٍ لمعالجة هذه الحلقة من ترابط اضطرابات النوم بحالات الإصابة بالمشكلات والأمراض العقلية.

وعندما طلب البروفيسور فريمان وزملاؤه، عشوائيًا، من 3.755 طالبٍ يعانون من الأرق من 26 جامعة مختلفة في المملكة المتحدة، الاختيار بين العلاج السلوكي المعرفي أو العلاج المعتاد، وجدوا أن العلاج الأول أحدث تحسنًا ملحوظًا بشكل أسرع.

وكانت النتيجة أن الطلاب الذين تلقوا العلاج المعرفي السلوكي CBT-I لم يناموا بشكل أفضل فحسب بل انخفضت نسبة الأوهام والهلوسات التي يعانون منها أيضًا.

ووفقًا لتحليل تلوي عام 2015 فإن العلاج المعرفي السلوكي-الأول قد يكون أيضًا علاجًا فعالًا للقلق والاكتئاب عند الأشخاص المصابين بالأرق.

كيف يعمل العلاج المعرفي السلوكي للأرق؟

يتضمن العلاج تثقيف الناس حول النوم ويهدف إلى تغيير سلوكياتهم المتعلقة بالنوم وعمليات التفكير.

حيث يتعلم الناس عادات النوم الجيدة والتي تتضمن ممارسات مثل الحد من القيلولة أثناء النهار وتجنب الكحول والنيكوتين والكافيين في المساء والامتناع عن استخدام الأجهزة الرقمية عند اقتراب وقت النوم.

الأساليب السلوكية تشمل:

  • تحديد وقت النوم: تقليل الوقت الذي يقضيهِ الشخص في السرير ليتناسب أكثر مع مقدار النوم الذي يحتاجه.
  • التحكم في التحفيز: على سبيل المثال، استخدام غرفة النوم فقط للعلاقة الحميمية والنوم. والذهاب إلى الفراش فقط عند الشعور بالنعاس والنهوض من السرير بعد 15-20 دقيقة من الاستيقاظ.
  • الاسترخاء: كالقيام بشد العضلات وإرخائها عندما يكون الشخص في السرير أو التركيز على التنفس.

الأساليب المعرفية تشمل:

  • تخصيص وقت للتأمل والراحة في نهاية اليوم، والذي يتضمن تهيئة وقت قبل النوم للتفكير في مجريات وأحداث النهار.
  • التفكير بنيةٍ مناقضة (معاكسة): كمحاولة البقاء مستيقظًا.
  • إعادة تشكيل الأفكار: ويعني ذلك التفكير ب والتعامل مع الأفكار غير الواقعية حول النوم.
  • الوعي والتيقظ: حيث يدرك المرء أفكاره ومشاعره ويكون واعيًا ومتنبهًا لوجودها قبل أن يسمح لها بالرحيل عن ذهنه.
  • خلق الصور الذهنية: والتي تتطلب من الشخص توليد صور ذهنية إيجابية.

الأسباب البيولوجية الثلاثة:

اقترح الأطباء النفسيون ثلاثة عوامل مترابطة لشرح العلاقة الوثيقة المزدوجة بين النوم والمرض النفسي (العقلي):

  • الخلل في تنظيم العواطف.
  • الوراثة: وخصوصًا فيما يتعلق «بالساعة» اليوماوية (البيولوجية) التي تنظم دورة النوم والاستيقاظ.
  • الاضطراب في مرحلة نوم حركة العين السريعة (REM).

تعلّم معظمنا بشكل بديهي عبر التجارب الشخصية أن ليلة واحدة من النوم المضطرب كفيلة بجعلنا نشعر ببرود الهمة (الإحباط) والانزعاج (الغضب) في اليوم التالي.

وتدعم البحوث هذه البديهية (الحدس) لدينا. فعلى سبيل المثال، وجدت دراسة أجريت عام 2005 على الأطباء المقيمين في الأراضي المحتلة أن قلة النوم تزيد من الاستجابات العاطفية السلبية عندما يمر الشخص بموقف صعب نوعًا ما في العمل. بينما تخفض قلة النوم أيضًا من الاستجابات العاطفية الإيجابية عندما يكون هناك سببًا لذلك (في المواقف الجيدة).

ومؤخرًا، وجدت دراسة أجريت في النرويج، أن تأخير الذهاب إلى النوم لمدة ساعتين بالإضافة إلى الاستيقاظ في الوقت المعتاد نفسه، يكبت المشاعر الإيجابية مثل الشعور بالمتعة والحماس والشعور بالإنجاز. ويزداد تأثير هذا الأمر مع كل يوم تأخير للنوم على التوالي.

ويؤدي هذا النوع من الاضطرابات العاطفية المؤقتة إلى تشكيل حلقة من الأحداث المتكررة. حيث من الممكن على سبيل المثال أن تمنع أحداث اليوم السلبية أو التفكير والقلق بشأن اليوم التالي، الشخص من النوم مرة أخرى.

ويزداد تأثير هذا الأمر على الأشخاص الذين يمتلكون قابلية الإصابة بحالات اضطراب عقلية (نفسية) أو لدى أولئك الذين يعانون من تلك الاضطرابات أصلًا. فعلى سبيل المثال، قد يشعر المصاب بالاضطراب ثنائي القطب بالجزع أو الحماس أثناء محاولة النوم خلال نوبة الهلوسة. بينما يشعر من يعاني من اضطرابات القلق، بالتوتر الشديد.

اختلال الساعات

قامت الأبحاث بربط الجينات التي تنظم الدورة اليومية لليقظة والنعاس والمعروفة باسم «جينات الساعة اليوماوية (البيولوجية)» باضطرابات نفسية محددة من بينها؛ الاضطراب ثنائي القطب والاضطراب العاطفي الموسمي والفصام. حيث يساهم عدم التوافق المستمر بين «الساعة» الداخلية للشخص ونمط نومه الفعلي بجعله أكثر عرضة للإصابة بمثل هذه الحالات.

من المثير للاهتمام أن العلماء لم يجدوا بعد أي رابط بين جينات الساعة البيولوجية والاكتئاب الشديد. ومع ذلك، تشير العديد من الأدلة إلى وجود ما يعرف بمرحلة نوم حركة العين السريعة rapid eye movement-REM.

فبعد أن تغفوا يدخل دماغك في ثلاث مراحل قبل البدء بمرحلة نوم حركة العين السريعة ويزداد عمق نومك خلال هذه المراحل بشكل تدريجي وتكون غالبًا خالية من الأحلام. ولكن بعد نحو 90 دقيقة تدخل في مرحلة نوم حركة العين السريعة التي تحدث خلالها الأحلام في معظم الأوقات.

وغالبًا يعيد العقل تكرار هذه المراحل عدة مرات خلال النوم ليلًا وفي كل مرة تدوم مرحلة نوم حركة العين السريعة لفترة أطول. إلا أن المصابين بالاكتئاب يدخلون مرحلة نوم حركة العين السريعة عادةً بوقت أسرع بعد أن يناموا؛ كما تطول مدتها أكثر عندهم.

الذكريات العاطفية

تشير الأبحاث إلى أننا نراجع الذكريات العاطفية خلال مرحلة نوم حركة العين السريعة الصحية؛ مما يساعدنا على التخلص من المشاعر المرتبطة بالتجارب المخيفة أو المؤلمة.

توقع عالما (خبيرا) النوم في جامعة كاليفورنيا-بيركلي University of California, Berkeley -إلس فان دير هيلم Els van der Helm وماثيو والكر Matthew Walker- أن النمط الطبيعي لمعالجة المشاعر الذي يحدث خلال مرحلة نوم حركة العين السريعة، ينهار لدى الأشخاص المصابين بالاكتئاب.

لذا بدلًا من مساعدتهم على التخلص من المشاعر السلبية، تندمج هذه المشاعر وتترسخ خلال مرحلة نوم حركة العين السريعة. ومع الوقت يساهم ذلك في رفع نسبة العقلية الكئيبة (التفكير القاتم الكئيب).

لدعم فرضيتهم، أشار الباحثان إلى حقيقة أن العديد من العقاقير المضادة للاكتئاب تحسّن بثباتٍ من مزاج الشخص عن طريق منع عملية دمج وترسيخ مشاعر الذكريات السلبية. ويحدث ذلك عبر كبح مرحلة نوم حركة العين السريعة.

إلا أنه من المثير للاهتمام أن الحرمان الكامل من النوم يؤدي إلى زوال الاكتئاب بسرعة؛ ولكن ذلك يكون مؤقتًا. ويفسر الباحثان ذلك عبر تشبيهه بأثر الأدوية المضادة للاكتئاب؛ حيث يُمنع الدماغ من المرور بمرحلة نوم حركة العين السريعة المختلة (غير الفعالة وظيفيًا).

الكوابيس المتكررة

يبدو أن مشكلات النوم خلال مرحلة حركة العين السريعة تؤثر أيضًا في الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات ما بعد الصدمة (PTSD).

فإن الكوابيس المتكررة التي يعاني منها الأشخاص المصابون باضطرابات ما بعد الصدمة تبدو كما لو أن الدماغ يحاول ويفشل بشكل متكرر في إزالة الحالة والمشاعر العاطفية المرتبطة بذكرى الحدث الصادم.

تشير مراجعة لأحد الابحاث إلى أن عقار برازوسين prazosin الذي يصفه الأطباء عادة لذوي ضغط الدم المرتفع، يمكن أن يخفف من كوابيس العسكريين القدامى المصابين باضطراب ما بعد الصدمة.

يبدو أن العقار يحقق ذلك عن طريق خفض مستويات النورأدرينالين noradrenaline وهو أحد هرمونات الدماغ العديدة التي تحدد تقدمنا ​​خلال مراحل النوم المختلفة عندما تختلف مستوياتها.

فيكبح النورأدرينالين مرحلة نوم حركة العين السريعة عبر خفض نسبة تركيز الهرمون في أدمغة المحاربين المصابين باضطراب ما بعد الصدمة. بينما قد يحفز عقار البرازوسين من فعالية مرحلة نوم حركة العين السريعة التي تمحي بدورها المشاعر المسببة للكوابيس المتكررة.

الخروج من الحلقة

أطلق الأطباء النفسيون هذه السنة، في هولندا، تحقيقًا ودراسةً تتناول موضوع النوم لدى الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات صحية نفسية شُخِصوا بها مؤخرًا. ومن ضمنها، الاضطراب ثنائي القطب والاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة والفصام. بالإضافة إلى تقييم مدى وطبيعة صعوبات النوم لدى الأشخاص الذين يعانون من هذه الحالات.

سيقوم الباحثون بتحديد المشاركين الذين يعانون من مشاكل النوم عشوائيًا لتلقي إما الرعاية المعتادة أو لتتم معالجتهم في عيادة النوم.

وكتب الأطباء النفسيون وصفًا لدراستهم القادمة في دورية BMC Psychiatry قائلين:

«رغم تكرر حدوث اضطرابات النوم بشكل مرتفع وآثار ذلك المؤكدة على الصحة العقلية، إلا أنه لا يتم تشخيص اضطرابات النوم هذه مرارًا إلا بعد سنوات من بدايتها. وخلال هذه السنوات تكون قلة النوم واضطرابه قد أحدثت أضرارًا على الصحة الجسدية والعقلية لدى الشخص وأثرت على نشاطه وتأديته للأعمال خلال النهار كما ستكون قد أثرت على جودة حياته وصحتها».

إذا نجحت التجربة السريرية التي سيقوم بها الأطباء، سيولّد هذا أملًا بوجود طريقةٍ لإبطاء أو حتى منع حدوث هذه الحلقة المفرغة (المتكررة) من النوم السيء وتردي الصحة العقلية (النفسية).

المصادر: 1