Image: © Shutterstock

ما هو الموت الدماغي؟ مبادئ توجيهية تقدم إجابات جديدة

ربما يكون هذا على وشك التغيّر، إذ قد تجعل المُحددات الجديدة عملية الإعلان عن وفاة دماغ أحدهم نظامية أكثر. الموت الدماغي مفهوم قديم إلى حد ما، يعود تاريخيًا إلى ظهور التهوية الميكانيكية بمعنى التنفس الصناعي وغيرها من التقنيات التي تبقي جسم الشخص ممتلئًا بالأكسجين حتى وإن انتهت وظيفة دماغه بشكل لا عوده فيهِ.

وقد نشر أول تعريف سريري لوفاة الدماغ في عام 1968، وما زالت الأسس سارية وتتطبق: يشخص المرء بالموت الدماغي عندما يفقد قدرته على الوعي ولا يُظهر أي ردود فعل من جذع الدماغ مثل استجابة البؤبؤ للضوء، ولا يستطيع التنفس بنفسه.

مع ذلك، لا يقبل أفراد أسرة المريض في بعض الحالات بتشخيص الموت الدماغي، وفي بعض هذه الحالات قد ينجو جسم المريض لفترة طويلة إن وُصِلَ بجهاز التنفس الاصطناعي وغُذّي عن طريق أنبوب التغذية. في عام 2013 على سبيل المثال، أُعلن في كاليفورنيا أن فتاةً تبلغ من العمر 13 عامًا تدعى جاهي مسماث ماتت دماغيًا إثر إجراء عملية جراحية روتينية. رفضت عائلة مسماث تقبل الخبر وشنَّت معركة قانونية للحفاظ على الطفلة عن طريق أجهزة إمداد الحياة؛ وفي نهاية المطاف، أعطت المستشفى مسماث إلى والدتها التي انتقلت إلى نيو جيرسي وأبقت الطفلة على جهاز التنفس الصناعي وأنبوب التغذية. وسبب ذلك الجدل، يرجع جزئيًا إلى أن بعض الأطباء قالوا إنها أظهرت علامات على وظيفة الدماغ مثل النشاط الكهربائي وقد يزيد مستقبلًا، بينما جادل آخرون أنها لم تتعافَ قط. ولقد فشلت كليتي مسماث وكبدها في عام 2018، وفصلت عن أجهزة إمداد الحياة.

تسلط الآراء المختلفة في قضية مسماث الضوء على بعض التباين في كيفية تحديد موت الدماغ طبيًا وقانونيًا. انتقلت والدة مسماث إلى نيو جيرسي لأن ابنتها كانت تعتبر ميتة قانونيًا في كاليفورنيا، لكن في ولاية نيو جيرسي هناك إعفاءات دينية أكثر تساهلًا لمفهوم الوفاة من المعايير العصبية؛ لذلك في ولاية نيو جيرسي، كانت مسماث تعتبر حيَّة ويمكن لها أن تستمر في تلقي الرعاية الصحية الممولة من التأمين الصحي.

يقول الدكتور جين سونغ يونغ، طبيب الأعصاب السريري في مدرسة كيك للطب بجامعة كاليفورنيا الجنوبية إن معايير تحديد موت الدماغ تختلف من ولاية إلى أخرى. ووجدت دراسة نشرت في عام 2008 في دورية علم الأعصاب Neurology أن المراكز الصحية المختلفة لديها اختلافات في الطرق التي تحدِدُ بها موت الدماغ، بدءًا من الاختلافات في كيفية إجراء الفحص السريري لتحديد موت الدماغ وصولًا إلى الاختبارات الإضافية الأخرى التي تُجرى في أثناء إزالة التهوية الميكانيكية أو التنفس الاصطناعي لمعرفة ما إذا كان المريض يستطيع أن يتنفس من تلقاء نفسه أم لا.

وأخبر يونغ live science: “إن هذه مشكلة، لأن الشخص قد يُعلن ميّتًا في مكان ما وغير ميت في مكان آخر، ولكن أيضًا لأن ذلك يؤدي إلى القليل من الارتباك بين عموم السكان وحتى بين الأطباء بخصوص كيفية تحديد الموت الدماغي”.

إيضاح سبب الوفاة:

قاد يونغ جهودًا دولية في برنامج الموت الدماغي العالمي World Brain Death Project ليوضح ما هو الموت الدماغي وما المتطلبات الأساسية لتحديده. وتعرِّف التوصيات الجديدة المنشورة في 3 أغسطس/آب في دورية JAMA موت الدماغ -المعروف أيضاً بـالموت وفق المعايير العصبية- بأنه “الخسارة الكاملة والدائمة لوظيفة الدماغ، المعرّفة أنها غيبوبة مستمرة يفقد فيها الإنسان قدرة الوعي وردود فعل جذع الدماغ والقدرة على التنفس بشكل مستقل”. يجدر الذكر أن بعض منتقدي مفهوم الوفاة الدماغية يشيرون أحيانًا إلى احتمالية وجود وظائف دماغية غير مذكورة في هذا التعريف، مثل إفراز الهرمونات للحفاظ على حجم الدم. إذ لا تزال هذه الوظائف تحدث عند بعض الأشخاص الذين تدمرت قدرتهم على الوعي ووظيفة الدماغ.

وفي حين أن العديد من المجتمعات المهنية والنظم الصحية الفردية قد أصدرت مبادئها التوجيهية والإجراءات الخاصة بها، فإن هذا هو أول جهد دولي تعاوني بين المجتمعات التي تقوم بذلك.

وتبين التوصيات تفاصيل كيفية معرفة ما إذا كان شخص ما يفي بمعايير وفاة الدماغ، مثل استبعاد الحالات التي قد تحاكي معايير الموت الدماغي؛ على سبيل المثال، لا يستطيع الشخص الذي يتناول دواءً يحفز لديه الشلل تحريك أطرافه استجابة للألم ولا إصدار ردود فعل أخرى مشابهة لذلك. وتشمل الخطوات الأخرى ضمان مضي وقت كافٍ لإجراء عملية التشخيص -24 ساعة على الأقل للوفاة بسبب نقص الأكسجين في الدماغ- واختبار سلسلة من ردود الفعل الأساسية التي يسيطر عليها الجذع الدماغي. الاختبار الأخير هو اختبار انقطاع النفس، الذي يُحدِدُ ما إذا كان الشخص يستطيع التنفس بنفسه، وهي عملية أخرى يتحكم بها الجذع الدماغي. وتوفر المبادئ التوجيهية أيضًا التوصيات الرسمية الأولى لكيفية تحديد موت الدماغ بالنسبة لشخص يعيش بفضل الأكسَجَة الغِشائية خارج الجسم (ECMO)، وهي عملية تدوير دم الشخص خارج جسمه لأكسجته عن طريق جهازٍ بدلًا من القلب والرئتين.

المرضى الذين يعتمدون هذه الطريقة لا يستخدمون أجهزة التنفس، لذا فإن العملية المعتادة لوقف التهوية لمعرفة ما إذا كان بوسع الشخص أن يتنفس من تلقاء نفسه لا يمكن عملها. لذا فإن التوصيات تدعو إلى تعديل الآلة بحيث لا تزيل ثاني أكسيد الكربون من الدم. لأن تراكم ثاني أكسيد الكربون هو ما يحفز الشخص ليتنفس وبالتالي فإن عدم تنفس الشخص عند تراكم غاز ثاني أكسيد الكربون في دمه يعتبر إشارة إلى إنه ميت دماغيًا.

تناقش المبادئ التوجيهية الجديدة سبل معالجة الأخصائيين في الرعاية الصحية للحالات التي تختلف فيها الأسرة مع الحاجة إلى إجراء تقييم الموت الدماغي أو عند رفضها نتائج هذا التقييم. وينبغي تدريب الممارسين على فهم ثقافات المجتمع الذي يخدمه مستشفاهم، وينبغي أن يتعاونوا مع فريق متعدد التخصصات، بما في ذلك المستشارين الروحانيين وأخصائيي الرعاية التلطيفية، من أجل التعامل مع مريض ربما يكون ميتًا دماغيًا. وتنص التوصيات أيضًا أن في بعض الحالات، قد يكون من المعقول إبقاء المريض على جهاز تنفس لفترة قصيرة بعد إصدار إعلان الوفاة، ليستطيع أفراد الأسرة السفر أو القدوم إليه. على أي حال، من غير المرجح أن ينتهي النقاش عن جوهر الموت الدماغي؛ وتنصح التوصيات إدارة المستشفيات أن تعالج الخلافات داخليًا بدلًا من التصعيد إلى النظام القانوني. واستنتج مؤلفو مشروع الموت الدماغي العالمي World Brain Death أن هناك حاجة ماسة إلى مزيد من البحوث عن لماذا يطلِبُ أقرباء المريض من الدرجة الأولى إبقاء المريض دماغيًا على جهاز التنفس الاصطناعي! وكيف يجب التعامل مع هذا الطلب.

ورغم تطور التكنولوجيا الجديدة بحيث صار يمكننا قياس نشاط الدماغ عبر التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي fMRI إلا إن الباحثين في مشروع الموت الدماغي العالمي وجدوا أن أفضل طريقة لتحديد الموت الدماغي هي عبر الفحص السريري للمريض، ذلك لأن تعريف الموت الدماغي يركز على وظائف المريض بحد ذاتها. وفي سياق متصل قال الدكتور كلود هيمفيل، رئيس قسم الأعصاب في مستشفى زوكربيرج العام في سان فرانسيسكو، والذي لم يشترك في صياغة التوصيات:

“إن الأمرَ يرتكز على الشخص، لا على علم وظائف الأعضاء أو التشريح مثل: هل هناك تدفق للدم؟ أو هل هناك عصبون سليم في مكان ما؟”

وصرح هيمفيل أن الإجراءات التي كانت تتبعها مستشفى سان فرانسيسكو العامة لإعلان الوفاة وفق المعايير العصبية تطابق بالفعل التوصيات الجديدة بشكل كبير، لكن قد تُحسِّن المستشفى نظامها باتباع بعض الإرشادات الجديدة مثل تلك التي تخص المرضى الذين يستخدمون الأكسجة الغشائية خارج الجسم (ECMO).

وقال الدكتور خوسيه سواريز، مدير قسم العناية الحرجة في علم الأعصاب في جامعة جونز هوبكنز إن من المرجح أن تكون التوجيهات مهمة لتوحيد تشخيص موت الدماغ في جميع أنحاء الولايات المتحدة، ولكنها ستكون مفيدة على الصعيد الدولي أيضًا، فالكثير من البلدان الأقل نموًا تفتقر كليًا إلى معايير وفاة الدماغ، ويمكن أن تساعد التوصيات الجديدة تلك البلدان في تطويرها ووضع أطر عمل متسقة خاصة بها.

هذا وقال سواريز -الذي لم يشارك في المشروع- لـlive science: “لقد حظينا بتعاون دولي حقيقي هنا؛ الناس من جميع القارات يوظفون خبراتهم في هذه المسألة ويطورونها، وهذا أمر مدهش”.

المصادر: 1