ماذا يحدث عندما يصبح الفيلسوف ملكًا؟

إليكم كيف تطورت الأمور عندما حكم أحد الفلاسفة إمبراطوريةً كاملة.

كرس العديد من المفكرين العظماء وقتهم في محاولةِ فهمِ طبيعة المجتمع المثالي، من حيث نوع نظام الحكم فيه وماهية القيم الإنسانية التي تسوده. ولكن عبر مراحل التاريخ، قلةٌ فقط من هؤلاء المفكرين أُتيحت لهم الفرصة لتطبيق أفكارهم على أرض الواقع. إذ غالبًا ما يستشهد الحكام بأقوال المفكرين الكبار، إلا أنه نادرًا ما نجد تطبيقًا حقيقيًا لأفكارهم الطوباوية هذه.

لكن ما الذي يحدث عندما تأتي الفرصة لتطبيق مثل هذه الأفكار الفلسفية؟ في لحظاتٍ تاريخيةٍ نادرة، أُتيح للبشرية تطبيق بعضٍ من نظريات الفلاسفة المثاليين على أرض الواقع، وكانت النتيجة تنويرةً بالفعل.

تطرق الفيلسوف أفلاطون، في كتابهِ «الجمهورية»، إلى عرضِ أهم أفكار المدينة الفاضلة التي يحكمها الفلاسفة، حيث قال: « ما لم يصبح الفلاسفة قادةً وملوكًا… فإنّ المدن لن تخلو من الشر». ولحسن الحظ، هناك تجربة واضحة لحكمِ مثل هذا الفيلسوف القائد، وذلك عندما حكم أحد الفلاسفة الإمبراطورية الرومانية، وهو ماركوس أوريليوس أنطونينوس Marcus Aurelius Antoninus.

إذًا كيف جرت الأمور في عهده؟

ما هي النتيجة التي نحصل عليها حين نقومُ بتطبيقِ فكرةٍ محوريةٍ يؤمن بها أحد أعظم العقول التي عرفتها البشرية، في واحدة من أعظم الإمبراطوريات على مرِ التاريخ؟

إن الاجابة على هذه الأسئلة ستتنوع حسب الشخص الذي تسأله.

كان ماركوس أوريليوس آخر «الخمسة الأباطرة الكبار»، وهم مجموعة من الحكام الذين كانو بارعين جدًا في إدارةِ شؤون البلاد لدرجة أن المؤرخ جيبون Gibbion قال عنهم، في كتابه أفول وسقوط الامبراطورية الرومانية The Decline and Fall of the Roman Empire: «أنه إذا ما دُعي لذكر اسم مرحلةٍ في التاريخ البشري كان الإنسان ينعم فيها بالسعادة والرخاء، فإنه حتمًا سيذكر الفترة التي ابتدأت من موت الإمبراطور دوميتيان Domitian وانتهت بحكم الإمبراطور كومودوس Commodus».

قبل توليهِ العرش، تلقى هذا الإمبراطور تعليمهُ على يدِ أفضل المعلمين في ذلك الزمان، أي مثلما كان يأمل أفلاطون. فهم ماركوس أوريليوس القوانين والفلسفة واللغة جيدًا. وأُشتهر بكونه أحد أبرع المفكرين في مجال القانون والحقوق. وبسبب أوامرهِ قامت الدولة بحماية الأطفال الفقراء والأيتام وضمان حقوق العبيد المُحررين.

وخلال أزمات المجاعة التي عرفتها إيطاليا، أشرف بنفسه على مواجهة الأزمات. فعندما انتشر مرض الطاعون في روما، سن مجموعةً من القوانين لمواجهته، وهي نفس القوانين التي بقيت سارية المفعول خلال القرن العشرين. وخلال العجز الذي أصاب خزانة الإمبراطورية، قام ببيعِ ممتلكاته الخاصة، قبل أن يطلب من الشعب دفع الضرائب. وعندما خاضت روما الحرب للمرة الأولى ضد الأعداء المحليين والأجانب، قاد انتصارًا انطلق من ألمانيا إلى بلاد ما بين النهرين. ورغم حكمهِ المطلق، سنَ قوانين تضمن مباركة أعضاء مجلس الشيوخ للخطوات التي يرونها مناسبة.

إن كتابته لمجموعةٍ من الانطباعات الشخصية في كتابٍ يُعرف اليوم ب «التأملات Meditations»، ويُعتبر من أبرز الأعمال الفكرية للرواقيين، هو الدليل على استحقاقهِ لقب الفيلسوف عن جدارة. فهو يُقدم في هذا الكتاب مجموعةً من النصائح، منها أن يكون الإنسان منسجمًا مع ذاته لكي يستطيع التعامل مع الأحداث بالفضيلةِ والمنطق.

ورغم ظهور هذه الأفكار الفلسفية قديمًا إلا أنها أثرت في أعمال الفيلسوف إيمانويل كانط Kant، بل واستمر تأثيرها على الفلاسفة حتى يومنا هذا. إن كتاب التأملات الذي كتبه وهو في ساحة القتال حيث وجد ضالته في ظلام الليل الدامس بعيدًا عن أجواء الفوضى التي تشهدها الحرب يوميًا، هو دليلٌ كافٍ وقوي لاعتبار هذا الفيلسوف رواقيًا.

ومع ذلك، فالحق يُقال، لم يكن هذا الإمبراطور الفيلسوف مثاليًا تمامًا، لأنه أشرف على اضطهادٍ واسع النطاق للمسيحيين خلال فترة حكمه. ولأنه كان الإمبراطور الوحيد منذ قرن الذي كان لديهِ ابنٌ حيٌ قادرٌ على خلافته، فقد دعم ابنه الوحيد كومودوس Commodus لكي يتولى زمام الحكم بعده. ولكن ابنه أُغتيل لاحقًا من قبل أعضاء مجلس الشيوخ لأنه كان حاكمًا مستبدًا ومصابًا بجنون العظمة فأُعتبر عدوًا للشعب. وخلال توليه الحكم بدأ يُسمي الأشياء باسمه، بما في ذلك أشهر السنة وفيالق الجيش ومدينة روما نفسها. يُمكن القول أن الفيلسوف ماركوس ارتكب خطأً جسيمًا عندما مهد الطريق لابنهِ لتولي الحكم المطلق.

من خلال هذه المعلومات، أُجيز لنا أن نسأل، هل يجب أن نأخذ بعين الاعتبار نصائح أفلاطون السياسية أما أنها غير قابلةٍ للتطبيق؟

ربما لا يجب علينا الأخذ بنصائح أفلاطون، حيث أكد الفيلسوف النمساوي البريطاني كارل بوبر Karl Popper، أن فكرة تولي الفيلسوف للحكم هي تبريرٌ لأنظمة الحكم الشمولي التي قامت خلال القرن العشرين.

وحتى الفيلسوف الملك لم يرَ أنهُ من المناسب أن يطبق أفكار أفلاطون الشمولية بشكلٍ كامل. ففي حين نصح أفلاطون برقابة الدولة حتى على العروض الليلية ومنعَ الموسيقى في بعض الحالات، أُشيد بماركوس أوريليوس لسماحته مع العروض الساخرة وحتى تلك التي تتناوله هو كمادةٍ للسخرية. وبذلك وفر مساحةً كبيرةً من حرية التعبير لأبناء شعبه خلال فترة حكمه.

صحيح أن مجتمع افلاطون المثالي من شأنه أن يخيف القراء المعاصرين، ولكن التأمل في أفكار هذا الفيلسوف العظيم يساعدنا على تحسينِ وضعِ مجتمعاتنا. في حين أن قلةً فقط من القراء تؤيد الانتقال إلى المدينة الفاضلة لأفلاطون، إلا أن الجميع يتفق على أهمية دراسة أعماله. تُذكِرُنا حياة ماركوس أوريليوس أنه حتى إن لم نقبل بمجملِ أفكارِ المدينة الفاضلة، فإنه يمكننا أن نتعلم شيئًا منها.

المصادر: 1