Image: © Shutterstock

فيزيائيون يراقبون الجسيمات الكمومية وهي تخترق حواجز صلبة، وهذا ما وجدوه

عالم الكمّ جامحٌ جدًا، حيث تحدث فيه الأشياء التي تبدو مستحيلة طوال الوقت: الأجسام الصغيرة جداً والتي تفصل بينها أميال عديدة تكون مربوطة ببعضها البعض، ومن الممكن للأجسام أن تكون في مكانين في نفس الوقت، لكن واحدة من القوى الخارقة والمحيّرة لعالم الكمّ هي حركة الجسيمات عبر حواجز تبدو غير قابلة للاختراق.

وفقا لبحثهم المنشور في دورية Nature بتاريخ 22يوليو/تمّوز: ابتكر فريقٌ من العلماء طريقة بسيطة لحساب المدة الزمنية لظاهرة النفق الكمّي quantum tunneling الغريبة واكتشفوا كم تستغرق العملية من البداية إلى النهاية، أي من اللحظة التي يصل فيها الجسيم إلى الحاجز ثم يخترقه إلى أن يخرج من الجهة الأخرى.

النفق الكمّي هو ظاهرة حيث من الممكن للذرّة أو الجسيم دون الذري أن يظهر على الجانب الآخر من الحاجز الذي ينبغي أن يكون مستحيلًا على الجسيم أن يخترقه، الأمر أشبه بأن تمشي وتواجه حائطًا بارتفاع عشرة أقدام (ما يقارب الثلاثة أمتار) يمتد بامتداد النظر، وبدون استعمال السلّم أو افتقار مهارات تسلّق سبايدرمان، سيستحيل عليك تجاوز ذلك الحائط.

لكن في عالم الكمّ، يمكن ببساطة أن يختفي الإلكترون من جهة ويظهر في الجهة الأخرى من الحائط وكأنه حفر نفقًا عبره. هذا شيء نادر نعم؛ لكنه وارد الحدوث.

وقال ايفرايم شتاينبرغ Aephraim Steinberg، المؤلّف المشارك في الدراسة والمدير المشارك لبرنامج علوم المعلومات الكمّية في المعهد الكندي للأبحاث المتقدمة: “النفق الكمّي هو واحد من أكثر الظواهر غرابةً وحيرة من ظواهر الكمّ. وإنّ من الرائع أنّنا حقًّا نستطيع دراستها بهذه الطريقة”.

النفق الكمّي ليس جديدًا على الفيزيائيين. فهو يشكّل أساس العديد من التكنولوجيا الحديثة مثل الرقائق الإلكترونية التي تُسَمّى الثنائيّات النفقية، والتي تسمح بحركة الكهرباء في الدائرة في اتجاهٍ واحد فقط دون الرجوع، وتستخدم مجاهر المسح النفقيّة Scanning tunneling microscopes (STM) النفق الكمّي لترينا الذرّات المفردة على سطح مادة صلبة. يجدر الذكر أن بعد فترة قصيرة من ابتكار مجاهر المسح النفقيّة كتب باحثون في شركة IBM باستخدام الجهاز أحرف الشركة على ركيزة نيكل باستخدام 35 ذرّة من عنصر الزينون.

بينما قوانين ميكانيكا الكم مناسبة للنفق الكمّي، إلّا ان الباحثين لا يعلمون بالضبط ما الذي يحدث على المستوى دون الذرّي في أثناء عملية النفق الكمّي. في الواقع اعتقد بعض الباحثين أنّ الجسيم يظهر بشكل فوري على الجانب الآخر من الحاجز كما لو كان ينتقل بشكل فوري.

حاول الباحثون سابقًا قياس المدة الزمنية التي تلزم ظاهرة النفق الكمّي لتحدث، لكن النتائج كانت متباينة. واحدة من الصعوبات في التجارب السابقة كانت في تحديد اللحظة التي تبدأ فيها العملية أو تنتهي. لكن لتبسيط العملية، استخدم الباحثون المغناطيس لإنشاء نوع جديد من “الساعات” التي تدق فقط عندما يتحرك الجسيم في النفق الكمّي.

تمتلك كل الجزيئات دون الذريّة خصائص مغناطيسية، وعندما يكون المغناطيس في مجال مغناطيسي خارجي، فإنها تدور مثل المغزَل. يعتمد عدد مرات الدوران (يسمى أيضًا المداورة أو البدارية) على مدة تعرض الجسيم للمجال المغناطيسي. بمعرفة ذلك، استخدمت مجموعة تورنتو Toronto مجالًا مغناطيسيًا لتشكّل الحاجز، وعندما تكون الجزيئات داخل الحاجز فإنّها تتحرّك، أمّا في الخارج فلا تتحّرك. لذلّك فإن قياس المدّة التي تتحرّك فيها الجسيمات أخبر الباحثين عن المدة التي استغرقتها هذه الذرات في اختراق الحاجز.

وقال درو التون Drew Alton، بروفيسور الفيزياء في جامعة أوغستانا Augustana University، في جنوب داكوتا إن “هذه التجربة لإنجاز تقنيّ يحبس الأنفاس”.

جهَّز الباحثون نحو 8000 ذرّة روبيديوم، وبردوهم إلى جزء من مليار درجة أعلى من الصفر المطلق. احتاجت الذرات أن تكون بدرجة الحرارة تلك وإلّا سوف تتحرك عشوائيًا بسرعة كبيرة، بدلاً من البقاء في حيّز صغير. استخدم العلماء الليزر لخلق حاجز مغناطيسي؛ فركزوا أشعته بحيث صار سُمك الحاجز 1.3 ميكرون (ميكرومتر)، أي بسمك 2500 ذرة روبيديوم. ودفع العلماء ذرّات الروبيديوم باتجاه الحاجز باستخدام ليزر آخر، فكانت سرعتهم قرابة 0.15 إنج في الثانية (4 مليمترات في الثانية).

وكما هو متوقّع، ارتدّت معظم ذرّات الروبيديوم عن الحاجز. مع ذلك، بسبب النفق الكمّي؛ اخترقت نحو 3% من الذرات الحاجز وظهرت على الجانب الآخر. واستنادًا إلى مداورة تلك الذرات فقد استغرق الأمر 0.6 ملّي ثانية لاجتياز الحاجز.

وأشاد تشاد أورزيل Chad Orzel، أستاذ الفيزياء المساعد في كلية الاتحاد الأمريكية Union College in New York بالتجربة رغم أنه لم يكن جزءا من الدراسة فقال: “صممت تجربتهم ببراعة ليكون من الصعب تفسير النتيجة على أنها أي شيء خلاف ما يقولونه”. وأضاف تشاد أوزريل وهو مؤلف كتاب كيف تعلّم ميكانيكا الكمّ لكلبك How to Teach Quantum Mechanics to Your Dog “إنها من أفضل الأمثلة التي ستشاهدها عن تجربة فكرية أصبحت حقيقة”.

إن التجارب التي تستكشف النفق الكمّي صعبة ونحن بحاجة لمزيد من البحث لفهم الآثار المترتبة على هذه الدراسة. وتدرس مجموعة تورنتو بالفعل إدخال تحسينات على أجهزتهم ليس فقط لتحديد مدة عملية النفق الكمّي، ولكن أيضًا لمعرفة ما إذا كان بإمكانهم تعلم أي شيء عن سرعة الذرات في نقاط مختلفة داخل الحاجز. وقال شتاينبرغ في سياق متصل: “نحن نعمل على قياس جديد حيث نجعل الحاجز أكثر سمكًا ثم نحدد مقدار الانحراف على أعماق مختلفة. سيكون من المثير للاهتمام معرفة ما إذا كانت سرعة الذرات ثابتة أم لا”.

يستحيل في تفسيرات عديدة في ميكانيكا الكمّ -حتى من حيث المبدأ- تحديد مسار الجسيّم دون الذرّي. ويمكن لمثل هذا القياس أن يؤدي إلى رؤىً ثاقبة في العالمِ المربك لنظرية الكم.

إن عالم الكمّ مختلف جدًا عن العالم الذي نعرفه واعتدنا عليه. لكن هكذا تجارب ستجعله أقل غموضًا.

المصادر: 1