تخلص من القلق والكآبة بتغيير نظامك الغذائي

إن ما يحدث في أمعائك يؤثر في عواطفك وأحكامك العقلية.

نعلم منذ زمن طويل: أنك أنت ما تأكل، بل وقد خلص ميشيل بولان Michael Pollan باستنتجاته إلى حيث قال: أنت نتاج ما يأكل طعامك.

ويتعلق هذا مثلًا باختيارك للحم العجل المُغَذى على العشب مقابل لحم العجل المُغَذى على الحبوب، أو اختيارك للسلمون البري مقابل سلمون البحيرات الاصطناعية.

ويسهم الوعي المتنامي في مجالي التغذية وعلم الأعصاب في فهم أهمية ما تأكل (وما يأكل أكلك)، على الرغم من أن هذا ما قاله أبقراط قبل أكثر من 2300 سنة حيث قال: “المعدة بيت الداء”.

وبالتأكيد كلنا نعلم بأن ما يدخل إلى معدتنا هو الذي يفرض مستويات البدانة والطاقة في أجسامنا.

ولا بد أن نظرتنا إلى التساؤل الأوسع حول الصحة سوف تتغير بمجرد معرفتنا أن منبع القلق والاكتئاب هو التغذية (ولو بشكل جزئي).

يتعلق الأمر بالبكتريا، ولسنين فقد كانت البكتريا هي العدو، إذ سوقت الشركات المنتجة لمطهرات الأيدي والصابون لتجسيد البكتريا كشياطين. وعلى الرغم من أهمية مطهرات الأيدي في غرف العمليات وفي القوات المسلحة (بدليل أن الرئيس بوش عقَّم يده بعد مصافحته لأوباما)، إلا أن حكمةً شعبيةً تقول: إن القليل من الأوساخ يبني جهازك المناعي.

وهنا يبرز لدينا السؤال الآتي: ما هي البكتريا الصحية؟ وللأسف لا جواب لهذا السؤال، وذلك بسبب اختلاف الميكروبات (الكائنات الدقيقة التي تعيش في داخلك) بين شخصٍ وآخر، فما أحتاجه أنا من الممكن أن يتوفر لديك بشكلٍ فائضٍ.

إن أربعين مليونًا من بكتريا كومبوتشا Kombucha (شراب مخمر) قد لا تسبب لك ذاك الضرر، وهذا ما يفسر أن حركات التسويق في المجال الصحي غالبًا ما تكون موضة عابرة.

إن الحوار الذي يحدث بين أمعائنا وعقلنا هو أهم الحوارات التي تحدث في أجسادنا. فقد أظهرت دراسةٌ في العام الماضي أن تغيرات البكتريا في كلٍ من الفئران والإنسان تؤثر في مزاجهم، بما في ذلك خفض مستويات القلق.

في الواقع، في الإنسان ميكروبات أكثر مما في الحيوان، حيث يقابل كل جين بشري في الجسم 360 جين ميكروبي!

ووفقًا للكاتبة العلمية لورا ساندرز Laura Sanders: لقد تطور الإنسان والخلايا البكتريّة معًا، كشجرتين متشابكتين نمتا وتكيفتا إلى نظام بيئي متناغم (غالبًا).

ووفقًا للإحصائيات فإن البكتريا الضارة في ارتفاع، فأكثر من ربع البالغين في الولايات المتحدة يعانون من اضطرابات عقلية، بينما يعاني أكثر من أربعين مليون أمريكي من اضطرابات تتعلق بالقلق، و10% من الأمريكيين يتلقون وصفاتٍ طبيةً خاصةً باضطراب المزاج.

ويكتب طبيب الأعصاب ديفيد بيرلمتير David Perlmutter أن الاكتئاب يؤثر على 1 من 10 أمريكيين وهو السبب الرئيس للإعاقة في جميع أنحاء العالم، وهو يعتبر أن ما يحدث في أمعائنا أكبر مسبب للاكتئاب.

ولا يقف بيرلمتير عند القلق والاكتئاب فقط، إنما يربط في بحثه عددًا من الأمراض بصحة الأمعاء ومن هذه الأمراض: مرض باركنسون ومرض الزهايمر والتوحد والصداع المزمن وغيرها؛ فيكتب قائلًا:

«إن الميكروبات تؤثر في مزاجنا، وفي الرغبة الجنسية، والاستقلاب، والمناعة، وفي إدراكنا للعالم ووضوح أفكارنا. ببساطة: يعتمد كل ما يتعلق بصحتنا -كيف نشعر عاطفيًا وجسديًا- على حالة الميكروبيوم»

بعد معاناةٍ طويلةٍ من اضطراب الجهاز الهضمي تحولت حديثًا من حميةٍ نباتيةٍ طويلةٍ إلى حمية باليو (حمية العصر الحجري). ورغم أن تناول البروتين الحيواني أحدث فارقًا بالفعل، إلا أن الأهم هو ما حذفت من نظامي الغذائي من حبوب، وصويا، وذرة، وفاصولياء، والتي يعتمد عليها النباتيون بشكل أساسي. على أية حال، ونظرًا لحالتي الدائمة المتمثلة في آلام المعدة، فقد تأكدت ان لدي القدرة على تغيير تفاعلات الغذاء هذه.

ولقد نجحت؛ عمليًا لقد اختفت مشاكل الجهاز الهضمي، وما فاجأني أكثر هو غياب ألم الأكتاف المزمن وآلام الركبة الناجمة عن إصاباتٍ سابقةٍ.

ولكن الاكتشاف الأكبر كان في اختفاء القلق، فأنا أعاني منذ كنت في السادسة عشر من نوبات ذعر، وبمجرد تحويل نظامي الغذائي الغني بالكربوهيدرات إلى نظامٍ غذائي عالي الدهون قليل الكربوهيدرات لم أعش لحظة قلق واحدة! لقد كانت إزالة معظم السكريات من حميتي هي المفتاح.

إن الأمور المتعلقة بالنظام الغذائي تشبه الدِّين، فالناس يرتبطون بخياراتهم الغذائية ارتباطًا وثيقًا، حتى إن قتلتهم نتيجة تلك الخيارات أو إصابتهم بالشلل.

ليس الغذاء وحده هو ما يفرض علينا صحتنا، لكنه صوت مهم في الحوار بين أجسامنا والبيئة.

ويحذر الدكتور مارك هايمن Mark Hyman من أن يكون الإنسان آكلًا للحوم ويشرب كميات كبيرة من الكحول، ويدخن، ويتناول القليل من الألياف وكثير من الزيوت المكررة والسكر والكربوهيدرات المكررة. فالمشكلة ليست اللحوم الحمراء، إنما المشكلة هي بكتريا الأمعاء، لذا فإن تناول الألياف المناسبة (كالنشاء المقاوم)، وأخذ المُعينات الحيوية (probiotics)، وتجنب المضادات الحيوية، كل ذلك يشكل جزءًا مفيدًا من زراعة حديقتك الداخلية.

يملك بيرلميتر ستة مفاتيح لإيجاد النظام الميكروباتي الأمثل، وهي: «البريباتوكس (ألياف نباتية طبيعية تحفّز نشاط الكائنات الحية الدقيقة المفيدة)، والبروبيوتيك أو المُعينات الحيوية (مكملات غذائية تحتوي على بكتريا مفيدة للأمعاء)، والأغذية المخمرة والأغذية قليلة الكربوهيدرات، والأغذية الخالية من الغلوتين، والدهون الصحية» وبالتأكيد التقليل من السكر.

بالنسبة لي، كان تبديل نوعية الطعام التي أستهلكها يوميًا أمرًا بالغ الأهمية، مثل استبدال مياه جوز الهند العالية السكر بحليب جوز الهند العالي الدسم في مشروب الفاكهة الصباحي، مع التوت المقطع وإضافة المزيد من المكسرات، فكان أهم اكتشاف هو التحول الفوري في طاقتي الذهنية والجسدية.

وبالنسبة لي كشخصٍ يعمل ويعلّم اللياقة واليوغا ستة أيامٍ في الأسبوع، فقد أصبحت أقوى، وأسرع وأكثر رشاقةً، لقد اختفى توتر منتصف النهار، وأصبح نومي أكثر استقرارًا، وما أثر على حياتي المهنية والشخصية بشكلٍ إيجابيٍ أنني لم أعد أعاني من حالات التهابٍ مستمرةٍ.

بالنسبة للملايين الذين يعانون من الاكتئاب والقلق ومجموعة من الأمراض الأخرى، فإن التحقق من نظامك الغذائي الخاص قد يكون الأمر الذي سيؤدي إلى عملية الشفاء.

إن أية تضحية بالتخلي عن خياراتك الغذائية المعتادة تصبح قليلةً مقارنةً بالتحولات الجسدية والعاطفية المستفادة من خلال مراقبة ما تضعه داخل جسمك.

المصادر: 1