“الدماغ الصغير” أو المخيخ قد لا يكون صغيرًا بعد كل شيء

عندما نقول أن شخصًا ما سريع البديهة، فإن الفضل بذلك قد يعود جزئيًا لمخيخنا الذي يُميّز أدمغة البشر عن أدمغة قرود المكّاك، على سبيل المثال.

يشار إلى المخيخ باسم “الدماغ الصغير” وهي الترجمة العربية المرادفة للمصطلح اللاتيني Cerebellum، ويقع المخيخ بالقرب من جذع الدماغ brainstem ويتموضع تحت القشرة الدماغية في الدماغ المُؤَخَّر hindbrain. ومع ذلك، فإن بحثًا جديدًا في جامعة سان دييغو يدعو للتشكيك بصحة مصطلح “صغير”.

يلعب المخيخ أدوارًا مُتعددة، حيث يساهم في تعبيرنا عن حواسنا الخمسة بالإضافة إلى الألم، والحركات، والتفكير، والعاطفة.

إنه في الأساس أشبه بورقة مسطحة بسماكة قطعة من الكريب، مطوية مئات الطيات لتتناسب مع حيز صغير يبلغ حجمه حوالي ثُمن حجم القشرة المخية. لهذا السبب، كان يُعتقد أن مساحة سطح المخيخ أصغر بكثير من مساحة القشرة المخية.

بالاستعانة بآلة التصوير بالرنين المغناطيسي ذات المجال العالي 9.4 Tesla المستخدمة لمسح الدماغ بالإضافة إلى البرامج المخصصة لمعالجة الصور الناتجة، اكتشف خبير التصوير العصبي في جامعة سان دييغو SDSU أن الطيّات المُرَزَّمة بإحكام تحتوي في الواقع على مساحة سطح تساوي 80% من مساحة سطح القشرة المخية. بالمقارنة بقرود المكّاك، فإن حجم مخيخ المكّاك يبلغ حوالي 30٪ من حجم قشرته المخية.

قال مارتن سيرينو، أستاذ علم النفس وعالم الأعصاب الإدراكي ومدير مركز جامعة سان دييغو للتصوير بالرنين المغناطيسي: “حقيقة أن لدينا مخيخ ذو مساحة سطح كبيرة كهذه يشير إلى العملية التطورية للسلوكيات البشرية المميزة والإدراك، إن هذا الامتداد في مساحة السطح كبير جدًا لدرجة أن أنماط الطيّ معقدة للغاية”.

اكتشف عالم الأعصاب مارتن سيرينو، ومعاونيه أن المخيخ أكبر بكثير مما كان يُعتقد سابقًا، مما يمهد لإحراز تقدم مستقبلي في المجال البحثي.

رؤى غير مسبوقة

بالتعاون مع خبراء بمجال التصوير الدماغي والمخيخ من المملكة المتحدة، وهولندا، وكندا، استخدم سيرينو برنامج FreeSurfer مفتوح المصدر والمُعدّ خصيصًا لإعادة بناء السطح المطوي للمخيخ بواسطة محاكاة حاسوبية، وقد طور سيرينو هذا البرنامج في الأصل مع زملائه أثناء وجوده في جامعة كاليفورنيا في سان دييغو UCSD. يقوم البرنامج أيضًا بفتح طيات القشرة المخيخيّة وبسطها لتصويرها بشكل مستوي وكأن كُل طيةٍ على حِدَة.

اكتشف سيرينو -الرائد في تصوير الدماغ والذي استفاد من التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي functional MRI للتوصل إلى خرائط مرئية عن الدماغ- أنه عندما تفتح طيات المخيخ تمامًا، فإنه يشكل “كريبًا” غريبًا بعرض أربع بوصات وطول ثلاثة أقدام. تم نشر النتائج في دورية PNAS (Proceedings of the National Academy of Sciences).

وقال سيرينو: “لم يكن لدينا سوى نماذج بدائية لما يبدو عليه الأمر، أما الآن فلدينا خريطة كاملة أو تمثيل سطحي للمخيخ، مثل المدن والمقاطعات والولايات”.

قِطَعُ اللغز

اكتشفت الأبحاث السابقة أنه على الرغم من وجود العديد من أوجه التشابه بين القشرة المخية والمخيخ، إلا أن هناك اختلافًا رئيسيًا واحدًا. في القشرة المخية، تترتب المناطق الدماغية التي تمثل أجزاء مختلفة من الجسم تقريبًا كما تترتب هذه الأجزاء في الجسم الفعلي أيّ بشكل متجاور متقارب ومنظم. لكن في المخيخ، تم وضعهم بشكل عشوائي.

وأوضح سيرينو: “تخيل أن لديك جزء صغير من الشفة، بجوار جزء من الكتف أو الوجه، كقطعٍ مختلطة من أحجية الصور المقطعة”.
إن أجزاء المخيخ هذه رُتبت لكي تجمع المعلومات المختلفة من أنحاء الجسم وتنسقها بآلية منظمة.

قال سيرينو: “إنه من المثير للاهتمام التفكير في أنه قد يكون هناك شبيه لما يسمى ب “التناظر أو التماثل الجسدي- العصبي المُجزأ” fractured somatotopy* في الأجزاء المعرفية من المخيخ والتي يمكن أن تساعد في دعم الوظائف المعرفية المعقدة للغاية، مثل اللغة أو التفكير المجرد.

“عندما نفكر في المستوى الإدراكي المطلوب لكتابة ورقة علمية أو شرح مفهوم ما، فإنه علينا أن نجمع المعلومات من العديد من المصادر المختلفة ونربطها مع بعضها. وهذه هي الطريقة التي بُنِيَ المخيخ بها”.

حتى الآن، كان يُعتقد أن المخيخ يشارك بشكل أساسي في الوظائف الأساسية مثل الحركة، ولكن ازدياد حجم المخيخ بمرور الوقت بالإضافة إلى زيادة مدخلاته المعلوماتية الجديدة الواصلة من مناطق القشرة المخية التي تساهم في عملية الإدراك تشير إلى أنه يمكن للمخيخ أيضًا معالجة المفاهيم الإدراكية المتقدمة مثل المعادلات الرياضية.

قال سيرينو: “الآن بعد أن أصبح لدينا أول خريطة أساسية عالية الدقة للمخيخ البشري، هناك العديد من الاحتمالات للباحثين للبدء في استكشاف تفصيلي للمخيخ الذي هو أشبه بطبقاتٍ من المدخلات المعقدة الواصلة من أجزاء القشرة المخية المختلفة”.

على سبيل المثال، هناك بعض الأدلة الحديثة على أن الأشخاص الذين يعانون من تلف في المخيخ يجدون صعوبة في معالجة المشاعر.

قال سيرينو: “[الدماغ الصغير] متعدد المهارات أو كما يقول المثل [مسبّع الكارات]، لذلك فإن رسم خرائط المخيخ سيكون إنجازًا رياديًا مثيرًا للاهتمام للعقد القادم”.

Fractured somatotopy means:

أن كل جزء من أجزاء الجسم يرتبط بنقاط محددة في المخيخ تمامًا كما ترتبط نقاط الخريطة بعضها ببعض، ولكن في المخيخ هناك العديد من التكرارات للخريطة الأساسية، مما يشكل ترتيبًا يسمى “التماثل الجسدي- العصبي المُجزأ”.

المصادر: 1