هل بإمكان الأشجار حقًا جعل المدن أماكن أكثر برودة؟

غالبًا ما يتم زراعة الأشجار في مدن كل أنحاء المعمورة للمساعدة في التحكم في درجات الحرارة والتخفيف من آثار “الجزيرة الحرارية الحضرية””UHI Urban Heat Island (التأثير الناتج عن ارتفاع درجات الحرارة بسبب مظاهر التمدن وغياب أو شحة أنماط الطبيعة كالأشجار ونحوها)؛ بينما يُطلق على الأشجار مصطلح “مكيفات هواء الطبيعة”، إلا أنه عمليًا غالبًا ما يجد العلماء صعوبة في تفسير خصائص التبريد الخاصة بها.

تتمثل الطريقة الأكثر نجوعًا لمعرفة مدى تأثير الأشجار في خفض درجات الحرارة في مقارنة درجة حرارة الهواء في الحدائق مع مثيلتها في الشوارع المجاورة. لكن هذه الطريقة غالبًا ما تأتي بنتائج مخيبة للآمال؛ حتى في الحدائق المورقة الكبيرة، عادًة ما تكون درجة حرارة الهواء في النهار أقل من درجة مئوية واحدة أكثر برودة من الشوارع المزدحمة، وفي الليل يمكن أن تكون درجة الحرارة في الحدائق أعلى.

لفهم هذا التناقض لا بد من معرفة الآلية التي يتم من خلالها جريان الحرارة وكذلك المعيار بالنسبة للقياسات التي يتم جمعها.

الأيام الغائمة

من الناحية النظرية، يمكن أن تساعد الأشجار في توفير التبريد بطريقتين:

من خلال توفير الظل، وعن طريق عملية تعرف باسم التبخر. محليًا، توفر الأشجار معظم تأثير التبريد من خلال التظليل. إن درجة الحرارة التي نشعر بها في الواقع تعتمد – بشكل ضئيل- على درجة حرارة الهواء المحلية، وأكثر على مقدار الإشعاع الكهرومغناطيسي الذي نبعثه أو الذي نمتصه من محيطنا.

تعمل الشجرة تمامًا كالمظلة، حيث تحجب حوالي 90٪ من إشعاع الشمس، وتزيد من كمية الحرارة التي نفقدها في محيطنا عن طريق تبريد الأرض أسفلها.

على كل حال، يمكن للظل الذي توفره الأشجار أن يقلل من درجة الحرارة المكافئة الفسيولوجية (مدى الشعور بالدفء الذي نشعر به في محيطنا) بنسبة تتراوح بين 7 و15 درجة مئوية، اعتمادًا على خط العرض لدينا.

Roland Ennos, Author provided

لذلك، ليس من المستغرب، في ذروة فصل الصيف، أن يتوجه الناس إلى البرودة اللطيفة للظل الذي توفره حدائق لندن والشوارع الباريسية والساحات المتوسطية.

تستطيع الأشجار أن توفر التبريد للمباني أيضًا – خصوصًا إذا ما تمت زراعتها عند الجانب الشرقي أو الغربي – حيث يمنح ظلها الحماية اللازمة لمنع الإشعاع الشمسي من الوصول إلى النوافذ وكذلك يمنع ارتفاع درجة حرارة الجدران.

أظهرت الدراسات التجريبية التي أجريت في الولايات المتحدة الأمريكية أن بإمكان ظل الأشجار تقليل تكاليف تكييف الهواء للمنازل بنحو 20% إلى 30٪.

إلا أن تكييف الهواء يكون أكثر شيوعًا في بعض الأماكن منه في أماكن أخرى: فعلى سبيل المثال، في الوقت الذي تمتلك ثلاثة من كل أربعة أسر أسترالية مكيف هواء واحد، فإن هذه النسبة تكون أقل بكثير في شمال أوروبا، مما يجعل السكان هناك أكثر عرضة لأضرار الحرارة الحضرية

خلال موجة الحر الأوروبية عام 2003، تم تسجيل 70.000 حالة وفاة إضافية، مقارنةً بفترات البرد.

نحن بحاجة ماسة إلى المزيد من البحث لمعرفة مقدار الظل من الأشجار الذي يمكن أن يبرد المنازل المتلاصقة والكتل السكنية، حيث يعيش الكثير من الأشخاص الأقل ثراءً.

التخلص من الحرارة

يمكن للأشجار أن تكون لها فائدة كبيرة في المساهمة الفاعلة بالتخلص من “تأثير الجزيرة الحرارية التحضرية”.

في أثناء الجو المشمس الهادئ فإن درجة حرارة الهواء في المدن تكون أعلى من نظيرتها في الجانب الريفي بما يفوق السبع درجات؛ وخصوصًا في الليل.

في المدن يقوم الإسفلت الصلب وأسطح القرميد بامتصاص الشعاع الشمسي قصير الموجة والذي بدوره سيعمل على تسخين هذه الأسطح برفع درجة حرارتها لتصل إلى ما يقارب 40 إلى 60 درجة مئوية، كما تقوم بحفظ هذه الطاقة (الحرارة) لحين إطلاقها ثانيةً إلى الهواء أثناء الليل والتي ستظل محصورة في الشوارع الضيقة.

Roland Ennos, Author provided

يمكن لأشجار المدن عكس سير هذه العملية بمنع أشعة الشمس من الوصول إلى الأرض، واستخدام هذه الطاقة لغرض التبخر؛ والذي يحدث بدوره نتيجة تبخر الماء الموجود على ورق الأشجار بفعل أشعة الشمس والذي سيعمل على تبريد هذه الأشجار-تمامًا مثلما يفعل التعرق في تبريد أجسادنا- وبهذه الطريقة تقل كمية الطاقة اللازمة لتسخين الهواء.

يمكن قياس تأثير عملية التبخر كميًا بطريقتين :

الأولى، قياس درجة الحرارة في مناطق الأشجار والتي تكون عادةً أكثر برودة من أسطح المباني – بنحو2 إلى 3 درجات مئوية.

ولكن لسوء الحظ فلا يمكن الجزم بأن هذا الفرق في درجات الحرارة هو الدليل على سعة التبريد cooling capacity؛ حيث تكون لأوراق الأشجار درجة حرارة أقل من أسطح المباني حتى في حال عدم فقدانها للماء لكونها تَبرُد بفعل الحمل (الانتقال) الحراري.

الطريقة المثلى لحساب التأثير المباشر للتبريد على الأشجار، هو بحساب كمية الماء التي يفقدها النبات؛ ولعمل ذلك يتم قياس تدفق جريان العصارة الى جذع ألشجرة أو حساب كمية فقدان الماء من الأوراق المفردة.

توضح هذه الطرق أن بإمكان الأشجار تحويل 60٪ من الإشعاع الساقط إلى التبخر، حتى بالنسبة لشجرة الكمثرى الصغيرة (بارتفاع 4متر) – والمنتشرة بصورة شائعة في شمال أوربا-بإمكانها توفير حوالي 6 كيلو واط من التبريد، أي ما يعادل وحدتي تبريد هواء صغيرتين.

إلا أن هنالك مشكلة، حيث لا يمكن قياس تأثير التبريد على الأشجار إلا أن كانت في حالة نمو، من خلال قياس كمية فقدان الماء من الاوراق المفردة؛ فقد لاحظنا أن أشجار النخيل بطيئة النمو وكذلك أشجار التفاح لا توفر سوى ربع ما توفره أشجار الكمثرى من تأثير التبريد.

علاوًة على ذلك، يمكن أن تكون فعالية الأشجار قليلة بشكل ملحوظ إذا كانت ظروف النمو سيئة، حيث وجدنا أن التبخر(النتح) لشجرة الكمثرى يمكن أن ينخفض ​​بمعامل خمسة، إذا كانت الجذور تنمو من خلال التربة المضغوطة أو سيئة التهوية. هناك حاجة إلى مزيد من البحث حول الأداء النسبي للأشجار الكبيرة والصغيرة، سواء أكانت مزروعة في الشوارع أم في الحدائق العامة.

تتمثل إحدى الصعوبات الأخيرة في حساب قوة التبريد للأشجار في تحديد مقدار التبخر ونتح الشجرة الذي سيؤدي في الواقع إلى تقليل درجة حرارة الهواء.

كما هو الحال في العلوم في كثير من الأحيان، هناك حاجة إلى نموذج تصميمي، حيث باستطاعة الفيزيائيون والمهندسون وعلماء الأحياء من العمل معًا، نحن بحاجة إلى وضع أشجار واقعية في نماذج مناخية إقليمية مفصلة، والتي يمكن أن تحاكي الحركات اليومية المعقدة للهواء والطاقة عبر المدينة، عندها فقط يمكننا تحديد الفوائد الإقليمية للغابات الحضرية، والعمل على كيفية استخدام الأشجار لجعل مدننا أكثر برودة وأكثر متعة للعيش فيها.

المصادر: 1