Courtesy the Museum of Cycladic Art, Athens/Wikipedia

المشاعر السيئة ستستمر بمطاردتنا إلى أن نقوم بوصفها بالكلمات

لنتخيل وجود إمرأة تُدعى «جين»، وهي مريضة مألوفة لدى كل معالجٍ نفسي. هذه المريضة تعاني وبشدة، لكنها تجد صعوبة بكتابة ما تعاني منه من مشاعر سلبية وصراعاتٍ داخلية. وتُلقي اللوم على حوادث معينة كسببٍ لمعاناتها مثل: قلقها من اكتساب الوزن الزائد وكُرهها لشكل أنفها أو كونها لا تستطيع الكف عن شرب الكحول.

ولكن عندما يُطلب منها أن تتكلم عن حياتها بشكلٍ أدق، يُصبح ذهنها فارغًا أو تعود إلى شكواها الأولية المعروفة مسبقًا أو ربما ترفض الرد على السؤال بشكلٍ كامل. قد تعتقدون أنها تكبح نفسها او أنها مُترددة ولكن هذا ليس صحيحًا، اكتشف المعالج النفسي أن جين ليس لديها القدرة على إعطاءِ وصفٍ كاملٍ لما يجري في دواخلها بشكلٍ أدق.

يُعرف الأشخاص أمثال جين باللامفرداتيين، أو الأشخاص المصابون بنقص الانسجام النفسي alexithymic، وهو مصطلح ظهر على لسان المحللين النفسيين الأمريكيين جون كيس نيمايا John Case Nemiah وبيتر سيفنيوس Peter Sifneos في سبعينيات القرن الماضي، وقد اشتق من اليونانية حيث تعني a (بدون)، lexis (كلمات)، thymos (عواطف).

وهذا المصطلح يُشير إلى مجموعة من الأعراض التي يُعاني منها المرضى مثل: صعوبة وصف المشاعر الذاتية والقدرة المحدودة على التخيل وأسلوبِ تفكيرٍ يُركز على المنبهات الخارجية وليس على المشاعر الداخلية.

ولكن حتى قبل أن يكون لهذه الحالة أي اسم، غالبًا ما كان يصف المحللون النفسيون المرضى الذين يعانون من اللامفرداتية بأنهم وصلوا إلى طريقٍ مسدودٍ في العلاج النفسي، بسبب تفكير هؤلاء المرضى المحسوس ولكون نضجهم العاطفي محدود ولأنه لديهم موقف متجاهل لحياتهم الداخلية. وهؤلاء الأشخاص يكونون عرضة لظهور أعراضٍ جسدية عليهم (مثل الألم والإرهاق)، إذ أنهم استخدموا السلوكيات القهرية (السلوكيات التي لا يُمكن مقاومتها مثل الأكل بشراهة وإدمان الكحول) حتى يستطيعوا التعايش مع مشاعرهم.

فلاحظ الاطباء منذ ذلك الحين أن الأشخاص الذين يعانون من اللامفرداتية شُخصوا بمجموعةٍ واسعةٍ من مشاكل الصحة العقلية، بما في ذلك الإصابة باضطراب ما بعد الصدمة والاعتماد على المخدرات (المسكنات) واضطرابات الأكل والإصابة بالهلع والذعر.

إن جميع المشاكل التي يعاني منها الشخص المصاب باللامفرداتية ترتبط مع حقيقة أنه عندما لا يستطيع الإنسان التعبير عن مشاعرهِ العاطفية في شكلِ رمزي عن طريق الكلمات أو الصور، يؤدي ذلك إلى أن يكون لهذه المشاعر تأثيرٌ ضار على وظائف الأعضاء، وهذا التأثير سوف يظهر على السطح كأعراضٍ جسدية.

حسب المحلل النفسي نيمايا، فالخاصية المفقودة في مرض اللامفرداتية هو عدم قدرة الإنسان على إعطاء بُعدٍ نفسيٍ للعواطف The psychic elaboration of emotion التي يمر بها. فاللامفرادتية هي شكلٌ متطرف من العجز الموجود بداخلنا جميعًا ولكن بدرجاتٍ متفاوتة.

ففي حين أن البعض يجد صعوبة بالتعبير عن مشاعرهِ عن طريق الكلمات في جميع المواقف تقريبًا، فإنه يُمكن لآخرين التحدث بثقة وبكلماتٍ معقدة حول حياتهم العاطفية عندما يتعلق الأمر بمساعيهم الفنية على سبيل المثال، ولكن ليس عن علاقتهم الشخصية مع الآخرين.

إن تطوير القدرة على إعطاء بُعدٍ نفسي للعواطف بمثابةِ مهمةٍ يجب أن ننخرط فيها جميعًا، وتستمر مدى الحياة، وهي تُعتبر حجرَ أساسٍ في معرفة الإنسان لنفسهِ.

بالإضافة إلى أن الفشل في تطوير هذه القدرة خلال جلسات العلاج النفسي يُعتبر من أكثر العوامل شيوعًا في تقويض نجاح مثل هكذا جلسات.

لتفسير ما المقصود بالبُعد النفسي للعاطفة، يجب علينا أولًا توضيح بعض المصطلحات ذات الصلة مثل: الوجدان affect والعاطفة emotion والشعور feeling. ففي عام 1917 وصف سيجموند فرويد، من خلال بُعد نظره المعتاد، التأثر الوجداني بأنهُ تجارب مُركبة تتضمن «الأعصاب الحركية» و«مشاعر وتفريغات discharges معينة». ومنذ ذلك الحين، عرَفَ علماء النفس العاطفة على أنها تُمثل المكون الفسيولوجي العصبي والتعبير الحركي للوجدان (بمعنى آخر، ما يحدث في داخل الجسم)، وعرفوا المشاعر كمكونٍ ذاتيٍ معرفيٍ وتجريبي (بمعنى آخر، ما هو شعورنا حيال تلك العواطف). إذًا أصبح مصطلح الوجدان يشمل المكونات العاطفية والشعورية.

لغرض التوضيح، دعنا نفكر في الوجدان من خلالِ أربع مراحل مختلفة: المراحل الجسدية والحركية والتخيلية واللفظية. وبإتباع نموذج قدمه لأول مرة محللين نفسيين من جنسيةٍ فرنسية-كندية هما سيرج ليكورز Serge Lecours ومارك أندريه بوشار Marc-André Bouchard في تسعينيات القرن الماضي.

حيثُ أنهُ في المرحلة الجسدية، يتم التعبير عن الوجدان من خلال الأحاسيس الداخلية الفسيولوجية والاضطرابات الجسدية والجروح (الإصابات). وهذه هي الطريقة التي يُوصف بها الوجدان لأول مرة في مرحلة الطفولة، أي من خلالِ عدةِ احاسيس مثل الألم والتوتر والدفء أو الغثيان في الأعضاء الداخلية والرأس والعضلات والجلد. إن أي تجربة لا نستطيع إدراكها بعقولنا ستترك بصمتها على جسمنا طوال حياتنا.

والمرحلة الثانية من حيث التعقيد، وهي مرحلة موجودة أيضًا منذ الطفولة، هي المرحلة الحركية، والتي تشمل سلوك العضلات وتصرفاتها، بما في ذلك المظاهر الإيجابية والسلبية (مثل التشنجات وسرعة الخطى والصمت والسكون). الرضيع يتلوى ويهتز ويصرخ ويبتسم، وهذه كلها تصرفات انعكاسية للأحاسيس العاطفية الجسدية. ويفعل البالغون نفس الشيء، حيث يستخدمون النشاط البدني كوسيلةٍ للتعبير عن الوجدان، مثل العراك وضرب الأبواب والعناق الحماسي، هذه الأفعال كلها تُوجد ضمن هذه المرحلة.

والمرحلة التالية في سلسلة الربط بين الجسد والعقل هي المرحلة التخيلية، والتي تشمل استخدام الصور والمشاهد العقلية للتعبير عن الحالة الجسدية الكامنة. فمحتوى الوجدان يمكن أن يأخذ شكل الصور التي تظهر في الأحلام والأوهام والاستعارات. وهذه الخطوة محورية وتُعتبر بالغة الأهمية، لأنها أول مرحلةٍ تستخدم الرموز في التعبير عن الوجدان.

هذه الرموز يُمكن دمجها لكي تقوم بتوضيحِ المعاني الأكثر تعقيدًا. ونُلاحظ أنه ليست كل التعبيرات الخيالية للوجدان يتم تمثيلها بنفس الطريقة. خُذ على سبيل المثال، الهلوسة الاضطهادية التي غالبًا ما يتم التعبير عنها وتظهر للعلن ك «أفعالٍ في حد ذاتها»، بدونِ أي صفاتٍ رمزية.

وأخيرًا، المرحلة الشفوية وهو التعبير عن الوجدان عن طريق اللغة، أي باستخدام الكلمات والقصص والتفسيرات والرؤى. إن هذهِ المرحلة تُعتبر قمة البناء العاطفي فهي تسمح لنا بربط الماضي والحاضر للتعامل مع أي تجربة ودراستها من مختلف الزوايا، ولإيقاف عواطفنا بشكلٍ مؤقت -حتى ولو بشكلٍ جزئي- وسد الفجوات التي تفصل بيننا كأفراد.

إذًا بعد هذا التوضيح، دعنا نتخيل أن جين تُكافح مع الأكل بشراهة، حيث تستهلك كمية كبيرة من الطعام لدرجة الشعورِ بالمرض البدني في أحيانٍ كثيرة. واكتشفنا خلال عملنا معًا في جلسات العلاج النفسي، ومن خلال خطواتٍ أولية مؤقتة تمتد لعدة أسابيع، أن جين قبل ان تبدأ الانغماس في عادة الأكل بشراهة، يكون لديها شعورٌ بالغضب تجاه زملائها الذين يستغلون رغبتها في تولي زمام الأمور في العمل. في الواقع، اِقترحت أنا هذا الاحتمال بعد أن أدلت هي بتعليقٍ عن كونها، وكعادتها، ستبقى في العمل حتى وقتٍ متأخر وبعدها ستمر على مطعمٍ للوجبات السريعة في طريق عودتها للمنزل.

لذا، بدأنا نُصبح أكثر فضولًا نحو مشاعر الغضب لديها بشكلٍ عام، وفي جلسةٍ لاحقة وصفت لي أحد تخيلاتها التي قامت فيها بسكبِ قهوتها على مكتب رئيسها، ودمرت أوراقه الموضوعة بعناية.

إن تفسيري لشراهة جين للطعام، وهو تفسيرٌ ينطبق على العديد من المرضى، هي أنها تكافح من أجل نقل ما يدور في وجدانها (مشاعرها)، والتي تكون معظمها مشاعر غضب، إلى كلماتٍ وصور حتى يمكن عرض هذه المشاعر للتفكيرِ والتدبر.

وبدون هذه القدرة على نقل ما يدور في وجدانها إلى صور وكلمات، تقوم جين بالإفراطِ في الطعام كمحاولةٍ أخيرةٍ منها للتعامل مع العواطف التي تشعر أنها خطيرة وخارج نطاق سيطرتها. ويوفر الحماس الذي يحدث عند تناول كمياتٍ كبيرة من الطعام «مسارًا حركيًا» يُمكن من خلاله التعبير عن مشاعرها، مما يجلب لها راحة مؤقتة قبل أن تُعاد دورة الغضب من جديد.

أنا وجين نحاول إعطاء شرحٍ مفصل لما يدور في وجدانها، وربط التمثيلات الناتجة من هذا الشرح المفصل معًا في أنظمةٍ معقدة بشكلٍ متزايد. ونحن نتحدث بإسهاب حول تاريخ جين مع الغضب طوال حياتها، بما في ذلك كيف كانت عائلتها تتعامل مع هذا الشعور بالذات. ومع مرور الوقت، هذا سيزود جين بمخزنٍ عقليٍ «أكثر سمكًا»، أو كما يسميه ليكورز وبوشار «جهاز مناعةٍ نفسي» يحميها من الصراع الداخلي والخارجي، ويعزز التفكير في المشاعر بدلًا من العمل على أساس هذه المشاعر المؤقتة والسلبية.

آمل أن يكون هذا المثال المختصر قد أظهر أن المشكلة التي تعاني منها جين مع اللامفرداتية، تُشير إلى موضوعٍ يجب علينا جميعًا الانتباه له، وهو شرح مشاعرنا (ما يدور في وجداننا) على شكلِ صورٍ وكلمات، وتعريض أفكارنا للتدبر المستمر.

على الرغم من أن بعضنا لم يُشخص بهذا المرض بشكلٍ طبي، لكننا جميعًا نمتلك «فراغًا» في حياتنا الشخصية والداخلية والذي لا يزال غير قابلٍ للتفسير، وهذا الفراغ يختلف من شخصٍ لآخر. وفي العلاج النفسي كما هو الحال في الحياة، في حين أنه من الرائع والمهم أن تمر على الإنسان لحظة بصيرة يُدرك فيها الأمور، إلا أن هذا نادرًا ما يؤدي إلى تنمية مستدامة لشخصية الإنسان وتخفيف المعاناة العاطفية. بخلاف ذلك، فإن تطور هذه القدرة (أي البُعد النفسي للعاطفة) هو الذي يؤدي إلى النمو العقلي المستمر.

المصادر: 1