Credit: MPIMG/ Uirá Souto Melo

كسور الجينوم البشري قد تؤدي إلى اضطرابات وراثية وخيمة

يُمكن أن تؤدي الكسور وعملية إعادة الترتيب في الجينوم إلى أمراض خطيرة، حتى لو بقيت جميع الجينات سليمة. تُعد تقنية التقاط تشكل الصبغي عالية الإنتاجية Hi-C High-throughput Chromosome Conformation Capture أحد الأساليب المستخدمة لرسم خريطة الهيكل ثلاثي الأبعاد للصبغيات، حيث توفر تشخيصات أكثر موثوقية ودقة لمثل هذه العيوب، ولكنها لم تُستخدم في العيادات بعد. قام فريق من الباحثين في معهد ماكس بلانك للوراثة الجزيئية Max Planck Institute for Molecular Genetics وشاريتيه – جامعة الطب في برلين Charité–Universitätsmedizin Berlin بقيادة علماء الوراثة البشرية مالت سبيلمان Malte Spielmann وستيفان موندلوس Stefan Mundlos بتحليل العينات السريرية من المرضى الذين يعانون من اضطرابات النمو الوراثي باستخدام تقنية التقاط تشكل الصبغي عالية الإنتاجية.

بالفعل، يمكن أن تؤدي طفرة واحدة في الجينوم إلى عواقب وخيمة. ومع ذلك، فإن فقدان أجزاء كبيرة من الجينوم أو نقلها إلى مواقع جديدة يمكن أن يؤدي أيضًا إلى تأثيرات ملفتة للنظر. غالبًا، الخلايا التي تمتلك مثل هذه العيوب تفقد قدرتها على البقاء، لأن فقدان الجينات أو تغييرها يؤدي إلى فقدان وظائف مهمة.

حتى لو بقيت جميع الجينات سليمة بعد كسر الصبغيات، فقد تحدث مشاكل خطيرة. يمكن لشرائح الحمض النووي المسؤولة عن التحكم في الجينات الأخرى الوصول إلى الموقع الخطأ، وتنشيط الجينات في الوقت أو المكان الخطأ. بالتالي، قد يظهر السرطان أو الأمراض التنكسية العصبية أو اضطرابات النمو.

فحص حلقات الجينوم

على الرغم من التقدم الهائل في الاختبارات الجينية، فإن تحديد الأسباب الجينية لهذه الأمراض لا يزال صعبًا. حيث صرّح ستيفان موندلوس من معهد ماكس بلانك للوراثة الجزيئية وشاريتيه – جامعة الطب في برلين: «في حوالي نصف الحالات، يكون التشخيص الجيني غير ممكن، بالتالي يُترك المريض مع عدم اليقين بشأن أصل المشكلة»، ويتابع: «في بعض الحالات، حتى تسلسل الجينوم بأكمله لا يساعد في الكشف عن أصل المشكلة».

كما وصف الفريق الذي يقوده عالما الوراثة البشرية ستيفان موندلوس ومالت سبيلمان في العدد الحالي من المجلة الأمريكية للوراثة البشرية American Journal of Human Genetics، ربما طريقة من البحث الأساسي يُمكن أن تُحسّن التشخيص السريري بصورة كبيرة في مرحلة ما في المستقبل. طبّق الباحثون طريقة تسمى تقنية التقاط تشكل الصبغي عالية الإنتاجية على عينات من المرضى الذين يعانون من اضطرابات في النمو يُشتبه أنها ناجمة عن إعادة ترتيب الصبغيات. يوضح تحليل تقنية التقاط تشكل الصبغي عالية الإنتاجية، أي أجزاء من الجينوم تقترب من بعضها البعض في نواة الخلية. قد تؤدي إعادة ترتيب الصبغيات إلى تغيير أنماط التفاعل هذه، وبالتالي يمكن رؤيتها في التحليل.

فحص الفريق عينات سريرية من الدم والجلد والسائل الذي يحيط بالجنين لتسعة مرضى مصابين بفواصل صبغية، ولكن دون تلف في الجينات المعروفة. ذكر سبيلمان، الذي قاد الدراسة مع موندلوس: «لقد سألنا، هل يمكننا استخدام تقنية التقاط تشكل الصبغي عالية الإنتاجية لإعادة إنتاج النتائج السريرية أو هل يمكننا حتى رؤية المزيد؟ في الواقع، كانت النتائج أكثر تعقيدًا بكثير مما توقعنا».

Credit: MPIMG/ Uirá Souto Melo

تقوم تقنية التقاط تشكل الصبغي عالية الإنتاجية بفك تشابك الصبغيات المنظمة للغاية

يتم إجراء التحليل الكلاسيكي لعيوب الصبغيات بواسطة مخطط لدراسة الصبغيات karyogram، وهو عرض مجهري للصبغيات الملطخة. توجد طريقة أخرى، تسمى تهجين الجينوم المقارن comparative genome hybridization، تعمل مع قطع صغيرة من الحمض النووي الفلوري، وتظهر الفجوات والتكرار في الجينوم بشكل أكثر دقة. ومع ذلك، كِلا الطريقتين عبارة عن تقنيات أولية. ذكر أويرا سوتو ميلو Uirá Souto Melo، وهو أحد أوائل مؤلفي هذه الدراسة بالإشتراك مع روسيو أكونا هيدالجو Rocio Acuna-Hidalgo وروبرت شوبفلين Robert Schöpflin: «يكون الخلل مرئيًا عند وجود خطأ ما على نطاق واضح، ولكن من الصعب تحديد الخطأ بالضبط».

شرح العالم: أنه من المهم ليس فقط معرفة مكان الكسور في الجينوم، ولكن من المهم أيضًا معرفة أي أجزاء من الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين هي التي تكون على اتصال وثيق مع بعضها البعض داخل نواة الخلية. وضّح ميلو: «إن الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين غير مُعبأً عشوائيًا داخل النواة» ويضيف: «بدلاً من ذلك، فإن الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين مُنظم جيدًا بصورة لا تُصدق مع مستويات متعددة من التنظيم ومناطق محددة للغاية، على الرغم من أنه للوهلة الأولى لا يبدو كذلك». حتى الآن، تعد تقنية التقاط تشكل الصبغي عالية الإنتاجية الطريقة الوحيدة لرسم خريطة دقيقة للرافعات والحلقات العديدة للمحتوى الوراثي على نطاق واسع.

الحلقات والمثلثات

أجرى ميلو تقنية التقاط تشكل الصبغي عالية الإنتاجية على خلايا مريض من خلال معالجتها بمواد كيميائية تربط بشكل دائم أجزاء من الحمض النووي المتجاور مع بعضها البعض أولًا، ثم تفتيت الجينوم وأخيرًا عملية تسلسل القطع الصغيرة. الشظايا التي كانت في الأصل قريبة في نواة الخلية تتسلسل معًا في عملية التسلسل لاحقًا.

بعد تحليل المعلومات الحيوية، يصبح تكرار الاتصال مرئيًا في ما يسمى خرائط الحرارة، حيث تمثل كثافة اللون لكل نقطة عدد المرات التي تم فيها لمس منطقتين جينوميتين في العينة. ذكر عالم المعلوماتية الحيوية روبرت شوبفلين: «تظهر أجزاء من الجينوم ذات اتصالات مكثفة داخل منطقة معينة، وبعض العزل تجاه مناطق مجاورة كأشكال مثلثة مميزة في خريطة الحرارة»، ويتابع قائلًا: «تشكل هذه المناطق حلقات كبيرة داخل الحمض النووي، حيث تؤدي دورًا مهمًا في التنظيم الوظيفي للتسلسلات التنظيمية والجينات». وتسمى المناطق المذكورة أعلاه بالمجالات المرتبطة طوبولوجيًا topologically associated domains TADs؛ حيث تمثل مناطق عالية التفاعل في الفضاء ثلاثي الأبعاد.

Credit: Uirá Souto Melo /MPIMG

أهمية الحدود

غالبًا ما تؤدي الكسور الصبغية إلى اضطراب مجالات الكروماتين، مع تأثيرات شديدة في بعض الأحيان. ذكر ميلو: «تخيل هذه المجالات كغرف في خزان زجاجي – مع الزيت والماء والملح في غرف مستقلة»، ويضيف: «عندما تنكسر الحدود بينهما، تختلط المحتويات ويتغير التكوين في كل غرفة بشكل واضح».

وبالمثل، بدون حدود المجالات المرتبطة طوبولوجيًا، تمتد وظائف التحكم من مجال إلى آخر، حيث تؤثر التسلسلات التنظيمية من حلقة الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين على الجينات في حلقة ليست مسؤولة عنها. يمكن أن يؤدي ذلك إلى تنشيط ضال للجينات من قبل ضوابط منظمة خاطئة. أضاف العالم: «عندما تتم إزالة الحد الذي يفصل بين مجالين أو إذا بُدّل محتوى المجالين، فقد يُنشّط الجين الذي يَنشط عادةً في الطرف النامي، على سبيل المثال، كما في الدماغ».

في العينات السريرية التي فُحصت، كان الفريق قادرًا ليس فقط على تأكيد النتائج الحالية وتحديد تأثير حلقات المجالات المرتبطة طوبولوجيًا، والمنظمة بطريقة خاطئة. بل وجدوا أيضًا بعض الكسور الإضافية التي أغفلها التشخيص الكلاسيكي.

الطريق الى العيادة

أضاف ميلو: «أن تكون قادرًا على استخدام تقنية التقاط تشكل الصبغي عالية الإنتاجية في العيادة غدًا، هذا بمثابة حلم»، ويتابع بالقول: «لكن لسوء الحظ، هذا غير ممكن بعد». لا تزال هذه الطريقة مكلّفة للغاية ومعقدة بالنسبة للاختبارات الروتينية. ومع ذلك، يرى العالم الكثير من إمكانات التحسين في الطريقة الجديدة نسبيًا. صرّح الباحث: أنه يمكن أتمتة الكثير من الأعمال المعملية، ويمكن تحسين الخوارزميات، ومن الممكن تصغير عملية التسلسل. «في الوقت الحالي، يتعين علينا التواصل مع زملائنا في علم الوراثة البشرية والطب في جميع أنحاء العالم من أجل تحويل هذه التقنية المختبرية إلى طريقة تشخيص حقيقية».

المصادر: 1