Credit: CERN

إثمار تجربة NA62: قياس اضمحلال الكاون شديد الندرة وتأملات بفيزياء جديدة!

أبلغ العلماء في سيرن عن أول دليل مهم لعملية نادرة متنبأ بها نظريًا، مما يمهد الطريق لعمليات البحث عن أدلة على الفيزياء الجديدة في معالجة الجسيمات، والتي يمكن أن تفسر المادة المظلمة وغيرها من الألغاز الكونية.

قدم اليوم تعاون تجربة NA62 في سيرن، المموَّل جزئيًا من مجلس المملكة المتحدة للعلوم والمنشآت التكنولوجية «STFC»، ويضم عددًا من علماء المملكة المتحدة، قدَّم في مؤتمر «ICHEP 2020» في براغ أول دليل تجريبي لاضمحلال الكاون kaon المشحون النادر جدًا إلى بيون pion مشحون واثنين من النيوترينوات، أي: K+ → π+ vv.

تعد عملية الاضمحلال مهمة في أبحاث الفيزياء المتقدمة لأنها حساسة للغاية للانحرافات عن التنبؤات النظرية (أي دقيقة النتائج). هذا يعني أن الاضمحلال هو من أكثر الأشياء المثيرة التي يجب ملاحظتها بالنسبة للفيزيائيين الباحثين عن أدلة تدعم النموذج النظري البديل في فيزياء الجسيمات.

قال البروفيسور مارك طومسون، فيزيائيُّ الجسيمات والرئيس التنفيذي لـSTFC، إن هذا كان تقدمًا مثيرًا لأن النتيجة تُظهِر كيف يمكن للقياسات الدقيقة لهذه العملية أن تؤدي إلى فيزياء جديدة، غير النموذج العياري لفيزياء الجسيمات الذي طوِّر في السبعينيات. وعلى حد تعبيره:

«يصف النموذج المعياري القوى الأساسية والمكونات الأساسية للكون. إنها نظرية ناجحة جدًا، ولكن هناك العديد من أسرار الكون التي لا يفسرها النموذج المعياري، مثل المادة المظلمة واختلال التوازن بين المادة والمادة المضادة في الكون».

«كان الفيزيائيون يبحثون عن توسيعات نظرية في النموذج العياري. ووهبت قياسات العمليات فائقة الندرة وسيلة مثيرة لاستكشاف هذه الاحتمالات، على أمل اكتشاف فيزياء جديدة تتجاوز النموذج المعياري»

ينتمي المشاركون من المملكة المتحدة في هذا البحث إلى جامعات برمنغهام، وبريستول، وغلاسكو ولانكستر، بتمويل من الـSTFC التابع لهيئة البحث والابتكار في المملكة المتحدة، وكذلك وصل تمويل من الجمعية الملكية ومجلس البحوث الأوروبي (ERC).

Credit: the NA62 Collaboration

صُممت وبُنيت تجربة NA62 -بمساهمة بريطانية كبيرة- بهدف قياس هذه الاضمحلال فائق الندرة للكاون، من الكاونات الناتجة من شعاع بروتون عالي الكثافة وفريد من نوعهِ يوفرهُ مجمع معجل سيرن. تُنتج الكاونات من خلال اصطدام البروتونات عالية الطاقة من المسرع الأكبر للبروتونات SPS لسيرن بهدف بريليوم ثابت. وهذا يخلق شعاعًا من الجسيمات الثانوية التي تحتوي وتولِّد قرابة مليار جسيم في الثانية، نحو 6% منها هي كاونات. والهدف الرئيسي من تجربة NA62 هو القياس الدقيق لاضمحلال جسيمات كاون المشحونة إلى بيون وزوج نيوترينو-مضاد نيوترينو. وللمملكة المتحدة دور رئيسي كبير في تحليل الاضمحلال الذي يعبر عنه كالتالي: K+ → π+ vv.

وضحت البروفيسورة كريستينا لازيروني، فيزيائية الجسيمات في جامعة برمنغهام، والمتحدثة باسم تجربة NA62: «تسمى عملية اضمحلال الكاون هذه بـ[المسار الذهبي] لأنها فائقة الندرة ومتنبأ بها بشكل ممتاز في النموذج المعياري. ومن الصعب جدًا الحصول على عهد حقيقي للعلماء الباحثين عن فيزياء جديدة».

«هذه هي المرة الأولى التي نتمكن فيها من الحصول على أدلة تجريبية مهمة لعملية الاضمحلال هذه. إنها لحظة مهمة، لأنها خطوة أساسية نحو معرفة القياس الدقيق للاضمحلال وتحديد الانحرافات المحتملة عن النموذج المعياري»

«وهذا بدوره سيمكننا من إيجاد سبل جديدة لفهم عالمِنا. فالأدوات والتقنيات المطوَّرَة في تجربة NA62 ستؤدي إلى الجيل التالي من تجارب الاضمحلال النادرة للكاون»

تقدم النتيجة الجديدة المحسوبة بدقة 30% أدق قياس حدث إلى تاريخ إجرائها. ورغم توافقها مع توقعات النموذج المعياري لكنها لا تزال تترك مجالًا لوجود جسيمات أخرى. لذا ما زالت هناك حاجة لمزيد من البيانات للتأكد من وجود فيزياء جديدة.

قال الدكتور جوزيبي روجيرو الحاصل على زمالة إرنست رذرفورد من STFC (الزمالة هي درجة علمية، قد تكون قبل الشهادة الجامعية لكن غالبًا بعدها) من جامعة لانكستر والمحلل الرائد لهذا القياسات منذ عام 2016 والمساعد في إنشاء التجربة: «لقد شكّل تحليل البيانات من التجربة تحديًا حقيقيًا. كان علينا إزالة كمية هائلة من البيانات غير المرغوب فيها، بنحو ألف مليار مرة (يقصِدُ عدد بيانات إضافية ليست للجسيمات المرادة). وكان علينا فعل ذلك دون فقدان الإشارات الدقيقة التي أردنا رصدها. هذا أكثر صعوبة من محاولة العثور على إبرة في مليون كومة قش! واستخدمنا طريقة تسمى تقنية التحليل الأعمى».

Credit: the NA62 Collaboration

ملاحظة: التحليل الأعمى هو نوع من التحليل يجري دون معرفة بالنتيجة المتوقعة أو عدم المقارنة معها لتجنب التحيّز في البحث.

هذا وموّلت STFC زمالتي إرنست رذرفورد، واحدة في جامعة ليفربول ثم لانكستر، والأخرى في جامعة برمنغهام. بالإضافة إلى ذلك، تلقى ثلاثة طلاب دكتوراه في جامعة برمنغهام دعمًا من STFC ويعمل أحدهم حاليًا كباحث بعد الدكتوراه في المشروع. وهكذا عمل الفيزيائيون الخمسة الذين هم في بداية حياتهم المهنية على المشروع.

أٌخذت البيانات المستخدمة في البحث بين عامي 2016-2018 في موقع سيرن في بريفيسين في فرنسا. ويضم البحث أكثر من 200 عالم من 31 مؤسسة. وستبدأ فترة جديدة من جمع البيانات في عام 2021 متيحةً لتعاون تجربة NA62 وضع إجابة أكثر تحديدًا بخصوص مسألة الفيزياء الجديدة.

النتائج:

تأتي النتيجة الجديدة من تحليل مفصّل لمجموعة بيانات NA62 الكاملة التي جمعت حتى الآن بخصوص تعرض 1012×6 كاون للاضمحلال. ونظرًا لأن العملية المقاسة استثنائية جدًا، فقد كان على الفريق أن يكون حريصًا على عدم القيام بشيء قد يجعل النتيجة منحازة. لهذا السبب كان التحليل تحليلًا أعمى، حيث ينظر الفيزيائيون في البداية إلى الخلفية فقط للتحقق من أن أدراكهم للمصادر المختلفة صحيح. وبمجرد أن يقتنعوا بالتحقق، فإنهم ينظرون إلى حقل البيانات حيث من المتوقع أن تتواجد الإشارة، وهذا ما يسمى بـ«التحليل الأعمى».

ورُصِدَ بفضل التحليل الأعمى لمجموعة البيانات الرئيسية في عام 2018 سبعة عشر مرشحًا لأن يكونوا عبارة عن تحلل شحنة كاون، علمًا أن التوقع كان فقط 5.3 حدث، أي أن الفائض كان كبيرًا.

يقود الفائض هذا إلى أول دليل لوجود هذه العملية مع دلالة إحصائية فوق مستوى ثلاثة سيغما three sigma. ويمثل معدل الاضمحلال المقاس بدقة 30٪ القياس الأكثر دقة حتى الآن لهذه العملية. ورغم اتساق النتيجة مع توقعات النموذج المعياري لكنها لا تزال تترك مجالًا لتأثيرات فيزياء جديدة، لذا ما زال هناك حاجة لمزيد من البيانات للتأكد من وجود فيزياء جديدة من عدم وجودها.

إن احتمال حدوث هذه العملية، المسماة «نسبة التفرع»، للاضمحلال فائق الاستثنائية K+→ π+ vv صغير جدًا ومتوقع في النموذج المعياري لفيزياء الجسيمات بدقة عالية -نسبة الخطأ أصغر من النانو (8.4±1.0)×10-11. وهذا يؤدي إلى حساسية استثنائية للظواهر المحتملة وراء وصف النموذج المعياري، مما يجعل هذا الاضمحلال «الوضع الذهبي»، أي أحد أكثر المرصودات إثارة للاهتمام فيما يتعلق بحدود دقة فيزياء الجسيمات.

ومع ذلك، تُعتبر الدراسة التجريبية صعبة للغاية بسبب المعدل الصغير جدًا، ووجود زوج نيوترينو في الحالة الأخيرة، والعمليات الخلفية الضخمة ممكنة الحدوث. لذا تتمتع تجربة NA62 نظرًا لخصائصها بحساسية ممتازة لمجموعة متنوعة من اضمحلالات الكاون الاستثنائية والعمليات الشاذة.

يستعد تعاون NA62 لجمع مجموعة بيانات أكبر في الأعوام بين 2021-2024، عندما يعيد المسرع الأكبر للبروتونات في سيرن العملية، وأخذ البيانات عند شعاع عالي الكثافة مع خط شعاع محسن وتجهيز راصد أفضل. الهدف التالي هو المراقبة بدقة «خمسة سيجما» لاضمحلال K+ → π+ vv أي بدقة جزء من 3.5 مليون، يتبعهُ قياس معدل الاضمحلال بدقة 10%، وهذه الطريقة تَوفِر فحصًا قويًا مستقلًا للنموذج المعياري لفيزياء الجسيمات.

وهكذا بات يلوح في الأفق برنامج الفيزياء الجديد بحساسية لمعدلات الاضمحلال أقل بكثير من مستوى 10-11.

بالنسبة للمستقبل وعلى المدى الطويل، سيبدأ برنامج شعاع كاون عالي الكثافة في التبلور، مع احتمالات لقياس اضمحلال K+ → π+ vv بدقة قليلة، لدراسة الاضمحلال المماثل للكاون المتعادل KL → π0 νν وللوصول إلى حساسيات شديدة لمجموعة كبيرة ومتنوعة من اضمحلالات الكاون النادرة، والتي تكون مكملة للاستقصاءات في قسم الكوارك القعري.

المصادر: 1