Image: Shutterstock / Big Think

هل تقتل مواقع التواصل الاجتماعي التواضع الفكري؟

  • جعلتنا غرف الصدى في مواقع التواصل الاجتماعي شديدي الثقة في معرفتنا وقدراتنا.
  • بيَّن علماء النفس الاجتماعي أن الالتزام العلني بالرأي يجعلك أقل استعدادًا لتغيير رأيك.
  • لنتجنب الوقوع في العجرفة المعرفية والقبلية، يجب أن نستخدم مواقع التواصل الاجتماعي بتواضعٍ فكري شديد.
  • إحدى الطرق التي شوه بها الإنترنت نظرتنا عن أنفسنا هي بتغذية النزعة البشرية إلى المبالغة في تقدير معرفتناعن كيف يعمل العالم.

كتب جوناثن روتش Jonathan Rauch في كتابه المتسائلون المهذبون kindly inquisitors في عام 1991: «يحب كل ليبرالي شخصية سقراط الذي علم الناس الشك والتساؤل، وأهمية التواضع الفكري عن طريق محاولة تذكر الفرق بين الذي تعلمه بالفعل وبين الذي تظن نفسك على علم به».

ولكن أما زال سقراط -الذي مات مؤمنًا بقوله: «لا أعلم شيئًا سوى حقيقة جهلي»- مثلًا لليبرالية في عصر مواقع التواصل الاجتماعي، أم دمر النظام البيئي للإنترنت التواضع الفكري عبر إحلال غرف الصدى (هي بيئة لا يواجه فيها الشخص سوى معتقدات وآراء تتطابق مع معتقداته الخاصة ولا يأخذ الآراء الأخرى بعين الاعتبار) والالتزامات العامة، عوضًا عن السعي الصادق إلى الحقيقة والاكتشاف؟

الغرور في غرف الصدى

غرف الصدى هي مرايا لامتناهية

كتب أستاذ الفلسفة ومؤلف كتاب «إنترنت الولايات المتحدة: معرفة الكثير وفهم القليل في عصر البيانات الكبيرة The internet of Us:knowing more and understanding Less in the age of big data» مايكل باتريك لينتش Michael Patrick Lynch في صحيفة (تأريخ التعليم الأعلى) The Chronicle of Higher Education: «إحدى الطرق التي شوَّه بها الإنترنت نظرتنا عن أنفسنا هي بتغذية النزعة البشرية إلى المبالغة في تقدير معرفتنا عن كيف يعمل العالم. لقد أصبح إنترنت الولايات المتحدة وسيلة تدعيم كبيرة، إذ يقدم لنا جميع المعلومات التي نتحيَّز لتصديقها ويشجعنا على اعتبار الآخرين في الفقاعات الأخرى أوغاد يبثون معلومات مضللة! نحن نعلم كل شيء، هذا ما يخبرنا به الإنترنت».

بعبارةٍ أخرى، يُحفز الإنترنت لدينا العجرفة المعرفية، وهي الاعتقاد أن الواحد منا يعرف أكثر مما يعرف بالفعل. فتقودنا أخبار مواقع التواصل المبرمجة من الإنترنت والخوارزميات الموجودة كقطيع إلى غرفِ صدىً تُشيد بأفكارنا ووجهات نظرنا وتسخر من الرأي الآخر المخالف! وهكذا ونحن محصنون من تصادم الأفكار وفرحون بجمهورنا المختار، نخسر تدريجيًا قدرتنا على التقييم الدقيق للذات ونبدأ بتصديق أننا أكثر معرفة بكثير مما نحن عليه فعلًا.

هل بإمكاننا تغيير اقتصاد وسائل التواصل الاجتماعي بحيث يكافئ الخطاب حسن النية، والاكتشاف، والتبادل الحر للأفكار عوضًا عن العجرفة المعرفية والقبلية؟

عواقب الالتزام العام

إن آلية تعزيز الحشود متشابهة الفكر ليست المجرم الوحيد في قتل التواضع الفكري، إذ يشاركها في ذلك بصمتنا الرقمية: سجل آرائنا القديمة الدائم.

غرَّد جوناثن هيدت Jonathan Haidt الأستاذ في كلية ستيرن لإدارة الأعمال في جامعة نيويورك في كانون الثاني/يونيو من عام 2020 عبر تويتر: «إليكم طريقة أخرى قد يضر بها تويتر النقاش الديمقراطي» مُرفقًا بتغريدته صفحتين من كتاب التسويق «التأثير influence» للمؤلف روبرت تشالديني Robert Cialdini شاركهما من مستخدم آخر وأضاف: «إن الالتزام العلني بالإجابة يجعل الناس أقل تقبلًا لأي معلومة تشير إلى إنهم مخطئون».

لخص تشالديني في هاتين الصفحتين من كتاب التأثير تجربة أجراها علماء النفس الاجتماعي مورتون ديوتش Morton Deutsch وهارولد جيرارد Harold Gerard، كان في هذه التجربة ثلاث مجاميع من الطلاب عرض عليهم عدد من الخطوط، وطلب من أعضاء المجموعة الأولى كتابة تخمينهم عن طول الخطوط وتسليمها إلى المسؤول عن التجربة، أما المجموعة الثانية فطلب من أفرادها كتابة تخمينهم على لوح ومسحه قبل أن يراه غيرهم، ولم يُطلب من أعضاء المجموعة الثالثة غير التخمين دون الإعلان عنه أو كتابته.

وبعد أن عُرِض على الطلاب براهين جديدة تبين أن تقديراتهم الأصلية كانت غير دقيقة، كانت النتيجة كما كتب تشالديني: إن الطلاب الذين لم يكتبوا تخمينهم الأول كانوا أقل وفاءً لهذه التخمينات، لكن الطلاب الذين سجلوا تقديرهم للعلن رفضوا تغيير رأيهم لاحقًا؛ لقد ساقهم الالتزام العلني إلى أن يكونوا أكثر عنادًا من الكل.

وبفضل وسائل التواصل الاجتماعي فقد ألزمنا أنفسنا بآرائنا علنًا، إذ تبقى تعليقاتنا المنشورة ثابتة رغم الزمن إضافة إلى أفكارنا عن السياسة والأخبار والعلاقات والدين وغيرها.

يقلق مستخدموا وسائل التواصل الاجتماعي الحذقون من تأثير بصمتهم الرقمية في عملهم وتطلعاتهم المستقبلية، لكن القليل هم من يقلقون من تأثير بصمتهم الرقمية في عقولهم وآرائهم. لإن إلزامنا أنفسنا بأفكارنا الحاضرة علنًا قد يُقسّي ذواتنا إزاء المعلومات المستقبلية التي يمكن أن تغيّر أفكارنا. وبذلك نقيّد مقدار التواضع الفكري لدينا.

مكافأة الجدل

كل ما نحتاجه هو الإعجابات

حتى إن كان بعض الناس منفتحين لتغيير أفكارهم، فمن غير المحتمل أن يصادفوا نوع المحتوى الذي سيحفز الاكتشاف والنمو في وسائل التواصل الاجتماعي.

إن اقتصاد مواقع التواصل الاجتماعي هو ما يحدد الفائزين والخاسرين عبر عملة المشاركات والإعجابات وإعادة التغريد والنسب. إنه يكافئ المحتوى المتكدس من الصور المضحكة والإذلال، والتفاعلات القصيرة الوحشية التي يَسحَق فيها الفائزُ الخاسر.

وفي سياق متصل قال ديفيد بروكمان David Broockman الأستاذ في العلوم السياسية من جامعة كاليفورنيا في بيركلي، محدثًا فوكس في مقال بعنوان «كيف تقنع شخصًا بعدم التعصب»: «من الواضح أن موقع تويتر مليء بفكرة أن ما يجب علينا فعله هو إدانة أولئك الذين يخالفوننا الرأي».

ويختبر بروكمان وزملاؤه استخدام تقنية «استقطاب أصوات الناخبين العميق deep canvassing» أو النقاش العميق، وهي تقنية مخاطبة الناخبين مباشرة وبصبر لعشر دقائق، والاستماع إليهم دون الحكم عليهم، بعكس تفاعلات وسائل التواصل الاجتماعي المختصرة وسريعة الحكم غالبًا، وقد أظهرت تقنية النقاش العميق أنها فعّالة في تغيير آراء الناس.

هذا وكتب مراسل فوكس برايَن ريزنِك Brian Resnick: «أظهرت الأبحاث الأخيرة أنك إذا أردت تغيير أفكار بعض الأشخاص. فإنك بحاجة لأن تكون صبورًا معهم، وتطلب منهم الحديث عن حياتهم وتصغي اليهم».

بعبارةٍ أخرى فإن نوعية المحادثات التي تملك فرصة فعليَّة في تغيير أفكار الناس -كسر العجرفة المعرفية لديهم وإجبارهم على مواجهة حدود معرفتهم- هي بالتحديد الحوارات المطوَّلة غير الانتقادية التي لا تُكافأ في اقتصاد وسائل التواصل الاجتماعي الحالي.

وهكذا فإن التساؤل المهم هو: هل بإمكاننا تطبيق الدروس التي تعلمناها من النقاش العميق في وسائل التواصل الاجتماعي؟ وهل يمكننا أن نبدأ بتغيير الاقتصاد في وسائل التواصل الاجتماعي حتى يُكافِئ خطاب حسن النية، والاكتشاف، والتبادل الحر للأفكار عوضًا عن التعجرف المعرفي والقبلية؟

استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بتواضع

قالت إميلي تشاملي رايت Emily Chamlee-Wright، رئيس معهد الدراسات البشرية والأستاذة في علم الاقتصاد وعميد كلية واشنطن سابقًا في مقابلة مع Big Think: «فكر في آخر حديث أجريته وقلت: [يا للعجب! كانت هذه محادثة عظيمة]. هناك احتمال كبير أن هذا كان في نوع من المحادثات التي تجعلك تشعر أنك أذكى، إنه نوع المحادثات الذي تشعر فيه أنك اكتشفت شيئًا جديدًا يجعلك فضوليًا جدًا بخصوص شيء آخر».

يجدر الذكر أن تشاملي رايت كتبت بتوسع عن الخطابات الأخلاقية، وشرحت لماذا يعتبر التواضع الفكري مبدأ التصميم الأساسي الأول للمحادثة الجيدة، فقالت: «إن العالم مكان معقدٌ بشكلٍ لا يصدق. ولا أحد منا يستطيع الإحكام على الحقيقة أبدًا. نحن يمكننا أن نرى العالم من منظور خاص فقط، ما يعني أن معرفتنا ستكون بصيرة مميزة بفضل منظورنا الخاص، لكن هذا أيضًا يعني أنها ستكون محدودة بسبب منظورنا الخاص ذاته. وهكذا فإن معرفتنا المحدودة التي نستطيع تحصيلها عن العالم تعني أن علينا الدخول في أي حوار بشعور شديد بالتواضع، لأنني أحتاج منك أن تساعدني لأملأ ثغراتي المعرفية، صحيح؟ وأنت كذلك تحتاج إلي».

وختاما أطلب منك عزيزي القارئ التفكير في التالي: تَهبُ وسائل التواصل الاجتماعي محادثات تعليمية رائعة -مثل النقاش العميق deep canvassing- بين الغرباء من كافة أنحاء العالم. وإذا تعامل مستخدموا مواقع التواصل الاجتماعي مع التواصل عبر الإنترنت من منطلق التواضع الفكري الشديد، مدركين أن كل مستخدم آخر يمثل فرصة للنمو وملئ الثغرات المعرفية فلربما تصبح شبكاتنا الاجتماعية محركًا غير مسبوق للتقدم البشري، عوضًا عن الانحدار إلى القبلية الفكرية الذي يحدث حاليًا.

المصادر: 1