حل لغز بناء الأهرامات المصرية القديمة

لطالما أبهرتني الأهرامات وأفزعتني في الوقت ذاته، أرى الكثيرين وهم لا زالوا منبهرين بأسرار بناء الأهرامات في مصر التي اكتشفها علماء الآثار قبل عدة سنين، كُشفت أسرار كثيرة مثل متى وأين وكيف بُنيت؟ لكن لماذا بُنيت يبقى هذا هو اللغز الحقيقي.

كم عدد العمال الذين اشتركوا في بناء الهرم الأكبر؟

ناقش علماء آثار ومهندسون وهواة متحمسون «عدد» العمال الدقيق الذين ساهموا في بناء الأهرامات، التي بُنيت لكل من الفراعنة الثلاثة: خوفو وخفرع ومنقرع، وكان أكثر علماء الآثار المصرية على مدى العقدين الأخيرين يعتقدون أن عدد العمال يتراوح بين 20,000 إلى 30,000 بالنظر إلى حجم القبور والمقابر، فيما يعتقد زاهي حواس، عالم الآثار المصرية المشهور، أن قرابة 36,000 عامل من المصريين القدماء بنوا الأهرامات.

أجرى المؤرخ الإغريقي هيرودوتس أولى المحاولات في تخمين هذا العدد المحير حيث قدر وجود «100,000 رجل عملوا على ثلاث نوبات» في بناء الهياكل. مشكلة هذا التخمين هي عدم التأكد في ما إذا كانت كل نوبة تتألف من 100,000 أو 33,000 رجل عملوا في ثلاث نوبات. افترض مارك لينر عالم الآثار وعضو مشروع تخطيط هضبة الجيزة التابع لمعهد الدراسات الشرقية لجامعة شيكاغو ومتحف جامعة هارفرد، عددًا مختلفًا.

حسب فريق لينر كم رجلًا يلزم لنقل «340 حجرًا كل يوم» وحدد نحو 1,200 رجل في المقالع و2,000 أخرين ينقلون الحجر، بينما يقوم الباقون ببناء وتقطيع الحجر، واستنتج أن عملية بناء هرم خلال مدة 20 إلى 40 عام تتطلب «في الواقع 5,000 رجل موزعين ما بين استخراج ونقل الحجارة من المقالع المحلية والبناء».

خمن مؤخرًا، ريتشارد ريدينغ عالم الآثار وكبير مسؤولي الأبحاث في شركة أبحاث مصر القديمة، عدد القوى العاملة في الجيزة بحدود 10,000 عامل «لجميع الأهرامات الثلاث». في دراسة نشرت في موقع Live Science عام 2013، وجد ريدينغ أنه «نُحر ما يكفي من الماشية والأغنام والماعز كل يوم لإنتاج 4,000 رطل من اللحوم كمتوسط لإطعام عمال الهرم»، واستخدم ريدينغ بقايا عظام الحيوانات التي عُثر عليها في الجيزة لحساب «معدل القيمة الغذائية التي يحتاجها أي شخص يقوم بأشغال شاقة للوصول إلى هذا الرقم 10,000».

كيف بُنيت الأهرامات؟

مع أن الكثير من المؤرخين القدماء والمزيفين سيقولون: «إذا أخبرك أحدٌ ما أنه يعرف كيف بُنيت الأهرامات فهو يكذب»، وهذا ليس سوى جهل أو كذبة في حد ذاتها، إنها لحقيقة أن عدة آلاف من علماء آثار ومهندسين وعلماء الأنثروبولوجيا يعلمون تمامًا كيف تشكلت هياكل الهرم.

ملاحظة مهمة، عندما تقرأ لكاتب أو تستمع لمُحاضر وهو يقول أن معرفة كيف شُكلت ونُقلت هذه الأحجار الهائلة المستخدمة في بناء الأهرامات لا تزال غامضة، فكأنهم يقولون: «لقد كتبت كتابًا مجحفًا في التسعينيات والآن لا أستطيع الاعتراف بأن الآثاريين يعرفون كيف حدث ذلك». لذلك فإنهم يستمرون في تعقيد الأمور بطريقة صبيانية لذا يتوجب تنبيه أي شخص يصغي لمثل هؤلاء الكُتّاب، في الحقيقة يسند القراء مثل هذا النوع من الكُتّاب.

تتكون نحو 90% من كتل الأهرامات من الحجر الجيري الرخو المستخرج من «الجهة المقابلة للنهر». غالبًا ما يُقال «لم تُستخدم المعادن» في بناء الأهرام، على عكس ذلك ووفقًا لجيمس هاريل وبري ستورمر من جامعة توليدو، اكتشف علماء آثار من أوهايو الكثير من الأوتاد النحاسية التي كانت تُستخدم مع «عتلات خشبية لتكسير الحجر الجيري الرخو ميكانيكيًا».

عكس ما اُشيع من خرافات سابقًا مثل: الفضائيون هم مَن شيدوا الأهرامات وقُيل أيضًا أن الفراعنة ألغوا الجاذبية واستخدموا السحر، يفسر ورق البردي الذي وجد بالتحديد بالقرب من البحر الأحمر كيف أن نقل الأحجار الهائلة عبر الماء كان أسهل. توجز برديات وادي الجرف (ورق بردي وجد في وادي الجرف) أن الأحجار الجيرية «المستخدمة في التغليف جُلبت من مقلع يقع في طرة قرب القاهرة في الوقت الحاضر»، وكانت تشحن إلى الجيزة عبر نهر النيل باستخدام القوارب لأكثر من أربعة أيام ومن ثم إلى شبكة قنوات مشتقة من النهر إلى موقع البناء. وجُلبت أكثر الأحجار التي أُسُتخدمت في بناء هرم خوفو من «مقالع حجارة على شكل حدوة الحصان تقع جنوب الهرم» كما قال مارك لينر الذي نشر اكتشافهُ في مجلة معهد الآثار الألماني عام 1985.

بالحديث عما كان يحدث للأحجار الكلسية في موقع البناء، وجد فريقٌ من علماء الفيزياء من جامعة أمستردام في دراسة نُشرت في دورية Physical Review Letters عام 2004، أن: «المصريين دفعوا وسحبوا زلاجات خشبية كبيرة وكانوا يصبون المياه على مقدمة الزلاجة لتقليل عملية الاحتكاك وتسهيل عملية الحركة»، كانت هذه الطريقة أساسية في عمليات البناء وإنها مصورة في الكثير من الأعمال الفنية الأثرية المصرية.

لكن بحق السماء كيف يمكن لحضارة زراعية «فجأةً» بناء أهرامات عملاقة؟

مع التدريب يأتي الإتقان

مرة أخرى، لم يذكر المؤرخون الزائفون عشرات المشاريع الهرمية «الفاشلة» المنتشرة في الصحراء المصرية، التي بدورها ساعدت الآثاريين على فهم تاريخ البناء المصري. واكتشف الآثاريون تقنيات مستخدمة في بناء أهرامات الجيزة من خلال دراسة هرم متهالك في حالة سلسلة من الانهيارات، وطُورت هذه التقنيات عبر القرون، مواجهةً جميع التحديات والمصاعب التي قد يواجهها أي مصمم أو مهندس أو بناء في الوقت الحاضر.

وصف مقالٌ لــLive Science كيف اكتشف السير فلندرز بيتري أن الأهرامات متكونة من قبور بسيطة مستطيلة الشكل تدعى «مصاطب» كانت تُبنى في مصر قبل أكثر من 5,000 عام. ولاحظ بيتري تطورًا كبيرًا في مهارات البناء خلال «عهد الفرعون زوسر الذي بدء حكمهُ حوالي 2630 سنة قبل الميلاد». وفقًا لبيتري فإن هرم زوسر طُور ليصبح «هرمًا ذا ستة مصاطب بُنيت فوق بعضها البعض مع حجرات وأنفاق تحت الأرض».

أتى التطور من تصميم «الأهرام ذات المصاطب» في عهد الفرعون سنفرو (بدأ حكمه حوالي 2575 قبل الميلاد)، حيث طور المهندسون تصميم الأهرام للشكل الذي هو عليه الآن. بالممارسة والتعلم من الأخطاء بنى مهندسو سنفرو ما يُعرف اليوم «بالهرم المنحني» نسبةً إلى تغير مسار زاويته بالخطأ صعودًا من منتصف الهرم، ثم صُحح هذا الخطأ في التصميم في «الهرم الأحمر» الواقع في بلدة دهشور الذي صمم بزاوية ثابتة من القاعدة إلى القمة مما يجعله أول «هرم حقيقي». خلاصة القول أن خوفو ابن الملك سنفرو تعلم من أخطاء والده المعمارية وطبق كل ما تعلمه من خبرات في «الهرم الأكبر» في الجيزة، أكبر هرم حجري في العالم.

لاحظ غلين داش عالم الآثار المختص بفن العمارة المصرية، في تقرير نُشر مؤخرًا في صحيفة جمعية أبحاث مصر القديمة، أن هرم خوفو مرصوف باتجاه «الشمال الحقيقي بين 1-10 درجات»، وبصريح العبارة، فإن كيفية تمكن المصريين القدماء من تحقيق ذلك لا تزال غير واضحة تمامًا. وكتب داش: «استخدم البُناة النجوم القطبية مثل نجم الشمال Polaris وخطوط من الحبال» لتحقيق هذه الدقة. إذا قمت بتجربة ذلك في الفناء الخلفي لمنزلك باستخدام حبل ووضعت 10 خطوط محاذية للقطب السماوي الشمالي وثم اوسطت بينهم ستحصل على دقة مقاربة.

المصادر: