Image: © Shutterstock

ما هو مشروع مانهاتن وما علاقة تطوير السلاح النووي بأينشتاين؟

كان مشروع مانهاتن، الذي نُفذ خلال الحرب العالمية الثانية، عبارة عن محاولات وجهود تديرها الحكومة الأمريكية بغرض البحث في إمكانية صنع ثم استخدام القنبلة الذرية. نتج عن المشروع الذي استدعى استقدام وتنقل العديد من العلماء حول العالم وعُمل عليه في قارات مختلفة، صنع القنبلتين الذريتين اللتين ألقيتا على هيروشيما وناجازاكي.

كيف بدأ المشروع

تلقى الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت Franklin Delano Roosevelt في عام 1939 خطابًا من عالم الفيزياء ألبرت أينشتاين يحتوي على رسالة عاجلة مفادها أن علماء الفيزياء قد اكتشفوا مؤخرًا أن عنصر اليورانيوم يمكنه توليد كميات ضخمة من الطاقة ربما تكفي لصنع قنبلة. واشتبه أينشتاين أن هتلر قد يكون بدأ فعلًا بالعمل على تخزين العنصر.

كانت الحرب العالمية الثانية حينها بالكاد قد بدأت ومازال هناك ثلاث سنوات قبل أن تتدخل الولايات المتحدة في الحرب، لكن خطاب أينشتاين حفّز الولايات المتحدة على التصرف والتدخل. فبدأت حكومة الولايات المتحدة بتجنيد صفوة الفيزيائيين بمشروع سري.

قال أليكس ويليرشتاين Alex Wellerstein المؤرخ العلمي في معهد ستيفنز للتقنية Stevens Institute of Technology في ولاية نيوجيرسي، إن هدفهم في البداية كان اكتشاف ما إذا كان تطوير قنبلة ذرية (سلاح يسخر الطاقة المنبعثة من انقسام الذرة إلى قسمين) ممكن حقًا أم لا. وبحلول عام 1942 كان الهدف هو صنع قنبلة ذرية قبل أن تتمكن ألمانيا من ذلك. ومع دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية كان المشروع قد جند عشرات الآلاف من العلماء والمدنيين، وبعد وقت قصير أعطي المشروع الاسم الحركي (الرمزي) «مشروع مانهاتن».

قادة المشروع

بدأ البحث في موضوع الأسلحة النووية قبل تدخل الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية. وقال ويليرشتاين إن مشروع مانهاتن كان مختلفًا عن المشاريع البحثية التي سبقته. حيث كانت البحوث قبل المشروع نظرية فقط؛

إنما الهدف من مشروع مانهاتن هو صنع قنبلة يمكن استخدامها في الحرب. أضاف ويليرشتاين إن المشروع لم يبدأ فعليًا حتى خريف عام 1941 عندما أقنع المهندس فانيفار بوش Vannevar Bush الذي تزعّم البحث النووي كرئيس للجنة اليورانيوم المدعومة من حكومة الولايات المتحدة، الرئيس روزفلت بإمكانية صنع القنبلة الذرية وإتمام التصنيع خلال سنة.

Photo by Ralph Morse/The LIFE Picture Collection via Getty Images

وبغضون عام، عُيّن الجنرال ليزلي غروفز Leslie R. Groves وهو من مهندسي جيش الولايات المتحدة كمديرٍ للمشروع، وكان تنصيبه، وفقًا لويليرشتاين، نقطة تحول في المشروع.

فقال عنه ويليرشتاين: «كان يشرف شخصيًا على جعل مشروع مانهاتن الأولوية القصوى خلال الحرب حيث حصل المشروع على كل التمويل اللازم والموارد المطلوبة، لقد عمل على المشروع بلا هوادة». وأضاف أيضًا: «ربما لم يكن المشروع ليكتمل لولا أنه كان مسؤولًا عنه».

انطوى مشروع مانهاتن على مساعدة الآلاف من العلماء في البلاد. وفقًا لويليرشتاين فإن جهود عالمي الفيزياء إنريكو فيرمي Enrico Fermi وليو زيلارد Leo Szilard، من جامعة شيكاغو، كانت كبيرة ومؤثرة في المشروع.

قال ويليرشتاين: «كان فيرمي موهوبًا بشكل استثنائي في الفيزياء النظرية والعملية (التطبيقية) معًا، وهذا أمر استثنائي حتى بمقاييس وقتنا هذا».

عمل هؤلاء العلماء جميعهم تحت إدارة روبرت أوبنهايمر J. Robert Oppenheimer، المدير العلمي لمشروع مانهاتن وقائد مختبر لوس ألاموس الوطني Los Alamos National Laboratory في نيو ميكسيكو.

كانت إحدى الخطوات الأولى في المشروع هي العمل على إنتاج تفاعل تسلسلي–ينتج عن انقسام ذرات متتالٍ حتى تصدر طاقة كافية للتسبب بانفجار. ووفقًا لمؤسسة أتوميك هيريتيج (مؤسسة التراث الذري) Atomic Heritage Foundation، أصبح إنريكو فيرمي وليو زيلارد أول علماء في العالم يحققون هذا الهدف بعد فترة قصيرة من بدء مشروع مانهاتن.

مدن سرية

شرع البحث في مشروع مانهاتن، بغض النظر عن تسميته، في أنحاء الولايات المتحدة وكذلك كندا وإنجلترا والكونغو البلجيكية وبعض مناطق جنوب المحيط الهادئ. لكن أكثر أسئلة ومشكلات البحث أهمية وحساسية حلت في مختبر لوس ألاموس الوطني، أو كما يقول ويليرشتاين: «في وسط المجهول» حيث يقع المختبر في الجبال البعيدة في شمال نيو ميكسيكو، بعد أن أُنشئ في عام 1943.

لم يكن مختبر لوس ألاموس الوحيد المنخرط في مشروع مانهاتن. حيث ساهم فيه بدور كبير أيضًا مختبر التعدين بجامعة شيكاغو Met Lab at the University of Chicago ومختبر الإشعاع بجامعة كاليفورنيا في بيركلي Rad Lab at the University of California. وقال ويليرشتاين إن التساؤلات التي عُني بها المختبران الجامعيان يمكن ببساطة ربطها بتطبيقات أخرى للفيزياء وليس بالضرورة بتطوير القنبلة.

أضاف ويليرشتاين: «إذا كنت في تلك المواقع، فأنت تقوم بصنع البلوتونيوم؛ ولكنك لا تدري لماذا تقوم بصنع البلوتونيوم. أما في لوس ألاموس، فأنت تصنع قنابل ذرية». وكان هذا أمرًا تريد حكومة الولايات المتحدة إبقاءه مخفيًا.

وكان لموقع لوس ألاموس المنعزل دور كبير في الحفاظ على سرية الأمر. بينما بحثت التساؤلات التي أثيرت في لوس ألاموس في موضوعات تتعلق بكيفية تصنيع القنبلة وتصميمها ومكان تجميعها، وهي أمور «فيزيائية عملية للغاية» وفقًا لويليرشتاين.

Image credit: Shutterstock

احتاج العلماء لكميات ضخمة من اليورانيوم أو البلوتونيوم المشع وغير المستقر لتصنيع القنبلة. ووفقًا لوزارة الطاقة الأمريكية، كان الحصول على اليورانيوم أسهل من البلوتونيوم لكن العلماء ظنوا أن البلوتونيوم يمكن أن يسرع عملية تطوير القنبلة. فقرر العلماء أخيرًا تجربة العنصرين وبنوا مفاعلات نووية لكل منهما، فكان مفاعل يورانيوم أوك ريدج Oak Ridge في شرق ولاية تينيسي ومفاعل بلوتونيوم هانفورد Hanford في واشنطن.

تطلب الأمر عشرات الآلاف من الأشخاص لبناء وتشغيل تلك المنشآت؛ من علماء وموظفي حراسة وسكرتارية وإداريين. قال ويليرشتاين إنه مع نهاية الحرب كان أكثر من 500.000 شخص قد وظفوا للعمل على إتمام المشروع. شكل هذا الأمر تحديًا: فكيف تقوم بتعيين عشرات الآلاف لعملية ما بينما تبقيها سرًا في الوقت ذاته؟ الإجابة كانت المدن السرية.

أنشئت مدن حول المفاعلات الجديدة لإسكان العمال وأسرهم، ووفقًا لمؤسسة أتوميك هيريتيج، مع نهاية الحرب كان تعداد سكان أوك ريدج 75.000 نسمة بينما بلغ تعداد سكان هانفورد 50.000 نسمة. ووفقًا لمانهاتن بروجكت فويسز Voices of the Manhattan Project، وهو مشروع تأريخي شفهي يديره مجتمع لوس ألاموس التاريخي، لم تظهر تلك المدن على الخرائط ومعظم العاملين فيها لم تكن لديهم فكرة عما كانوا يعملون عليه. قال ويليرشتاين أيضًا إن العمال تلقوا المعلومات وفقًا لإحدى السياسات التي تسمى التجزئة على أسس «الحاجة إلى المعرفة» وأضاف: «لقد كان الأمر صعبًا للغاية، لم يكن من السهل الحفاظ على السر في مناخ تسوده التسريبات والإشاعات والجواسيس».

وقال ويليرشتاين إن وجود قنبلة ذرية، على الرغم من صعوبة إبقاء المشروع سريًا، جاء كمفاجئة للجميع حول العالم بما في ذلك من عملوا عليه.

استخدام القنبلة

جهزت القنبلة الذرية الأولى المسماة بـ ذا جادجيت Gadget بحلول 16 تموز/يوليو 1945. وأجرى الباحثون اختبار ترينيتي Trinity – أول انفجار ذري – في صحراء جورنادا ديل مويرتو Jornada Del Muerto Desert المنعزلة التي تبعد نحو 150 ميلًا عن لوس ألاموس.

تغيرت أهداف مشروع مانهاتن بطريقة جذرية في الأعوام التي تلت بدايته، قال ويليرشتاين إن الهدف من المشروع لم يعد التسابق مع ألمانيا لبناء قنبلة، فقد أصبح جليًا منذ فترة طويلة أن ألمانيا لم يكن لديها فكرة أنها في سباق. واتجهت أنظار حكومة الولايات المتحدة نحو اليابان بدلًا من ذلك.

فجُمِعَت قنبلتان نوويتان بمجرد انتهاء اختبار ترينيتي، إحداهما من اليورانيوم وسميت ليتل بوي «الفتى الصغير» “Little Boy” والأخرى من البلوتونيوم سميت فات مان «الرجل البدين» “Fat Man”، في جزيرة تينيان Tinian بالمحيط الهادئ، وبدأت قاذفات القنابل بإجراء رحلات جوية تجريبية إلى اليابان.

وأُلقيت قنبلتان نوويتان على اليابان بعد أسابيع من تفجير ذا جادجيت. حيث ألقيت قنبلة ليتل بوي على هيروشيما في 6 آب/أغسطس 1945، بينما ألقيت قنبلة فات مان بعد ثلاثة أيام فقط على ناجازاكي في 9 آب/أغسطس. وفقًا لوزارة الطاقة الأمريكية، فقد مات نحو 110.000 شخص في الانفجارات الأولية. واستسلمت اليابان لقوات الحلفاء بعد أقل من أسبوع، معلنةً بذلك نهاية الحرب العالمية الثانية.

Image credit: Everett Historical/Shutterstock

آثار ونهاية مشروع مانهاتن

هل كان مشروع مانهاتن ناجحًا؟ ذلك يعتمد على من تسأل.

قال ويليرشتاين إن بعض العلماء انتقدوا الاتجاه الذي اتخذه مشروع مانهاتن. أعجب هؤلاء العلماء بفكرة التسابق مع ألمانيا في بناء القنبلة، ولكن أنبتهم ضمائرهم لاحقًا على فكرة استخدامها فعليًا. كان زيلارد أحد هؤلاء المنشقين المعارضين للفكرة. والتمس من ترومان قبل هيروشيما وناجازاكي ألا يلقي القنبلة على مدينة. ثم اعتزل دراسة الفيزياء وتوجه نحو البيولوجيا (علم الأحياء) بعد انتهاء مشروع مانهاتن.

وأضاف ويليرشتاين إن بعض العلماء الذين عملوا على القنبلة آمنوا حقًا أن وجود تهديد الدمار الشامل سيجلب نهاية كل الحروب، وأضاف أنه وفقًا لهذا المقياس فقد كان المشروع فاشلًا. حيث أدى تطوير القنبلة الذرية إلى سباق التسليح النووي والحرب الباردة.

هذا بينما حقق مشروع مانهاتن مع ذلك هدفًا واحدًا: حيث ساعد على إنهاء الحرب العالمية الثانية.

المصادر: 1