Rod Long/Unsplash

تحليل 200 عام من النشاط البشري في القارة القطبية الجنوبية يكشف عن حقائق مقلقة

عُرفت القارة القطبية الجنوبية بقِفارها العذراء النائية كواحدةٍ من آخر البقاع البكر الممتدة علی سطحِ هذا الكوكب.

ولكن بعد اكتشافها بقرنين، أظهرَ بحثٌ جديد أن الإنسان لم يترك سوى أجزاءٍ قليلةٍ جدًا من هذه القارة بدونِ تدخل. وفي حين أنه لا يزال من المُمكن اعتبار 99.6% من مناطق القارة القطبية الجنوبية براري غير متطورة، لكن هذهِ البراري أصبحت مجزّأة ولا تحتوي على غالبية التنوع الحيوي الموجود في بقية القارة. حيث أن التنوع الحيوي يميل إلى التكتل في الأماكن التي نضع فيها محطات البحث العلمي أو الأماكن التي يرتادها السُياح.

يقول برنارد كويتزي Bernard Coetzee، أحد علماء الحفاظ على التنوع البيئي من جامعة ويتز Wits في جنوب إفريقيا: «اكتشفنا أنه حتی في الأماكن التي غالبًا ما يُعتقد بأنها نائية، فإن النشاط البشري فيها كان واسع النطاق، ونخص بالذكر المناطق الخالية من الجليد والمناطق الساحلية حيث يتركز معظم التنوع الحيوي. مما يعني أن مناطق البراري لا تحتوي علی العديد من مواقع التنوع الحيوي الهامة في القارة، لكنها في الوقتِ نفسه تمثل فرصةً للحفاظ على الباقي من التنوع الحيوي».

كشف الباحثون باستخدام كل التقارير المتاحة حول النشاط البشري في القارة القطبية الجنوبية خلال ال 200 سنة الماضية (بيانات 2.7 مليون سِجل)، بأن المناطق العذراء السليمة من أي تدخلٍ بشري تُغطي الآن أقل من ثلثِ القارة فقط. ولسوءِ الحظ، فإن هذه المساكن البيئية الطبيعية في تناقص.

بالرغم من غياب وجود المدن والزراعة والصناعة في هذه القارة، فإن زيادة حدّة النشاط البشري المُتمثل بالدراسات العلمية المُقامة هناك والسياحة، تركت التنوع الحيوي في القطب الجنوبي في حالةٍ من الضعف.

تحتاج هذه البراري المتضائلة الحجم حاجةً ماسة للحماية، ولكن لم تُجری الكثير من الأبحاث عن امتدادها وتأثير النشاط البشري فيها، الأمر الذي أدی إلی شحّ المعلومات وعدم وجود أي دليلٍ ارشادي يُمكن أن يستخدمه العلماء المحافظون علی التنوع الحيوي كقاعدةٍ لعملهم.

علی سبيل المثال، هناك دراسة جديدة وجدت أن 16% من مناطق القطب الجنوبي التي تعيش فيها الطيور، تقع ضمن المناطق المتأثرة بشكلٍ ضئيلٍ بالنشاط البشري، ولكن القليل فقط من مناطق الطيور هذه تتبع الأجزاء المحمية في القارة.

صرّحت عالمة الأحياء راشيل ليهي Rachel Leihy من جامعة موناش Monash في استراليا: «إن الوضع لا يبدو واعدًا بشكلٍ مبدأي، لكن النتائج أظهرت أننا نملك الكثير من الفرص المتاحة لاتخاذ إجراءاتٍ سريعة يُمكن من خلالها إعلان مناطق محمية جديدة للحفاظ علی البراري والتنوع الحيوي».

Leihy et al., Nature, 2020

ومع ذلك، قد يكون من الصعب الحصول علی موافقة الجميع على هذهِ المسألة، حيث تتطلب معاهدة القطب الجنوبي من كلٍّ الأطراف ال 29 المسؤولة عن صناعة القرار التوصل إلی اتفاق حول الأنشطة البشرية التي يجب أن تُقلص وتحديد الأماكن التي تُقلص فيها. وعندما يكون هناك الكثير من الاهتمام الدولي في أحد المواضيع، فإن توافر البيانات المُقنِعة يُعتبر أمرًا حاسمًا. قام فريق البحث الجديد برسمِ خريطةٍ واسعة النطاق للنشاط البشري الذي يؤثّر علی التنوع الحيوي في القارة القطبية الجنوبية وذلك للمساعدة في حلِ أي خلافٍ قد ينشأ في هذا الميدان.

بصرف النظر عن بعض الأجزاء النائية جدًا في وسط القارة، فقد تجوّل البشر في كل أنحاء القارة تقريبًا، وحتی لو كانت هذه الزيارات عابرة فإنهُ من الممكن أن يكون لها عواقب جوهرية وتراكمية.

تجاهلت التعريفات السابقة التي تشرح ماذا نعني بالبرية هذه الزيارات العابرة وافترضت أن تأثيراتها علی المجتمعات النباتية والحيوانية هناك ضئيلة بل معدومة. بالإضافة لذلك، تُظهر عدة دراسات أخری بوضوح أن التغير المناخي والتلوث ذو المنشأ البشري قد وصلا إلی الجنوب الجليدي أيضًا.

يشرح محررو الدراسة الجديدة ذلك عندما يقولون: «يتعاظم تأثير هذه الزيارات البشرية بسبب زيادة حساسية المشاهد الطبيعية في القارة القطبية الجنوبية للنشاطات المتكررة، وانخفاض معدلات التعافي من الاضطرابات البيئية بسبب بطء دورة حياة الكائنات الحية البرية الأرضية هناك».

وتابعو القول: «وبالتالي فإن تجاهل النشاط البشري العابر كما تفعل التعريفات البرية السابقة، يوفر تقديرًا مبالغًا فيه لمساحة البراري القطبية الجنوبية».

وأملنا الآن هو في أن تُقنع قاعدة البيانات الشاملة أطراف معاهدة القطب الجنوبي، لكي يقومو بتوسيع مساحة المناطق المحمية وحماية البراري البكر قبل أن تختفي للأبد.

المصادر: 1