Martin Koitmäe/Wikimedia/CC BY 4.0)

الانبعاثات الكربونية المُسببة للاحتباس الحراري تُبَرِد الغلاف الجوي فوق القارة القطبية الجنوبية

في الوقت الذي تقوم فيهِ غازات الاحتباس الحراري بتسخين سطح الأرض، فإنها تتسبب بحدوثِ تبريدٍ سريعٍ للارتفاعات العالية فوقنا، أي بالقرب من الفضاء.

في الواقع، تَبْرُد الطبقة العلوية من الغلاف الجوي، على بعد نحو 90 كم (56 ميلًا) فوق القارة القطبية الجنوبية، بمعدل 10 مرات أسرع من متوسط ​​تسخين سطح الكوكب.

قاس بحثنا الجديد معدل التبريد هذا بدقة، ووصلَ إلى اكتشافٍ مهم، أنهُ خلال كل أربع سنوات تتغير دورة درجة الحرارة في الغلاف الجوي القطبي. وقد نُشرت النتائج في ورقتين علميتين هذا الشهر، بناءًا على 24 عامًا من القياسات المستمرة من قبل علماء أستراليين في القارة القطبية الجنوبية.

تُظهر النتائج أن الغلاف الجوي العلوي للأرض، في الطبقة التي تُسمى «ميزوسفير»، حساسٌ للغاية لارتفاع تراكيز غازات الاحتباس الحراري. وهذا يوفر فرصة جديدة لرصد مدى نجاح التدخلات الحكومية للحد من الانبعاثات.

يُراقب مشروعنا أيضًا الظاهرة الطبيعية المذهلة المعروفة باسم الغيوم البراقة noctilucent clouds (night shining clouds).

على الرغم من جمالِ هذه الغيوم، فإن تواجدها بشكلٍ متكرر يُعتبر علامة سيئة لحدوث التغير المناخي.

دراسة توهج الهواء

منذ التسعينيات، أجرى العلماء في محطة أبحاث ديفيس الأسترالية أكثر من 600000 قياس لدرجات الحرارة في الطبقة العلوية للغلاف الجوي، فوق القارة القطبية الجنوبية. لقد قُمنا بذلك باستخدام أدوات بصرية حساسة تُسمى مقاييس الطيف.

تُحلل هذه الأدوات توهج الأشعة تحت الحمراء، الذي يَشُع من جزيئات الهيدروكسيل الموجودة في طبقة رقيقة على بعد نحو 87 كم (54 ميلًا) فوق سطح الأرض. يسمح لنا هذا «التوهج الهوائي» بقياس درجة الحرارة في هذا الجزء من الغلاف الجوي.

تُظهر نتائجنا أنه في الغلاف الجوي المرتفع فوق القارة القطبية الجنوبية، ليس لثاني أكسيد الكربون وغازات الاحتباس الحراري الأخرى تأثير التسخين الذي يُحدثه في الغلاف الجوي السفلي (من خلال الاصطدام بجزيئات أخرى). بدلًا من ذلك، تشع أي طاقة زائدة إلى الفضاء، مما يتسبب في حدوثِ عملية التبريد.

يُحدد بحثنا الجديد معدل التبريد هذا بدقة. على مدار 24 عامًا، تم تبريد درجة حرارة الغلاف الجوي العلوي بنحو 3 درجات مئوية، أو 1.2 درجة مئوية لكل عقدٍ من الزمن. وهذا يزيد بنحو عشر مرات عن متوسط ​​التسخين في الغلاف الجوي السفلي، حوالي 1.3 درجة مئوية خلال القرن الماضي.

فك الإشارات الطبيعية

تساهم انبعاثات غازات الاحتباس الحراري المتزايدة في تغيرات درجات الحرارة التي سجلناها، ولكن هناك دور أيضًا لعدد من التأثيرات الأخرى، مثل الدورة الموسمية (أكثر دفئًا في الشتاء، أكثر برودةً في الصيف) ودورة نشاط الشمس لمدة 11 عامًا (والتي تنطوي على فترات شمسية أكثر هدوءًا وشدة) في الغلاف الجوي الأوسط.

كان أحد التحديات التي واجهها البحث هو فك تشابك جميع هذه التأثيرات المُدمجة من أجل تحديد الى أي مدى تُساهم كل من هذه العوامل في التغيرات التي لاحظناها.

والمفاجأة أنه خلال هذه العملية اكتشفنا دورة طبيعية جديدة لم يتم تحديدها مسبقًا في الغلاف الجوي العلوي القطبي. شهدت هذه الدورة التي دامت أربع سنوات والتي أطلقنا عليها التذبذب شبه الرباعي (QQO)، درجات حرارة تتغير بين 3-4 درجات مئوية في الغلاف الجوي العلوي.

كان اكتشاف هذه الدورة بمثابة العثور على منجمِ ذهب، لكن هناك حاجة إلى مزيدٍ من العمل لتحديد أصلها وأهميتها الكاملة.

هذه النتائج لها آثار كبيرة على التشكيل المناخي. صحيح أنهُ من غير المُحتمل أن يتم تضمين الفيزياء التي تُسبب هذه الدورة في الأنماط العالمية المُستخدمة حاليًا للتنبؤ بتغير المناخ، لكن لا يُمكن تجاهل هذا التغير الكبير بمقدار 3-4 درجات مئوية كل أربع سنوات.

لا نعرف حتى الآن ما الذي يُسبب هذا التذبذب بدرجات الحرارة، ولكن مهما كانت الإجابة، فيبدو أنه يؤثر أيضًا على الرياح ودرجات حرارة سطح البحر والضغط الجوي وتركيزات الجليد البحري حول القارة القطبية الجنوبية.

الغيوم البراقة

يراقب بحثنا أيضًا كيفية تأثير درجات التبريد على حدوث ظاهرة السحب البراقة.

الغيوم البراقة تُعتب شديدة الندرة، حيثُ سجلنا نحو عشر مشاهدات فقط منذ عام 1998 من المحطات الأسترالية في القارة القطبية الجنوبية. وهي تحدث على ارتفاع 80 كم (50 ميلًا) تقريبًا في المناطق القطبية خلال الصيف. يُمكنك رؤية هذه السحب من الأرض فقط عندما تكون الشمس تحت الأفق أثناء الشفق، ولكن هذهِ الشمس تبقى مشرقة في طبقات الجو العالية.

تظهر هذه الغيوم على شكلِ خيوطٍ رفيعةٍ زرقاء شاحبة ومموجة. وهي تتكون من بلورات ثلجية وتتطلب درجات حرارة تبلغ نحو 130 درجة مئوية تحت الصفر (266 فهرنهايت) لتشكيلها. على الرغم من كون هذه السخب مُبهرة، لكنها تُعتبر بمثابة إنذار لحدوث التغير المناخي. ومن المُرجح أن يؤدي المزيد من التبريد في الغلاف الجوي العلوي، نتيجةً لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري، إلى سحبٍ ليليةٍ أكثر تواترًا.

هناك بالفعل بعض الأدلة على أن السحب الراقة أصبحت أكثر إشراقًا وانتشارًا في نصف الكرة الأرضية الشمالي.

قياس التغير

يُهدد التغير المناخي الذي يحدث بسبب أفعال البشر بتغيير جذري لظروف الحياة على كوكبنا. على مدى العقود العديدة القادمة -أي أقل من عدد السنوات التي يُمكن أن يعيشها إنسانٌ واحد فقط- من المُتوقع أن يزيد متوسط ​​درجة حرارة الهواء في العالم، مما يؤدي إلى ارتفاع مستوى سطح البحر وحدوث الطقس القاسي والتغيرات في النظم البيئية في جميع أنحاء العالم.

تُعد عملية المراقبة طويلة المدى مهمة، لأنها تُستخدم لقياس التغير واختبار ومعايرة الأنماط المناخية الأكثر تعقيدًا. ولهذا الغرض، تُصبح النتائج التي توصلنا إليها جزءًا من شبكة عالمية تجمع الملاحظات البيئية، حيثُ تقوم شبكة الكشف عن التغير في الغلاف الجوي Network for Detection of Mesospheric Change بتنسيق هذهِ الملاحظات.

إن دقة هذه النماذج تُعتبر أمرًا حاسمًا لتحديد ما إذا كانت التدخلات الحكومية، وغيرها من التدخلات للحد من تغير المناخ، فعالة بالفعل.

المصادر: 1