%91 من حمضنا النووي غير فعال، رحلة بيولوجية مـع الجينات الزائفة

قبل أن نبدأ يجب أن نعرف إن الجينات الميتة (الزائفة) هي عبارة عن مجموعة جينات كانت موجودة بفعالية في الماضي عند أسلافنا لكن فقدت هذه الجينات نشاطها وفعاليتها بعد رحلة طويلة من العمليات التطورية تبقت هذه الجينات في حمضنا النووي كبقايا تطورية معطلة لا تلعب أي دور أو نشاط فيه.

جميعنا نعلم إن الجين ينتج بروتين والبروتين تكون تسلسلاته من الأحماض الأمينية ومحددة بتتابعات القواعد النيوكلوتيدية التي تكوّن الحمض النووي.

لكن الطفرات الوراثية قد تغير جين وتجعله غير مفيد (نفس المعنى، ميت، معطل) والجين الذي لا يعمل يسمى جينًا زائفًا “a pseudogene”.

كيف نعرف إن هذا الجين هو جين زائف؟

سنعرف ذلك عن طريق تسلسل الحمض النووي للجين المعين ويمكننا أن نرى إذا ما غيرت الطفرات الوراثية فعالية الجين مثلًا إذا كان الجين لا يستطيع أن يصنع بروتين مجددًا أو تعطيل المناطق المسؤولة عن تشغيل جين، ولن تختفي هذه الجينات من الحمض النووي بل التطور سوف يوقف عملها بتعطيلها وإلغاء فعاليتها وليَس بقصها من الـ DNA (الحمض النووي) هذه الجينات كانت مفيدة في السابق لكنها لم تعد سليمة وفعالة اليوم.

يشكل Junk DNA (الجينوم الخردة) 91% من حمضنا النووي ومن ضمن هذا الجينوم الجينات الزائفة أو pseudogene حيث يبلغ عددها تقريبًا 8000 وإن أكثر من 4000 منها هو تكرار لها.

أمثلة على بعض الجينات الزائفة:

  • من ضمن هذه الجينات المعطلة هو الجين البشري الزائف “GLO”.
  • جين GLO هو جين ينتج إنزيم يسمى “L-gulono lactone oxidase”.</li
  • هذا الإنزيم يستعمل في عمل فيتامين C من سكر الجلوكوز البسيط.

إن كل الثدييات تستطيع أن تنتج فيتامين C ما عدا الرئيسيات وخفافيش الفاكهة وقوارض خنازير غينيا فإنها تحصل عليه مباشرة من طعامها، من المعروف إن فيتامين C أساسي لتمثيل نظام غذائي سليم، فإن لم تحصل على كمية كافية من فيتامين C سوف تصاب بالأمراض ومن أكثر الأمراض شيوعًا هو داء الإسقربوط (عوز فيتامين سي) “Scurvy” حيث كان شائعًا بين البحارة في حوالي القرن التاسع عشر الذين كانوا محرومون من الفواكه.

إذن ما هو السبب الذي يجعل الرئيسيات و بعض الحيوانات الثدية لا تنتج فيتامين C خاص بها؟

حتى نصنع فيتامين C نحتاج تسلسلًا مكّون من أربع مراحل، كل مرحلة تكون مسؤولة عن إنتاج جين مختلف، الرئيسيات و قوارض خنازير غينيا لا يزال لديها جينات نشطة لأول ثلاث مراحل لكن عندما نصل لأخر مرحلة والّتي تتطلب إنزيم “GLO” لا تحدث هذه المرحلة بسبب الطفرات الوراثية التي عطلت “GLO” وأصبح صديقنا جين GLO جينًا زائفًا.

لماذا تعطّل جين GLO وتحول إلى جين زائف؟

بسبب فقدانه نيوكلوتيد واحد في تسلسل الحمض النووي عن طريق طفرة وراثية للجين وإن نفس النيوكلوتيد الذي تفتقده سائر الرئيسيات، من المرجح أنه لم يكن هناك عواقب بعد تعطّل صنع الفيتامين بسبب وفرة الفيتامين في غذاء الرئيسيات وخفافيش الفاكهة وخنازير غينيا.

حاسة الشم

من أقرب الأمثلة الرئيسية عن الجينات الزائفة هو حاسة الشم لدينا، بالرغم من إننا نستطيع تمييز ما بين فوق العشر الآف رائحة مختلفة مع ذلك تعتبر حاسة الشم لدينا رديئة بالنسبة للثدييات البرية الأخرى.

لكن كيف يمكننا إنجاز ذلك كيف يمكن أن نُميّز ما بين فوق عشرة آلاف رائحة؟

الإجابة تكمن في حمضنا النووي وتحديدًا في جيناتنا العديدة المستقبلة الشميةأو “olfactory receptor (OR) gense”.

لنأخذ مثال عن هذه الجينات جينات(OR):

في الفأر:

عالم الفأر الحسي يختلف عن عالمنا فأن حاسة الشم لدى الفأر مهمة جدًا فهو يعتمد عليها لإيجاد الطعام وتجنب المفترسين وأيضـًا من أجل استبيان فرمونات أحدهم الآخر، أما نحن تكون لدينا الرؤية أهم بكثير من الشم، لدى الفئران حوالي ألفي جين مستقبل يعمل (نشط).

لنتعرف أكثر حول الألفي جين هذه:

كل هذه الجينات تنحدر من جين سلفي واحد نشأ منذ ملايين السنين وتضاعف كثير مع مضي الزمن كما أن كل جين يختلف قليلًا عن الجين الآخر وكل واحد ينتج بروتينًا مختلفًا مستقبِلًا شميًا حيث يتعرف على جزيء يكون منقول جوًا مختلف، إن كل بروتين مستقبل شمي يتم التعبير عنه بنمط مختلف قليلًا من الخلايا المستقبلة في النسيج المبطن للأنف.

كل رائحة مختلفة تحتوي أيضـًا على جزيئات مختلفة وأيضًا كل مجموعة تثير مجموعة مختلفة من الخلايا، أما الخلايا فهي تبعث إشارات مختلفة إلى المخ وأيضاً المخ بدوره يدمج ويحل شفرة كل إشارة مختلفة، وبدمج مجموعة الإشارات المختلفة تستطيع الفئران أن تتعرف على روائح أكثر بكثير من الجينات التي تملكها مستقبلة شمية “OR gene” وهكذا نكون قد عرفنا كيف تُمييز الفئران ما بين رائحة القطط وهي من مفترسيها وما بين رائحة الغذاء التي تتغذى عليه كالخبز.

إذن كيف أصبحت هناك قدرة التعرف على الروائح المختلفة ممُكنة؟

عملية تمييزنا للروائح تمت عن طريق الانتخاب الطبيعي ففي البداية كان لدينا الجين السلفي الذي أصبح مضاعف المرات التضاعف هذا ليس بالأمر الغريب فهو يحدث من وقت لآخر كحادث انقسام الخلية وثم بالتدريج مع مرور الوقت اختلفت هذه النسخ المضاعفة عن بعضها البعض، وكل واحدة منها مربوطة بجزيء رائحة مختلف، لكل عشرة الآف جين مستقبل شمي نشأ نوع مختلف من الخلايا وفي نفس الوقت كان قد أصبح المخ مُمدًا بوصلات جديدة تسمح له بجمع الإشارات من الأنواع الكثيرة من الخلايا لصنع أحاسيس الروائح المختلفة.

هل تظن إن البشر يستطيعون مقارنة حاسة شمهم بالتي لدى الفئران؟

بالتأكيد لا نستطيع فعل ذلك فإن الفأر سيكون المنتصر من هذه الناحية ومن أحد الأسباب إننا نعبِّر جينات OR أقل ما يقارب حوالي 400 جين فقط، مع ذلك ما زلنا نحمل حوالي مجموع 800 جين OR تشكل 3% من جينومنا الكلي ، أما الآن فعليك أن تعلم إن نصف هذه الجينات هي جينات زائفة بالأساس.

لقد تم تعطيلها بسبب استمرار حصول الطفرات الوراثية والأمر ينطبق كذلك على معظم الثدييات الأخرى.

كيف حدث ذلك؟

ربما لأننا نحن الرئيسيات نحتاج الرؤية أكثر من الشم لكوننا نكون نشطاء في النهار ولهذا لا نحتاج التمييز بين روائح كثير جدًا كما يفعل الفأر هكذا تصبح الجينات الغير محتاجة مزاحة بالطفرات، ومن الممكن التنبؤ إن الرئيسيات ذوي الرؤية اللونية والذين يستطيعون التمييز الأعظم في البيئة أن تكون لديهم جينات OR ميتة أكثر.

لنأخذ مثال يثير الدهشة حول حاسة الشم لدى الدلافين:

اذا ما رأينا تسلسل الحمض النووي DNA للدولفين سوف نرى إنه مشابه للذي لدى الثدييات البرية حيث إن الدلافين تطورت من ثدييات برية فأصبحت جينات الاستقبال الشمي OR لديهم بلا فائدة حين التجأ إلى الماء كما إن حوالي 80% من جينات OR لدى الدلافين معطلة والمئات منها لازال موجود في جينوم الدلافين ومن المثير معرفة إن الدلافين لا تحتاج إلى استبيان روائح متطايرة في الهواء فهي لديها مجموعة مختلفة تمامًا من الجينات لاستبيان المواد الكيميائية المتواجدة أو المنقولة في الماء.

مراجع: Jerry A. Coyne ,Why Evolution Is True (p.71,76)

المصادر: 1 - 2 - 3