NASA/JPL

بحث جديد يعيد كتابة الجدول الزمني لكيفية ولادة الأرض!

في أول أيام المجموعة الشمسية، ربما استغرق كوكب الأرض الرضيع ليتكون وقتًا أقصر مما كنا نعتقد. فوفقًا لتحليل في فبراير/شباط عام 2020 هناك أدلة على أن معظم أجزاء الأرض تجمعت في خمسة ملايين سنة لا غير وهذا أقصر بعدة مرات مما يوحي به النموذج الحالي.

قدمت هذه المراجعة مساهمة مهمة في فهمنا الحالي لتكوين الكواكب، مشيرة إلى أن الآلية قد تكون أكثر تنوعًا مما كنا نعتقد، حتى بين الكواكب من ذات النوع الموجودة في ذات الحَي مثل الكواكب الصخرية: المريخ والأرض.

ورغم أننا لا نعلم كيف تتشكل الكواكب بنسبة 100% لكن للعلماء الفلك فكرة عامة جيدة لكنها تفتقر إلى التفاصيل، لأن من الصعب متابعتها.

يرتبط مخطط عملية تكوين الكوكب بتشكيل النجم نفسه؛ تتشكل النجوم عندما تنهار كتل في سحب الغبار والغاز تحت جاذبيتها وتبدأ في الدوران. يؤدي ذلك إلى بدء الغبار والغازات المحيطة في الدوران حولها، مثلما يفعل الماء حول فتحة تصريف.

تشكل هذه المادة في أثناء دورانها قرصًا مسطحًا يتغذى عليه النجم، لكن القرص لا يستنفد كليًا بل تبقى منه بقية تسمى قرص الكواكب الأولية وهو ما سيشكل الكواكب، وهذا هو السر في أن جميع كواكب مجموعتنا الشمسية متراصة تقريبًا على مستوى مسطح حول الشمس.

أما بخصوص نشوء الكواكب فيعتقد أن حبيبات صغيرة من الغبار والصخور ستبدأ في الالتصاق ببعضها بفعل الكهرباء الساكنة، وكلما كبر حجمها زادت جاذبيتها فتبدأ حينها بجذب أشياء أخرى بفعل التفاعل والتصادم فيكبر حجمها أكثر حتى ينشأ كوكب كامل.

بالنسبة للأرض، كان يعتقد أن هذه العملية استغرقت عشرات ملايين السنين. لكن علماء من جامعة كوبنهاغن في الدنمارك وجدوا أن تحليل نظائر الحديد في عباءة الأرض (طبقة تحت القشرة الأرضية) يظهر أن هذا ليس هو الحال.

يبدو أن مكونات الأرض تختلف عن مكونات الأجرام الأخرى في النظام الشمسي، فرغم احتواء الأرض والمريخ والقمر والنيازك على نظائر الحديد الطبيعية مثل Fe-56 والنظير الأخف Fe-54، لكن للقمر والمريخ ذات الوفرة من العناصر على عكس الأرض التي تحتوي نظير Fe-54 أقل بكثير.

الصخرة الوحيدة الأخرى التي لها تركيب مشابه لتركيب الأرض هي نوع نادر من النيازك يسمى CI chondrite. والشيء المثير للاهتمام عن هذه النيازك هو أن مكوناتها مشابهة لمكونات النظام الشمسي بأكمله.

تخيل أن لديك جميع مكونات صلصة البولونيز واعلم التالي: إن مزجت جميع المكونات في وعاء كبير فسيكون لديك قرص الكواكب الأولية (والنظام الشمسي لاحقًا)، وإن فصلت مجاميع المكونات في أوعية مختلفة في كل منها عدة مكونات بنسب مختلفة فسيكون لديك كواكب وكويكبات منفصلة.

لكن ما يجعل النيازك من نوع CI chondrite مختلفة هو أنها عبارة عن وعاء صغير يحتوي على المقادير الأولية لمكونات صلصة بولونيز كاملة! لذا فامتلاك واحدة من هذه الصخور هو بمثابة امتلاك صورة مصغرة عن الغبار الذي كان يدور في قرص الكواكب الأولية في فجر النظام الشمسي قبل 4.6 مليار سنة.

يستنتج نموذج تكوين الكواكب الحالي أن وفرة الحديد في طبقة عباءة الأرض يمثل خليطًا من مختلف أنواع النيازك بوفرة أعلى من نظير Fe-54.

تشير حقيقة أن مكونات كوكبنا لا تتشابه مع غير جزيئات نيزك CI إلى فرضية تكوين مختلفة. يعتقد فيها الباحثون أن قلب الأرض لم يتشكل من تصادم الصخور وتلاصقها بل تشكل مبكرًا من وابل حبيبات كونية. وهذه الطريقة أسرع من سابقتها، وفيها تكون القلب الحديدي ساحبًا الحديد المتواجد آنذاك.

وبانخفاض حرارة النظام الشمسي بعد عدة مئات آلاف السنين تمكنت جزيئات CI البعيدة من الهجرة إلى حيث تتكون الأرض، فتناثرت فوقها تناثرا شوَّبَ الحديد الموجود في طبقة العباءة.

وخلص الباحثون إلى التالي: لأن القرص الكوكبي الأولي -بالإضافة إلى جزيئات CI المتواجدة فيه التي ربما أمطرت الأرض- استمر لخمسة ملايين سنة وحسب فإن الأرض قد كبرت وتلاحمت في هذا الإطار الزمني.

وأوضح مارتن شيلر، الجيولوجي الكوكبي من جامعة كوبنهاغن: “لقد طبع غبار CI الإضافي محتوى الحديد في عباءة الأرض، وهذا لا يمكن أن يحدث ما لم يُزَح الحديد إلى قلب الأرض مسبقًا. ولهذا لا بد من أن نشوء قلب الأرض قد حدث مبكرًا”.

وإذا كان نموذج تراكم “الغبار الكوني” هذا هو كيفية تشكل الأرض، فإن هذا البحث يعني أيضًا أن الكواكب الأخرى في أماكن أخرى من الكون يمكن أن تكون قد تشكلت بهذه الطريقة.

وهذا لا يوسع فهمنا لتكوين الكواكب وحسب، بل يؤثر أيضًا في فهمنا للحياة في الكون. فقد يكون تشكل الكواكب بهذه الطريقة شرطا أساسيًا لتوفير الظروف الملائمة لنشوء الحياة.

وقال عالم الكيمياء الكونية مارتن بيزارو من جامعة كوبنهاغن: “بعلمنا الآن أن نشوء الكواكب يحدث في كل مكان وأن هناك آليات عامة تحكم وتخلق الأنظمة الكوكبية فقد نستطيع عمل استنتاجات مشابهة عن الأنظمة الكوكبية الأخرى في المجرة بضمنها وتيرة تراكم المياه ومتى قد تحدث. وإذا كانت نظرية التراكم الكوكبي المبكر صحيحة بالفعل، فربما يكون الماء مجرد منتج ثانوي لتكوين كواكب مثل الأرض، ما يرفع احتمالية وجود مكوّن الحياة -كما نعرفها- في مكان آخر في الكون”.

المصادر: 1