Credit: Unsplash/CC0 Public Domain

المعركة الملكيّة: كيف تحارب البكتيريا المضادات الحيوية وتصاعد الحرب الكيميائية

يُعد التطوير غير الكافي للمضادات الحيوية الجديدة وارتفاع معدلات المقاومة من قِبَل البكتيريا للمضادات الحيوية الموجودة حاليًا من القوى المزدوجة التي تدفع العالم إلى الاقتراب بشكل متزايد من عصر ما بعد المضادات الحيوية.

لقد كانت معركة دامت ثمانين عامًا تلك التي شنّتها البكتيريا ضد الحرب الكيميائية المُصمَّمة لمحاربة العدوى، حيث اكتسبت البكتيريا اليد العليا على جبهات متعددة. ورغم حجمها المجهري وافتقارها إلى الدماغ، فهي تدرك كيف تكسب حرب المقاومة.

تناول فريق من الباحثين في كلية ويل كورنيل للطب في نيويورك ومركز إم آر سي للبكتيريا الجزيئية والعدوى في كلية امبريال في لندن كيفية مقاومة البكتيريا في المقام الأول، فقاموا بتحليل الاستراتيجيات الجينية البكتيرية ومعدّلات البقاء على قيد الحياة، والتي يمكنها أن تُمهد الطريق لأنواع جديدة من المضادات الحيوية.

وكتب الأطباء سارة شرايدر، وجوليان فوبورجيكس، وكارل ناثان في مجلة العلوم الطّبية الانتقاليّة Science Translational Medicine عن البحث، راسمين لوحة قاتمة -ولكنها مشجعة رغم ذلك- حين أزالوا الغموض عن مقاومة المضادات الحيوية وحددوا كيف تكتسب البكتيريا القدرة على التصدّي لما كان قاتلًا لها سابقًا.

وقد كان العنصر الرئيسي في تحليلهم هو تسليط الضوء على تعقيدات مقاومة المضادات الحيوية، حيث قاموا بالتمييز بين المقاومة الموروثة، أي اكتساب الجينات التي تمنح المقاومة، ونمط آخر يُدعى مقاومة المضادات الحيويّة الظاهرية. ويشير هذا الأخير إلى شكل قابل للعكس من أشكال مقاومة الأدوية لا يمكن عزوه إلى الجينات.

ويقول المؤلفون إن مقاومة الأدوية واحدة من الدِفاعات المتعددة ضد الأمراض المعدية التي أصبحت في انخفاض، فكتبوا: “بالإضافة إلى جهازنا المناعي، فإن دفاعاتنا الرئيسية ضد الأمراض المعدية هي المضادات الحيوية واللقاحات والمرافق الصحية ومياه الشرب والتغذية السليمة والبنية الأساسية للصحة العامة. كل هذه الأمور فشلت في أجزاء مختلفة من العالم”.

وقد بدأت إحدى الدفاعات الرئيسية، وهي استخدام المضادات الحيوية، بالفشل في مختلف أنحاء العالم بسبب ازدياد مقاومة المضادات الحيوية، التي تهدد بتقويض ممارسة مهنة الطب.

لم يحدث في أي من الأمراض المعدية قتال ضد المقاومة أكثر استمرارية من المعركة الجارية ضد السل، والذي أصبح وباء مقاومة للأدوية المتعددة في أجزاء كثيرة من العالم على الرغم من التحسينات في أنظمة الأدوية وبرامج الامتثال للمعالجة. كانت مقاومة المضادات الحيوية من النمط الظاهري مشكلة مع السل.

قد تنشأ مقاومة المضادات الحيوية الظاهرية في ظل ظروف متنوعة، وقد يكون من الصعب أحيانًا التمييز بينها وبين المقاومة الناتجة عن طريق الوراثة. على سبيل المثال، قد تنشأ المقاومة الظاهرية بشكل عشوائي وتأخذ نمط توزّع عشوائي.

ويشير علماء الأحياء الدقيقة أيضًا إلى هذا النوع من المقاومة على أنه “الثبات العفوي” و”التحول العشوائي”. ولكن هناك أسباب أخرى للمقاومة الظاهرية، والتي يمكن أن تنشأ إضافةً إلى ذلك من تَعرُّض الجراثيم لتَغيّر الظروف البيئية، مثل الحرمان من الأكسجين، زيادة الحموضة، الشدة التأكسدية، واستجابات مناعية من قبل المُضيف والتراكيز دون المميتة للمضادات الحيوية. وكما تبين، فإن مقاومة المضادات الحيوية الظاهرية أكثر شيوعًا من المقاومة الجينية.

يغطّي التحليل الجديد الذي أجرته شرايدر وزملاؤها سنوات من البيانات المتراكمة حول الفوارق الدقيقة في مقاومة الأدوية، وهي ظاهرة أثبتت أنها قاتلة لعدد لا يحصى من المرضى في مختلف أنحاء العالم.

فكتبت شرايدر: “إن منع حدوث الوفيات الناجمة عن مقاومة المضادات الحيوية يتطلب استغلال المعرفة ليس فقط عن مقاومة المضادات الحيوية الجينية النّاتجة عن نقل الجينات الأفقي أو الطفرات الحديثة (de novo mutations)، بل وأيضًا عن مقاومة المضادات الحيوية الظاهرية، الذي يفتقر إلى أساس مستقرً وراثيًا”.

ومع ذلك، لم تُعد هي وزملاؤها أول من يُصدر إنذارًا بشأن مقاومة المضادات الحيوية، ومن المؤكد أنهم لم يكونوا الأخيرين.

ففي عام 2018، أعلنت منظمة الصحة العالمية WHO أن مقاومة المضادات الحيوية هي إحدى أكبر التهديدات التي تواجه الصحة العالمية والأمن الغذائي والتنمية اليوم. وقد ذكر مسؤول أنه قد ازداد عدد حالات العدوى، مثل ذات الرئة، السلّ، السيلان والسالمونيلا بشكل كبير يصعب معالجته لأنّ البكتيريا المقاوِمة جعلت المضادّات الحيوية أقلّ فعّالية.

وبعد عام تقريبًا من صدور ذلك التقرير، أصدرت منظمة الصحة تقريرًا آخر. وفي عام 2019، طالبت الوكالة “باتخاذ إجراءات فورية مُنظّمة وهادفة لتجنب أزمة محتملة قد تكون كارثية في مجال مقاومة الأدوية. وما لم يتم التصدي لهذه القضية، فإن الأمراض المقاومة للأدوية قد تتسبب في وفاة عشرة ملايين إنسان سنويًا بحلول عام 2050، كما توقعت الوكالة.

في الوقت الحالي، يموت ما يقدر بنحو 700 ألف شخص سنويًا بسبب مقاومة الأدوية وفقًا لتقديرات منظمة الصحة العالمية، والتي تتضمن 230 ألف شخص يموتون بالسل المقاوم للأدوية المتعدّدة.

ولكن في تحليلهم الطويل، أصرّت شرايدر وفريقها على أن النظرة المتعمّقة حول بيولوجيا مقاومة الأدوية، فضلًا عن التطورات التكنولوجية التي يجري تطويرها، من الممكن أن تساعد المجتمع الطبي على “استعادة ما تمّ فقدانه”.

والسمة الرئيسية لمقاومة المضادات الحيوية هي قدرة الجموع البكتيرية على النمو في ظل وجود مضاد حيوي. إن عدم القدرة على استخدام العقاقير كان سببًا في قلب السيناريو على البشر الذين فكروا لفترة وجيزة قبل ثمانين عامًا أنهم قد غزوا البكتيريا من خلال استخدام الحرب الكيميائية. ولكن قصة مقاومة العقاقير طويلة ومحفوفة بالمخاطر، كما يقول بعض العلماء.

مقاومة مضادات الميكروبات الظاهرية هي القوة الدافعة الرئيسية لتقرير شرايدر وهي مصطلح جديد، وغالبا ما ينظر إليه في الأدب العلمي كمرادف للتحمّل من النمط الظاهري، والتي تقول شرايدر وفريقها أنه مصطلح ساد لسنوات عديدة بعد تقديمه لأول مرة عام 1986. ومع ذلك ، فإن هذين المصطلحين سبقتهما كلمة “الصّوامد” “persisters” التي تعود إلى عام 1944 ، وليس لفترة طويلة بعد ظهور البنسلين كعقار عالمي عجائبي.

لا يوجد أحد أكثر معرفةً بمصطلح الصوامد – أي البكتيريا التي لا تموت بالرغم من التراكيز العالية من التعرض للمضادات الحيوية- من الطبيب البريطاني وعالم الأحياء الدقيقة ألكسندر فليمنغ، مكتشف البنسلين، حيث قال في عام 1945 عندما نال جائزة نوبل بالمشاركة مع اثنين من الباحثين البريطانيين الآخرين في البنسلين، وهما هاورد فلوري وإرنست تشين: “ليس من الصعب صنع ميكروبات مقاومة للبنسلين في المختبر، وقد حدث نفس الشيء في الجسم في بعض الأحيان”. ورغم أن فليمنج كان يدرك أن المقاومة كانت ممكنة، فلم يكن يملك أدنى فكرة عن أنها سوف تتحول إلى مشكلة طبية هائلة.

كما كتبت شرايدر: “ولقطع المقاومة الوراثية للمضادات الحيوية من جذورها، نحتاج إلى فهم المقاومة الظاهرية للميكروبات، والتي هي أكثر شيوعًا من المقاومة الوراثية”، وتضيف: “إن التأكيد على أن مقاومة مضادات الميكروبات الظاهرية أكثر شيوعًا من الجينات هو أمر مبرر سريريًا من خلال انتشار البكتيريا المقاومة ظاهريًا في الأغشية الحيوية، ووجود الأغشية الحيوية في العديد من الحالات السريرية.”

إن الأغشية الحيوية biofilms هي عبارة عن تجمع هندسي كثيف للخلايا الجرثومية التي تشكل غلاف شبيه بالصّدفة مع طبقة من الصمغ. والهدف البيولوجي الوحيد هو حماية المستعمرة البكتيرية في الداخل، مما يسمح لها بالنموً والتكاثر. تعتبر الأغشية الحيوية أخطر عندما تغزو الخلايا البشرية التي تحمي البكتيريا من المضادات الحيوية.

المصادر: 1