هل توجد حياة حول الثقوب السوداء؟

بول م. سوتر هو عالم فيزياء فلكية في جامعة سوني ستوني بروك ومعهد فلاتيرون، مقدم برنامج «اسأل رائد الفضاء» وإذاعة الفضاء، ومؤلف كتاب «مكانك في الكون». حيث شارك سوتر بهذا المقال لأجل افتتاحيات ورؤى خبراء الأصوات في موقع Space الإلكتروني.

لقد اعتدنا على التفكير باحتمالية بناء بيوتٍ للعيش عليها في عوالم مائية تدور حول النجوم مثل الشمس، ولكن بحثًا جديدًا وجد أنَّ هناك موطن محتمل جديد: يدور كوكب صخري ماضيًا بجانب أفُق الحدث لثقب أسود ضخم يدور بسرعة.

القوة الغريبة حول ذلك الثقب الأسود لديها القدرة على تدفئة الكوكب بشكل كافي، ولكن السيناريو يأتي مع خدعة: الكوكب يجب أن يدور بسرعة الضوء تقريبًا.

موطن للبشرية

نحن لا نعرف جميع الأماكن المحتملة لنشأة الحياة في كوننا هذا، لأنه حتى الآن لدينا فقط مثال واحد: وهو نحن. فبينما يفكر العلماء «ومؤلفو الخيال العلمي» في جميع أنواع الترتيبات الغريبة وإمكانيات وجود أشكال الحياة، لإجراء عمليات بحث جادة لتبادل المعلومات خارج كوكب الأرض، فإنَّ أفضل رهان هو استخدام ظروفنا الخاصة كأساس، والبحث عن حياة ليست مختلفة جدًا عما يوجد على الأرض.

وعلى هذا الأساس، يمكننا وضع متطلبين أساسيين للغاية. الأول، حياةٌ كحياتنا تحتاج إلى الماء السائل. الماء الجزيء الأكثر وفرةً في الكون، يتركب من الهيدروجين «العنصر رقم 1 عندما يتعلق الأمر بالوفرة في الكون»، والأوكسجين «الناتج الثانوي لتفاعلات الاندماج داخل النجوم مثل الشمس، مما يجعلها شائعة جدًا أيضًا». ولكن عادةً فإن ذلك الماء إمّا يتبخر ليشكل مصلًا «وبالتالي يكون سيئًا جدًا للحياة»، أو يوجد بحالته الصلبة كثلج «ليس ملائمًا للعيش جدًا».

من الصعب الحصول على المواد السائلة، وتتطلب مصدرًا للحرارة ولكن ليس بدرجة مرتفعة ليتبخر الماء. لقد وجدنا هذا التوازن المثالي في موقعين فقط: ما يسمى «المنطقة الصالحة للاستيطان» من النجوم، وحزمة من المدارات حيث يكون ناتج الضوء مناسبًا تمامًا؛ ومدفونًا تحت القشرة الجليدية لأقمار معينة من الكواكب الخارجية في نظامنا الشمسي، حيث يولد التسخين المدي الطاقة اللازمة.

لكن الحرارة الخام ليست كافية. إن الحياة عملية معقدة تُستخدم فيها الطاقة للقيام بأشياء مثيرة للاهتمام (مثل التنقل والأكل والتكاثر). كل هذه العمليات ليست فعالة تمامًا، لذلك فهي تولد حرارة مبددة. يجب التخلص من هذه النفايات الحرارية بأمان بعيدًا عن البيئة؛ وإلّا سينتهي بكَ الأمر بكوابيس عن المشاتل أو البيوت البلاستيكية، مع درجات حرارة تتصاعد إلى مستويات غير منضبطة وتقتل أي حياة كانت قد بدأت أصلًا.

على الأرض، نحن نتخلص من النفايات الحرارية في الفراغ الفضائي على شكل أشعة تحت الحمراء.

هذا التعارض بين مصدر الطاقة ومكان وضع كل النفايات، تساعد على ازدهار الحياة على كوكبنا، ومن المفترض أن يكون لأي كوكب آخر استعدادات مماثلة.

الوحوش الدافئة

للوهلة الأولى، تبدو الثقوب السوداء وكأنها آخر مكان يمكن لأشكال الحياة المحتملة أن تتواجد فيه. بعد كل شيء، هي عبارة عن أجسام مصنوعة من الجاذبية النقية، تسحب أي شيء يقترب كثيرًا من أفق الحدث الخاص بها، مانعةً إياهم إلى الأبد من التواصل مع باقي الكون. لا شيء، ولا حتى الضوء، يمكنه أن يهرب من هوة الجاذبية.

الثقوب السوداء لا تشع ضوءً، ففي نهاية المطاف هي سوداء، ولكن تلك الجاذبية التي لا مفر منها يمكنها أن توفر مفاجأة فريدة من نوعها عبر الكون.

نفاذية الكون تسمى إشعاع الخلفية الكوني المايكروي Cosmic Microwave Background (CBM).

الCBM هي الأشعة المتبقية عندما كان الكون لا يزال صغيرًا أي بعمر 380,000 عام. إنه، إلى حد بعيد، أكبر مصدر للإشعاع في الكون بأكمله، حيث يغمر بسهولة جميع النجوم والمجرات بترتيب من الحجم. السبب في عدم رؤيته هو أنَّه في المقام الأول في منطقة الموجات الصغيرة من الطيف الكهرومغناطيسي (ومن هنا جاء الاسم).

بمعنى آخر، فإن الCBM بارد، بدرجة حرارة حوالي 3 فوق الصفر المطلق.

ولكن بينما يسقط ضوء الCBM في الثقب الأسود فإنَّه يتحول إلى الأزرق، ويرتفع إلى طاقات أعلى وأعلى من الجاذبية القصوى. وفقط قبل أن تصل لأفق الحدث، يكتسب ضوء الCBM طاقة أكبر والتي تحوره إلى أشعة تحت الحمراء، ومرئية وحتى أجزاء من طيف الأشعة فوق البنفسجية.

بمعنى آخر، بالقرب من الثقب الأسود، يتوقف الCBM عن كونه باردًا، وتزداد حرارته جدًا.

ما هو أكثر من ذلك، إذا كان الثقب الأسود يدور، فهو قادرٌ على تركيز الضوء في حزمة ضيقة، مما يجعل الCBM يظهر على أنَّه بقعة وحيدة في السماء. تشبه نوعًا ما الشمس.

الفضوليَّون

لذا إذا كنت قادرًا على الاقتراب من الثقب الأسود بشكل كافي، ستجد بأنك أصبحت دافئً بشكل مفاجئ، وإمّا إذا كنت كوكبًا، فأنت ستجد على الأرجح أنَّ مياه الكوكب قد تحولت من الحالة المتجمدة إلى محيطات مائية سائلة، وهي مكان محتمل للحياة.

لكي تزدهر الحياة، فهي تحتاج إلى تصريفٍ للحرارة، والتي يستطيع أن يوفِّرها الثقب الأسود بنفسه. الاقتراب من الثقب الأسود، يوسع تشوه الجاذبية ظهور أفُق الحدث، ويضخمه أكثر مما يمكن أن تعتقد بسذاجة.

وبالقرب الكافي من الثقب الأسود «بقطر أقل من 1% فوق أفق الحدث»، تتقلص حرارة الCBM لتملأ فقط قرصًا صغيرًا، بينما يتضخم أفق الحدث ليغطي 40% من السماء. إذا كان كوكبك يدور، فأنت تملك شمسًا وليلًا، ولدى الحياة كل ما تحتاجه لتبدأ عملها.

ولكن المدارات بهذا القطر عادةً ما تكون غير مستقرة، وعرضة لتسقط مباشرةً في الظلمة نفسها. مؤخرًا، نشر فريقٌ من الباحثين تحليلًا في صحيفة الفيزياء الفلكية، واستكشفوا هذا السيناريو لمعرفة ما إذا كانت هناك أي طريقة لتحقيق الاستقرار في هذا الوضع.

وقد وجدوا طريقة لجعلها تنجح. إذا كان الثقب الأسود كبيرًا، على الأقل 108 × 1.6 مرة من كتلة الشمس، ويدور بسرعة كبيرة، عندها سيصبح مضيفًا «منطقة صالحة للعيش» فوق أفق الحدث تمامًا، حيث ضوء الCBM يرتفع إلى ذروته في الجزء الفوق بنفسجي للطيف، ساخن، ولكن ليس بشكل فظيع. اقترابٌ أكثر وسيتم تدمير الكوكب من قبل قوى الجاذبية الكبيرة، وأكثر من ذلك فإن الCBM سيصبح باردًا جدًا. ولكن هل في ذلك النطاق الضيق؟ يمكن أن يحصل ذلك.

على الرغم من أن هذا السيناريو ممكن إلا أنه لن يكون جميلًا جدًا. سيتعين على الكوكب أن يدور بسرعة الضوء تقريبًا، مختبرًا عامل التمدد الزمني لآلاف – وهذا يعني أنه في كل ثانية تمر على هذا العالم، ستمر كساعات بالنسبة لنا. ومن يدري إذا كان الكوكب يمكن أن يجد طريقه قريبًا من الثقب الأسود بينما لا يزال يحاول النجاة.

ومع ذلك، يُظهر العمل أنَّه يجب علينا إبقاء عقولنا متفتحة عندما يتعلق الأمر بالمنازل المحتملة للحياة، بما في ذلك بعض البيئات المروعة في الكون.

المصادر: 1