قد تختفي الأجسام المضادة لـCOVID-19، لكن الأمل باللقاح يبقى قائمًا!

بالرغم من عدم توفر معلومات مؤكدة وموثقة عن مدة المناعة التي يكتسبها الجسم بعد الإصابة بـCOVID-19، يدعونا الخبراء إلى عدم القلق حيال ذلك، فاللقاحات ستنجح في تفعيل مناعة دائمة على الأرجح.

ترسم الدراسات الحديثة صورة قاتمة لمدى استمرار مناعة أجسامنا ضد فيروس كورونا المستجد، حيث تشير الأدلة إلى تراجع مستويات الأجسام المضادة للفيروس في أجساد المتعافين من الإصابة بـCOVID-19 بعد شهرين فقط من العدوى الأولية، الأمر الذي أثار القلق عند البعض بسبب إمكانية تعرضهم للإصابة مرة أخرى، إضافة إلى صعوبة تطوير لقاحات طويلة الأمد، واستحالة الوصول إلى ما يسمى بمناعة القطيع.

لكن الخبراء على ما يبدو غير قلقين بشأن نتائج الأجسام المضادة هذه، حيث يرفضون ما تقترحه البيانات الأولية التي تشير إلى أن خطر تكرر العدوى قد يبقى قائمًا، ويدفعون ضد الادعاءات القائلة بأن ضعف مناعة الأجسام المضادة قد ينهي الآمال في تطوير لقاح طويل الأمد، حيث يمتلك نظام المناعة البشري إلى جانب الأجسام المضادة طرقًا أخرى لمحاربة العدوى، وحتى في حال كانت استجابتنا المناعية الطبيعية دون المستوى المطلوب، فسنكون قادرين على تصميم اللقاح القادر على إنتاج استجابة مناعية أفضل.

يقول أخصائي المناعة في أمبريال كوليدج في لندن، دانييل ألتمان: “إن الهدف الأساسي من إنتاج وتطوير اللقاحات هو تجنب هذه المعوقات (يقصد ضعف المناعة الطبيعية بعد العدوى)، وتوفير استجابة مناعية قوية وطويلة الأمد”.

لا يعني ذلك ضعف الأبحاث الحديثة التي تشير إلى انخفاض مستويات الأجسام المضادة لدى مرضى COVID-19، ويبقى المبدأ العام في تتبع مستويات الأجسام المضادة الفيروسية لتقدير المناعة ضد مرض معين، حيث تتعرف الأجسام المضادة على أحد أجزاء الفيروس وتلتصق به، فإما أن توثّق شكله لتقوم بالقضاء عليه لاحقًا أو تدمر العامل الممرض مباشرة، ويبقى الجسم في حالة تأهب دائم لمحاربة العدوى في المستقبل طالما يحتفظ المريض بالعدد الكافي من الأجسام المضادة للفيروس في مجرى الدم. وتعمل اللقاحات بشكل عام وفق المبدأ ذاته، مما يحفز الجهاز المناعي لإنتاج الأجسام المضادة مسبقًا.

وكما تخبرنا عالمة المناعة في جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو ومعهد باركر للعلاج المناعي للسرطان، ليزا باترفيلد: “درس العلماء العديد من الأجسام المضادة المختلفة على مدى عقود، وقاموا بتحليلها وفق معايير موحدة وبمجرد تطوير الاختبارات الخاصة بـCOVID-19، أصبح من السهل نسبيًا تتبع مستويات الأجسام المضادة بمرور الوقت”.

وقد أدى تتبع مستويات الأجسام المضادة هذه لدى المرضى إلى الحصول على نتائج بدت للوهلة الأولى قريبة إلى الواقع، حيث توصلت دراسة أولية نشرها الباحثون في medRxiv في منتصف تموز/يوليو في king’s college London إلى أن الأفراد الذين أصابتهم عدوى خفيفة قد فقدوا تقريبًا جميع الأجسام المضادة بعد 60 يومًا من الإصابة (لم تُنشر هذه الدراسة بعد في أي من المجلات العلمية المحكمة). كما توصلت دراسة أخرى عُرضت على مجلة نيو إنجلاند الطبية New England إلى نتائج مشابهة، حيث وجدت أن مستويات الأجسام المضادة قد انخفضت بشكل كبير خلال 90 يومًا من الإصابة بالفيروس التاجي.

إلا أن هذا النقص في أعداد الأجسام المضادة، سريريًا قد لا يشكل مسارًا للقلق، فبحسب ستيفن فارجا، أخصائي المناعة في جامعة آيوا: “ربما نبالغ في هذه الاستنتاجات بعض الشيء، فنحن نودّ بالطبع أن نصل إلى استجابة مناعية مستمرة وطويلة الأمد، ولكن من الطبيعي أن يحصل انخفاض في مستويات عيار الأجسام المضادة بمرور الوقت، ولا أعتقد أن الانخفاض الذي تظهره هذه الأبحاث يمكن أن يشكل مدعاة للقلق”.

إضافة إلى ما سبق، فإننا لا نعلم بعد الكمية المطلوبة من الأجسام المضادة واللازمة لمنع العدوى، بحسب ما تخبرنا به باترفيلد، وتضيف: “قد تكون المستويات المنخفضة من الأجسام المضادة الجيدة والفعالة كافية لمنع الإصابة مجددًا”.

ما وراء الأجسام المضادة

تعد الأجسام المضادة جزءًا صغيرًا من النظام المناعي المعقد لدى الإنسان. تنقسم خلايا الدم البيضاء في الجهاز المناعي إلى فئتين أساسيتين: الخلايا البائية (B) التي تصنع الأجسام المضادة، والخلايا التائية (T) التي ترتبط بالخلايا المصابة وتقتلها، ويمكن لكل من هذه الخلايا أن تعيش في الجسم لعقود، حيث تتفعّل وتتكاثر عند التعرض لعامل ممرض سبق للجسم أن واجهه من قبل.

قد يدل تضاؤل ​​مستويات الأجسام المضادة على انخفاض المناعة المتواسطة بالخلايا البائية بعد بضعة أسابيع من العدوى، لكن ذلك لا يعني بالضرورة انخفاض مستويات الخلايا التائية بمعدلات مماثلة، بل إن دراسة حديثة نُشرت في دورية Nature وجدت أن 23 مريضًا تعافوا من السارس (SARS)، وهو أحد الفيروسات ذات الصلة ب COVID-19، لم يفقدوا نهائيًا الخلايا التائية المتشكلة ضد السارس بعد أكثر من 15 عامًا من تفشي المرض الذي انتهى في عام 2003، كما وجدت دراسة نُشرت في medRxiv في تموز/يونيو أن بعض المرضى الذين لم يتمكن الخبراء من كشف أجسام مضادة لـCOVID-19 لديهم قد احتفظوا بمناعة الخلايا التائية المتشكلة ضد الفيروس المسبب لهذا المرض.

يحذرنا الدكتور ألتمان من: “أن العائق الوحيد هو أننا لم نجد دليلًا قويًا على قدرة الخلايا التائية على العمل وحدها بمعزل عن الأجسام المضادة. ويبقى السؤال الأهم هل تكون الخلايا التائية وحدها كافية لإنقاذك في خضم المعركة؟”

فالاستجابة المناعية القوية تنطوي عادةً على العمل المشترك للنوعين التائي والبائي. ويعود ألتمان ليثير الشكوك حول قدرة الخلايا التائية على منع العدوى بدون تدخل الخلايا البائية، حيث يقول: “لقد شاهدت أمثلة لمرضى يعانون من نقص في الخلايا البائية لكنهم تعافوا من COVID-19، إلا أن التحكيم العلمي لم يقدم بعد الإثباتات على أن الخلايا التائية بمفردها هي التي تقي من العدوى”.

الأمل في اللقاح لا يزال قائمًا

بغض النظر عما تعنيه المستويات المتضائلة من الأجسام المضادة بالنسبة للمناعة، فإن هذه البيانات لا تمثل بالتأكيد انتكاسة كبيرة لأي من اللقاحات المحتملة لـCOVID-19، فحتى لو انتهى الأمر بلقاح ينتج أجسامًا مضادة تنخفض أعدادها بعد بضعة أشهر، وحتى إذا كان عدد الأجسام المضادة منخفضًا بما يكفي لتعرّض المرضى للعدوى مجددًا، وحتى في حال ثبت أن الخلايا التائية لا تكفي وحدها لمحاربة المرض، وهذا السيناريو غير محتمل، قد يكون اللقاح قصير المدى كافيًا لإيقاف آثار هذه الجائحة.

يقول فارغا: “لا نحتاج بالضرورة إلى مناعة تدوم عشرين سنة حتى نقول أننا حصلنا على لقاح فعال، فنحن بحاجة إلى شيء يمنحنا المناعة على مدى قصير، وكافٍ ليمكّننا من كسر حلقة العدوى هذه”.

يتابع ألتمان: “مبعث الأمل هو أن اللقاحات المحتملة والأكثر تقدمًا لا تعتمد على حقن الفيروسات الميتة أو المضعفة التي يمكن أن تنتج استجابات مناعية مخيبة للآمال مماثلة لتلك التي لوحظت في حالة العدوى الطبيعية”. بدلاً من ذلك، يستخدم المطورون المتنافسون كلقاحات أوكسفورد أو مودرنا تقنيات جديدة نسبيًا، حيث يستخدم لقاح أكسفورد نسخة معدلة وراثيًا من فيروسات الزكام لنقل المواد الوراثية من فيروس كورونا المستجد، بينما يستخدم لقاح مودرنا الـRNA المرسال أو (mRNA) لتوجيه الخلايا لتكوين جزء صغير جدًا من الفيروس التاجي الجديد.

قد ينتج عن هاتين الطريقتين استجابات مناعية طويلة الأمد أفضل مما قد تنتجه اللقاحات التقليدية المصنوعة من الفيروس الكامل، كونها قابلة للتعديل والاختبار بشكل سريع ضمن الخلايا لإنتاج استجابة مناعية قوية ودائمة، ويضيف ألتمان: “لم تُجرى الموافقة حتى الآن على أي لقاحات معدلة أو لقاحات mRNA صالحة للاستخدام البشري، لكننّي سأصاب بالصدمة إذا ما شكّل انخفاض مستويات الأجسام المضادة مشكلة حقيقية بالنسبة إلى هذه اللقاحات”.

المصادر: 1