هل يقلل العلم من أهمية الدين؟

إن المقارنة بين العلم والدين واعتبارهما طرفي نقيضين من ناحية الاعتقاد بإحداهما هو تجاهل للغايات التي يتميز بها كل منهما.

كثيرًا ما ينظر إلى العلم والدين (الحقائق مقابل العقائد)، على أنهما أمران متعارضان. لكن إذا أدركت غاية كل منهما والأسئلة التي يختص كل منهما بالإجابة عليها، تصبح المقارنة أقل تنافرًا وأكثر منطقية.

يتناول هذا المقال آراء عدد من علماء الدين وعالم أحياء بدائيات واختصاصي أمراض عصبية وممثل هزلي بالإضافة إلى العديد من العقول المفكّرة، الذين يناقشون دور الدين الجوهري، من بين جملة من الأمور، إلى جانب تأثير قوة الرموز، وحاجة الإنسان إلى تعلم واستكشاف ومعرفة العالم من حوله وذلك لكي يصبح مكانًا أقل إثارة للخوف.

يقول فرانسيس كولنز Francis Collins، وهو أخصائي أمريكي بعلم الوراثة، ومدير المعهد الوطني للصحة: «أعتقد أن معظم الأشخاص مقتنعون بفكرة أن العلم هو المنهج الموثوق لمعرفة الطبيعة، لكنه ليس المصدر الوحيد، هناك رأي آخر للدين والعقائد والفلسفة. لم يكن التوفيق بين وجهات النظر محط اهتمام، لطالما كان الاهتمام منصبًا على إبراز الاختلافات بدلًا من العثور على توافقات».

إليكم بعضًا من الآراء المختلفة التي أخذت من مقابلات مصورة أجراها موقع (Big Think) مع عدد من العلماء والمفكرين والفنانين.

فرانس دي وال France de Wall، عالم أحياء البدائيات:

«إن الدين مثير للاهتمام لأنه فكرة عالمية، فكل المجتمعات الإنسانية تؤمن بالغيبيات، ولديها اعتقاد ديني بطريقة أو بأخرى».

رضا أصلان Reza Aslan، عالم دين:

«لطالما كان الدين جزءًا من التجربة الإنسانية منذ بدء الحياة، في الحقيقة يمكن تقصي أصول التجربة الدينية حتى قبل ظهور سلالة الإنسان العاقل homo sapiens، على الأرجح يمكن إرجاع تاريخ الأديان إلى سلالة الإنسان البدائي Neanderthals، وفي احتمالية أقل يعود تاريخ بدء الأديان إلى سلالة الإنسان المنتصب homo erectus، إذاً نتحدث عن فترة ما قبل ظهور سلالة جنسنا البشري الحالي بمئات آلاف السنين».

روبرت سابولسكي Robert Sapolsky، اختصاصي أمراض عصبية:

«كل الحضارات التي قامت على الأرض، أوجدت شكلًا لما يمكن تسميته بما فوق التفكير السحري أو الغيبي، وينسبون إليه الأشياء التي لا يمكنهم رؤيتها. نظام الإيمان بالمعتقدات أو شيء من هذا القبيل، وهذا أمر عالمي».

يضيف أصلان Aslan: «إن التفكير الديني مزروع ضمن عملية تفكيرنا الإدراكي، إنه نظام معرفي، ولد معنا وهو جزء من جيناتنا. إذاً علينا أن نفهم غايته، لا بد أن هناك سببًا جوهريًا، لا بد أن التجربة الدينية والإيمانية لها فائدة محورية، وإلا لما كانت موجودة».

ويضيف سابولسكيSapolsky: «الاعتقاد الديني يقدم لنا أسباب منطقية لمعنى لوجودنا، إنه وسيلة ممتازة لتخفيف الضغوط، فالعالم الخارجي مكان مرعب فظيع تجري فيه الكثير من الأمور السيئة وفي النهاية سنموت جميعنا، على الأقل الاعتقاد بأن شيئًا ما أو أحد ما مسؤول عن كل هذا من شأنه أن يخفف الضغوط بحيث نعزو إليه أسباب ما يجري حولنا».

آلان دي بوتون Alain de Botton، فيلسوف:

«جاء الدين من فكرة أننا تائهون بين الخير والشر، وعلى الرغم من وجود الأصل الخيّر فينا إلا أنه يتم إغواءه باستمرار، إذًا ما يحتاجه الإنسان هو نظام يحاول إعادته باستمرار إلى طبيعته الطيبة الخيّرة».

ويكمل دي وال De Waal: «يبلغ عمر الأديان الحالية ما يقارب ألفي أو ثلاثة آلاف سنة، وهو عمر قصير مقارنة بعمر جنسنا البشري الذي يبلغ أكثر من ذلك بكثير. ولا أتخيل أن أجدادنا قبل 1000 أو 2000 سنة لم يعرفوا الحس الأخلاقي، بالطبع كان لديهم قواعد عن كيفية التصرف، وعن الحق والظلم والاهتمام بالآخرين. كانت هذه التوجهات كلها معروفة من قبل، وهذا يعني أنه كان لديهم منظومة أخلاقية تطورت فيما بعد إلى الأديان التي نعرفها اليوم، والتي تشبه إلى حد كبير نظام الأخلاق الذي كان موجودًا من قبل. لا يمكن مراقبة تصرفات بعضنا ضمن مجموعات تحوي عدة آلاف أو ملايين من الأشخاص، ولهذا ربما أدخلت الأديان إلى المجتمعات الكبيرة حيث يقوم الإله بمراقبة كل شخص، وهذا ما أسهم في تنظيمهم وإجبارهم على استخدام الحس الأخلاقي بالمنحى المطلوب. وهكذا بدل أن نقول إن الله قد زرع فينا بذرة الأخلاق، صار الدين دافعًا للأخلاق، وهذا مرفوض بالنسبة لي».

بين جيليت Penn Jillette، ساحر:

«إن الناس طيبون، سبع مليارات شخص من أصل سبع مليارات شخص على الأرض من ذوي الفطرة الطيبة، ويمكن أن نثق بهم. دعونا نتعلم شيئًا من تجربة لاس فيغاس، شيئًا عن القمار. لنتعلم كيف يكسب اللاعبون الأرباح. ويبقى أصحاب المشروع هم الرابحون دائماً. في هذه الحالة يخرج الجميع من اللعبة رابحًا».

بيل ناي Bill Nye، مقدم برامج علمية ويعرف باسم صبي العلوم science guy:

«لنقارن بين الأخلاق والدين من حيث إن كان هناك فرقًا بين ما يطلبه الدين منك أن تفعله، وبين ما تشعر أنه يجب فعله، نجد أن الحس الفطري الأخلاقي مزروع بداخلك. أغلب الناس لا يميلون لارتكاب الجرائم، في حين نرى أن لدى بعض الأديان قوانين محددة ضد هذه التصرفات. هذا سلوك غير اجتماعي. عليك أن تعلم إن كان الرادع من داخلك أم من سلطة خارجية».

روب بيل Rob Bell، معلم روحاني:

«اعتقادي الروحاني أن هذه الحياة التي مُنحت لنا، وكل نفس نأخذه منها هو نعمة، هذه الحياة هدية، والشيء الذي ستفعله بها هو المهم حقًا».

بيت هولمز Pete Holmes، ممثل كوميدي:

«ليس الأمر بحقائق ثابتة، أو الكشف عما حدث في حياة يسوع الناصري. نحتاج أحيانًا لقصة، وأحيانًا نحتاج لتأويل. يمكن للقصص أن تغير سلوكك وتؤثر فيك كما تفعل الرموز هذا أيضًا. كما نرى في ثقافتنا الآن، شخصية باتمان (الرجل الخفاش) هو رمز. انظر إلى عدد الرجال الذين يرتدون قمصان باتمان فقط لأنه رمز. تلك قصة تحاكي دواخلنا، عن آلام صبي فقد والديه، واستطاع تحويل آلامه إلى قوى خارقة ليغير واقعه. هذا هو الرمز. كما في قصة السيد المسيح، نحن نحتاج لتلك القصة البطولية، التي لم تكن الغاية منها في نهاية المطاف الفوز في مناظرة تلفزيونية، أو إيجاد آثار الحمض النووي على كفن تورينو (قطعة قماش يقال إنها كانت الكساء الذي كُفن به السيد المسيح)، أو إثبات وجود رفاته في هذا المكان. لقد ذهبت إلى إسرائيل ودرستُ في القدس، تجدهم هناك مختلفين على مكان صلبه، هل هو هنا أم هناك؟ لكن في الحقيقة، لم يول أحد اهتمامًا بكتابة تفاصيل القصة إلا بعد مرور 150 عامًا، فلم تكن تلك غاية القصة. بل الغاية هو تغيرك الداخلي أنت، ذاتك. لا يهم كيف توصلت إلى معتقد ما. ربما بسبب صور من المنظار الفضائي Hubble، سواء كان المعتقد هو البوذية أو الإلحادية أو اللاأدرية أو الكاثوليكية، لا يهم أي سبب أوصلك إلى معتقد ما، المهم أنك توصلت لشيء بداخلك. إنها تلك الطاقة التي تشعر بها في نفسك، والأهم أنه يمكنك أن تستمع لها وتشعر بها وتتناغم معها وتطمئن لها».

يتابع بيل Bell فيقول: «لطالما وجدت أن فكرة تناقض المعتقد مع العلم غير معقولة، فكلاهما يبحث عن الحقيقة وفيهما حس التساؤل والتوقع والاكتشاف، لكن ببساطة كل منهما يبحث في جوانب مختلفة من التجربة الإنسانية. أحدهما يغوص في العناصر الخارجية الفيزيائية كالطول والعرض وقوة الجاذبية والقوة الكهرومغناطيسية، أما الآخر يبحث في العناصر الداخلية الشعورية كالعطف واللطف والمعاناة والفقدان والأحزان. كل منهما، الدين والعلم، طريقان مختلفان ويبحثان في جوانب مختلفة من التجربة الإنسانية».

فرانسيس كولنز Francis Collins، طبيب مختص بعلم الوراثة:

«مهمة العلم هي إيجاد أجوبة دقيقة لأسئلة عن كيفية سير عمل الطبيعة، تلك العملية مهمة وموثوقة إذا ما تمت بتجربة مجموعة من الفرضيات بعد جمع كمية من المعلومات، ومن ثم التوصل إلى نتائج يتم فحصها دوريًا للتأكد من فعاليتها. فمثلًا إذا كنت تبحث عن أجوبة عن عمل الطبيعة وعلم الأحياء، فالعلم هو منهجك. في حين أن الدين يطرح مجموعة أسئلة مختلفة لهذا أرى أنه ما من داع لهذا الصراع بينهما. فالأسئلة التي يجيبك عنها الدين تقع في نطاق الفلسفة: لماذا نحن كلنا هنا؟ ما الغاية من وجود شيء بدل عدمه. هل هناك إله؟ أليس من الواضح أن هذه الأسئلة ليست ذات طابع علمي، ولا يمكن للعلم أن يجيب عنها.

ويكمل ناي Nye: «الفكرة إذا كان لديك أساس ديني وتوجه يستثني العلم الحديث، فلا أعتقد أن عبء إيجاد رابط متوافق بينهما يقع على عاتق العلماء والمهندسين. التوفيق بينهما هي مهمتك. عليك أن تربط الحقائق، كما ندعوها، بنظام معتقدات متوافق معها. والمثال الذي نناقشه دائمًا في علم الجيولوجيا، هو عمر الأرض. تجادلت منذ سنتين مع شخص أصرّ أن عمر الأرض 6000 عام، وهذا خطأ واضح تمامًا. نستطيع معرفة أن هذا خطأ من خلال أبحاث على مدى قرون. وجد العلماء طبقات من الصخور، واكتشفوا كيف تشكلت، واكتشفوا عناصر مشعة تحولت كيميائيًا إلى بلورات مثل عنصري الروبيديوم والسترونتيوم بديلين لعناصر مثل البوتاسيوم والكالسيوم والأرغون وغيرها. وهذا ما قادنا إلى معرفة عمر الأرض. فإذا كان نظام معتقداتك غير متوافق مع العلوم الحديثة، فالمشكلة إذًا تكمن عند الشخص الذي يجادل أن الأرض بلا شك حديثة العهد. وليس عند أولئك الذين درسوا بنية الأرض وفهموها. لم أجد في الكتاب المقدس الإنجيل أي شيء يطابق العلوم الحديثة إلا استثناء واحدًا. فقد ذُكر في أحد الترجمات أن ناتج 22/7 هو مسافة محيط الدائرة، وهذه القيمة مقاربة جدًا للعدد (Pi)، صحيح أن الناتج لا يتجاوز ثلاث خانات لكنه مقارب جدًا لقيمة (Pi). إذًا من كتب الإنجيل كان عالماً لكنه ليس عالمًا بالعلوم الحديثة. عليك أن تحسبها جيداً يا رجل. لن تقنعني بأن عمر الأرض هو 6000 سنة! هذا مستحيل!

ثم يتابع كولنزCollins: «دراساتي في علم الجينات أثبتت لي بشكل قطعي أن داروين كان محقًا في تفسيره لكيفية مجيء الكائنات الحية عبر سلالات من الأجداد المعروفين تحت تأثير الانتقاء الطبيعي عبر مراحل طويلة من الزمن. كان داروين عارفًا أن المعلومات عن الجزيئات التي لديه محدودة جدًا. بل لم يكن لديه أدنى معلومات. أما الآن مع الترميز الرقمي للجينات صار بإمكاننا إثبات نظرية داروين التي اقترحها بأفضل شكل. وهذا بالتأكيد يشرح لنا طبيعة الكائنات الحية، لكن لدي إحساس أن كل ما اكتشفناه هو جواب لسؤال «كيف»، في حين يترك لنا جواب «لماذا» أي سبب كل هذا معلقًا في الهواء بلا جواب.

على سبيل المثال، لماذا الثوابت هي التي تحدد سلوك المادة والطاقة؟ كثابت الجاذبية مثلًا، الثوابت تمتلك قيمًا دقيقة تلغي بذلك وجود احتمالات أخرى لهذه القيم، الأمر الذي أسهم في تناسق وثبات هذا الكون، وتكمن الروعة في أن هذه القيم الثابتة تستبعد حدوث أي احتمالات قد تحدث، مما يدفعك للتفكير أنه من المحتمل أن العقل (الخالق) قد ساهم في صناعة المشهد الكوني، وفي الوقت ذاته هذا لا يعني بالضرورة أن العقل يتحكم بخطط محددة قد حدثت في عالم الطبيعة. حقيقة أنا أعارض هذه الفكرة، وأظن أن قوانين الطبيعة قد تكون نتاجًا عقليًا. أظن أنها وجهة نظر يمكن تبنيها. لكن ما إن تطبق القوانين في أمكنتها ستستمر الطبيعة وسيتمكن العلم من فهم وتفسير كيفية حدوث الظواهر ونتائجها المحتملة».

يتابع بيل Bell: «كل شيء مفعم بالرغبة لمعرفة الحقيقة والاستكشاف، ولديه مخيلة واسعة من التساؤلات. عند الحديث مع العلماء المتحمسين، ترى ذاك البريق في أعينهم وهم يقولون [هذا ما اكتشفناه، ولا نعلم ماذا ينتظرنا في القريب]. وأيضًا إذا ما تحدثت مع علماء الدين والفكر والشعراء سترى أنهم يحملون البريق ذاته في أعينهم قائلين: [نحن نتعلم ونكتشف]. بالنسبة إلي كلا الفريقين ليسوا أعداءً. بل شركاء في رقصة طويلة الأمد».

ويتابع كولنزCollins: «جزء من المشكلة أن المتطرفين قد احتلوا جزءًا كبيرًا من الساحة، مثل تلك الآراء التي نسمعها، معظمهم مقتنعون أن العلم هو المنهج الموثوق للتعلم عن الطبيعة، لكنه ليس المصدر الوحيد، هناك رأي آخر للدين والعقائد والفلسفة، لكن أخشى أن التوفيق بين وجهات النظر لم يكن محط اهتمام، لطالما كان الاهتمام منصبًا على إبراز الاختلافات بدلًا من العثور على توافقات».

ويتابع ناي Nye: «كما تعلمون أنا لست مؤمنًا، وقد أمضيت وقتًا لكي أفهم دوري في هذا الكون، وتوصلت لنتيجة أظنني أنني الأول الذي يقولها: إننا في النهاية جميعًا لا أدريون، بمعنى لا يمكننا الجزم بوجود قوة عظيمة تدير الكون أو أنها قررت ألا تديره. لا يمكن معرفة ذلك. إذًا علينا أن نختار العيش حيوات طيبة، ونحاول أن نغادر العالم أفضل مما وجدناه عليه».

أخيرًا يختتم أصلان Aslan بقوله: «لا يمكن أن نعرف كل الحقيقة يقينًا، لكن الحقيقة المؤكدة أن طريقة عمل أدمغتنا تدفعنا للاعتقاد أننا لسنا مجرد كتلة من عناصر أجسامنا المادية. إما أننا جئنا بمحض صدفة أو أن وجودنا هنا له غاية ومعنى، في النهاية كل ما ستقرره هو خيارك أنت لأنه ما من إثبات لكلا الطرفين».

المصادر: 1