محاضرات فاينمان: الفيزياء الأساسية (م2 ج1)

اضغط هنا للعودة إلى المحاضرة السابقة

2-1 مقدمة

سنختبر في هذا الفصل الأفكار الأساسية التي لدينا عن الفيزياء، أي طبيعة الأشياء كما نراها في الوقت الحالي. ولن نناقش تاريخيا كيف اختبرنا صحة كل هذه الأفكار؛ بل سنتعرف على ذلك لاحقًا.

الأشياء التي نهتم بها في العلوم تظهر بأشكال لا حصر لها، وبعدد من الصفات. على سبيل المثال، إذا كنا نقف على شاطئ وننظر إلى البحر، سنرى الماء، وارتطام الموجات، والرغوة، وحركة الماء الموجية والصوت والهواء والرياح والغيوم والشمس والسماء الزرقاء، والضوء، أيضًا هناك رمل وصخور بدرجات مختلفة من الصلابة واللون والملمس.

وهناك الحيوانات والأعشاب البحرية والجوع والمرض، والمراقب على الشاطئ، وقد يكون هناك الكثير من السعادة والفكر. أي بقعة أخرى في الطبيعة لديها مجموعة مماثلة من الأشياء والتأثيرات. هي عادة معقدة بهذا الشكل، بغض النظر عن المكان.

ويطالب الفضول أن نطرح الأسئلة، وأن نحاول وضع الأمور معًا؛ نحاول أن نفهم هذا العدد الكبير من الجوانب التي ربما نتجت عن عوامل قليلة نسبيًا من الأشياء الأساسية والقوى التي تعمل في تركيبات لا حصر لها. على سبيل المثال: هل الرمل مختلف عن الصخور؟ بمعنى، هل قد يكون الرمل مجرد عدد كبير من الحجارة الصغيرة جدًا؟ وهل القمر صخرة عظيمة؟ وإذا فهمنا الصخور، فهل نفهم أيضًا الرمال والقمر؟ هل تُماثِل حركة الريح في الجو تمايل الماء في البحر؟ وما السمات المشتركة بين الحركات المختلفة؟ وما المشترك بين الأصوات المختلفة؟ وكم من الألوان هناك؟ وهلم جرًا.

هكذا نحاول تحليل كل الأشياء تدريجيًا؛ لتوحيد الأشياء التي تبدو مختلفة لأول وهلة، بأمل أن نستطيع تقليص الأشياء المختلفة وبالتالي نفهمها بشكل أفضل.

ابتكرت قبل عدة قرون طريقة للعثور على إجابات جزئيّة لهكذا أسئلة، يقوم هذا الابتكار على الملاحظة والسبب والتجربة لتشكل معًا ما يعرف بالمنهج العلمي. وعلينا أن نقتصر على وصف صرف لنظرتنا الأساسية لما يعرف بالفيزياء الأساسية أو الأفكار الأساسية الناتجة عن تطبيق المنهج العلمي.

ماذا نعني ب «فهم» شيء ما؟ يمكننا أن نتصور أن هذه المصفوفة المعقدة من الأشياء المتحركة التي تشكل «العالم» هي شيء مثل لعبة شطرنج كبيرة تلعب من قبل الآلهة، ونحن مراقبون للعبة؛ نحن لا نعرف ما هي قواعد اللعبة؛ كل ما يُسْمَح لنا به هو مشاهدة اللعب. بطبيعة الحال، فإن مشاهدة اللعبة لوقت كاف قادر على جعلنا نفهم عددًا قليلًا من القواعد.

قواعد اللعبة هي ما نعنيه بالفيزياء الأساسية. لكن حتى مع معرفتنا بكل قاعدة، قد لا نكون قادرين على فهم لماذا اتخذت خطوة معينة في اللعبة، لأنها معقدة للغاية وعقولنا محدودة.

لو كنت لاعب شطرنج فأنت تعرف أن من السهل معرفة جميع القواعد لكن غالبًا ما يكون من الصعب المستصعب اختيار النقلة الأفضل أو فهم نقلات لاعب ما. وهكذا الأمر في الطبيعة، لكن بتعقيد أكبر. ورغم أننا قد نستطيع معرفة جميع القواعد يومًا ما لكننا لا نعرفها إلى الآن.

يحدث كل حين شيء مثل التحصين castling لا نفهمه إلى الآن [التحصين في الشطرنج هي نقلة غريبة يتبادل فيها الملك والقلعة الأماكن جزئيًا]. وبجانب عدم معرفة كل القواعد، لكن ما يمكننا حقًا أن نفسره باستخدام تلك القواعد محدود جدًا، لأن جميع الحالات تقريبًا هائلة جدًا ومعقدة لدرجة أننا لا يمكن أن نتتبع خطوات اللعبة باستخدام القواعد، فلا تخبرنا إلا بقليل مما سيحدث بعد ذلك. ولذلك، يجب أن نحد أنفسنا إلى التساؤل عن شيء أبسط هو «قواعد اللعبة». وإذا عرفنا القواعد سنعتبر أننا «فهمنا» العالم.

لكن إذا لم نتمكن من تحليل اللعبة بشكل جيد للغاية فما الذي سيخبرنا ما إذا كانت القواعد التي «نخمنها» صحيحة؟ حسنًا هناك، ثلاث طرق تقريبًا.

أولا، قد تكون هناك حالات رتبتها الطبيعة، أو أننا رتبنا الطبيعة، لتكون بسيطة وفيها أجزاء قليلة بحيث يمكننا تخمين ما سيحدث بالضبط، وهكذا يمكننا التحقق من صلاحية قواعدنا (مثلا قد تكون هناك فقط بضع قطع تتحرك في إحدى زوايا رقعة الشطرنج، وهذا يتيح لنا فهمها بشكل جيد).

الطريقة الثانية للتحقق من القواعد هي عن طريق قواعد فرعية مشتقة منها. على سبيل المثال فإن قاعدة نقل الفيل على رقعة الشطرنج هي إنه يتحرك فقط بشكل قطري؛ ويمكن للمرء أن يستنتج بصرف النظر عن عدد النقلات التي حدثت أن فيلًا معيّنًا سيكون دائمًا على مربع أحمر (باعتبار أن رقعة الشطرنج هنا بالأحمر والأسود، فيكون فيل على مربع أحمر وآخر على مربع أسود). وهكذا نستطيع التحقق دائما من صحة نظريتنا عن حركة الفيل دون متابعة جميع الحركات عن طريق رصد أن الفيل دائمًا على مربع أحمر.

وبالطبع سيكون الحال هكذا ولفترة طويلة، إلى أن نجد الفيل قد صار فجأة على مربع أسود (ما حدث بالطبع أن الفيل قد أُكل وخرج من اللعبة، ولاحقًا وصل أحد البيادق إلى مربع الترقية queening square وتحول إلى فيل جديد على مربع أسود).

وهذه هي الطريقة التي تعمل بها الفيزياء. سيكون لدينا لفترة طويلة قاعدة تعمل بشكل ممتاز عمومًا، حتى عندما لا نتمكن من متابعة التفاصيل، وبعد بعض الوقت قد نكتشف قاعدة جديدة. من وجهة نظر الفيزياء الأساسية: الظواهر الأكثر إثارة للاهتمام هي بطبيعة الحال في الأماكن الجديدة، أي في الأماكن التي لا تعمل بها القواعد، وهذه هي الطريقة التي نكتشف بها قواعد جديدة.

أما الطريقة الثالثة لمعرفة ما إذا كانت أفكارنا صحيحة أم لا، فهي طريقة بدائية لكن ربما أفضلها جميعًا. فلو كنا لا نستطيع أن نفهم لماذا يحرك (ألكسندر أليخين) [لاعب شطرنج عظيم وبطل العالم سابقًا] هذه القطعة الخاصة، ربما يمكننا أن نفهم تقريبًا أنه يجمع قطعه حول الملك لحمايته، لأن هذا هو الشيء المعقول الذي يجب القيام به في هذه الظروف. بنفس الطريقة، يمكننا في كثير من الأحيان فهم الطبيعة -نوعًا ما- دون أن نكون قادرين على رؤية ما تقوم به كل قطعة صغيرة، وذلك عن طريق فهمنا للعبة.

في البدء قُسمَت ظواهر الطبيعة إلى فئات مثل الحرارة والكهرباء والميكانيكا والمغناطيسية وخصائص المادة والظواهر الكيميائية والضوء أو البصريات والأشعة السينية والفيزياء النووية والجاذبية والظواهر الميزونية [جسيم أصغر من الذرة] وما إلى ذلك. لكن الهدف هو أن نرى الطبيعة بمجملها باعتبارها جوانب مختلفة لمجموعة واحدة من الظواهر. وهذه هي مشكلة الفيزياء النظرية الأساسية اليوم: إيجاد القوانين وراء التجربة وإدماج هذه الفئات.

تاريخيًا، دائما ما كنا قادرين على دمجها، ولكن مع مرور الوقت اكتُشِفَت أشياء جديدة. كنا نوحد الأفكار بشكل جيد جدًا، لكن فجأة اكتشفنا الأشعة السينية. وحين وحدنا الأشياء أكثر وجدت الميزونات. وهكذا يبدو الأمر فوضويًا في أي مرحلة من مراحل اللعبة. هناك الكثير من الدمج، ولكن هناك دائمًا العديد من الأسلاك أو الخيوط العالقة في كل الاتجاهات. وهذا هو الوضع اليوم، والذي سنحاول وصفه.

هذه بعض الأمثلة التاريخية عن التوحيد. أولًا، الحرارة والميكانيكا: عندما تكون الذرات في حالة حركة، مزيد من الحركة يعني بالضرورة مزيد من الحرارة التي يحتويها النظام، وهكذا الحرارة وجميع آثار درجة الحرارة يمكن أن تمثلها قوانين الميكانيكا.

هناك دمجٌ مدهشٌ آخر، وهو اكتشاف العلاقة بين الكهرباء والمغناطيسية والضوء، التي تبيّن أنها جوانب مختلفة من الشيء نفسه، والذي نسميه اليوم المجال الكهرومغناطيسي. والاندماج الآخر هو توحيد الظواهر الكيميائية (الخصائص المختلفة للمواد المختلفة) مع سلوك الجسيمات الذرية، الذي يعرف بكيمياء الكم.

والسؤال الملح هنا، هل من الممكن دمج كل شيء؟ واكتشاف أن هذا العالم يمثل جوانب مختلفة من شيء واحد؟ لا أحد يعرف. كل ما نعلمه هو أننا نجد ونحن نمضي قدمًا أننا نستطيع توحيد القطع ثم نجد قطعًا جديدة لا تتناسب، وهكذا نواصل محاولة تركيب قطع الأحجية معًا.

بكل الأحوال، إذا كان هناك عدد محدود من القطع، أو إذا كان هناك حدود للأحجية، هو بالطبع أمر غير معروف. لا أحد سيعرف حتى ننتهي من الصورة الكاملة، إن كان ذلك بإمكاننا حقًا. ما نود أن نفعله هنا هو معرفة إلى أي مدى وصلت عملية الدمج هذه، وما هي الحالة الراهنة في فهم الظواهر الأساسية باستخدام أصغر مجموعة من المبادئ الأساسية. للتعبير عن ذلك بطريقة بسيطة: مم تتكون الأشياء وكم من قلائل العناصر هناك؟

2-2 فيزياء ما قبل العشرينيات

من الصعب قليلًا أن نبدأ مباشرةً بالنظرة الحالية للفيزياء، لذلك سنرى أولًا كيف كانت الأمور في قرابة العام 1920 ثم سنأخذ بعض الأشياء من تلك الصورة. قبل عام 1920، كانت صورة عالمنا شيئًا مثل: «مسرح» حيث الكون فضاء (مكان) ثلاثي الأبعاد هندسيًا، كما وصفها إقليدس، والأشياء تتغير في وسط يسمى الوقت (زمن).

العناصر على المسرح هي الجسيمات، على سبيل المثال الذرات، والتي لها بعض الخصائص. أولا، خاصية القصور الذاتي: إذا كان الجسيم يتحرك فإنه يبقى متحركًا في نفس الاتجاه ما لم تؤثر عليه قوة أخرى. والعنصر الثاني هو القوى التي يعتقد أنها من نوعين: أولا، نوع معقد جدًا هو قوة تفاعل مفصلة تجمع الذرات في تراكيب مختلفة بطريقة معقدة، وهذا يحدد ما إذا كان الملح سيذوب بشكل أسرع أو أبطأ عندما نرفع درجة الحرارة.

القوة الأخرى التي كانت معروفة هي التفاعل طويل المدى -جذب سلس وهادئ- الذي يتناسب عكسيًا مع مربع المسافة، ويسمى بالجاذبية. وكان هذا القانون معروف وبسيط جدًا. لكن غير المعروف كان لماذا تظل الأجسام في حالة حركة عندما تتحرك، أو لماذا هناك قانون الجاذبية أصلًا.

وصف الطبيعة هو ما نهتم به هنا. ومن وجهة النظر هذه، فإن الغاز، وكل المواد الأخرى، هي عدد لا يحصى من الجزيئات المتحركة. وهكذا قد نستطيع توحيد العديد من الأشياء التي نراها بينما نقف على شاطئ البحر!

وهكذا يكون الضغط بسبب تصادم الذرات بالجدران أو أيا كان. وانجراف الذرات -إذا تحركت في اتجاه واحد في المعدل- هو الرياح. والحركة العشوائية الداخلية هي الحرارة!

وهناك موجات من الكثافة المفرطة حيث تتجمع كثير من الجسيمات التي كلما تحركت دفعت كومة جسيمات إلى الخارج وهكذا. موجة الكثافة المفرطة هذه هي الصوت. وإنه لإنجاز عظيم أن نكون قادرين على فهم هذا القدر! وبعض هذه الأشياء قد وصفت في الفصل السابق.

ما أنواع الجسيمات المعروفة وقتها؟ كان هناك 92: 92 نوع مختلف من الذرات اكتشفت في نهاية المطاف. كانت لديهم أسماء مختلفة مرتبطة بخواصها الكيميائية.

لقد كان الجزء التالي من المشكلة، ما هي القوى قصيرة المدى؟ لماذا تجذب ذرة الكربون ذرة أكسجين واحدة أو ربما اثنتين، ولكن ليس ثلاثة ذرات من الأكسجين؟ ما هي آلية التفاعل بين الذرات؟ هل هي الجاذبية؟ الجواب هو لا. الجاذبية ضعيفة جدًا.

لكن تخيل قوة مماثلة للجاذبية، متغيرة عكسيًا مع مربع المسافة، ولكنها أكبر بشكل كبير مع وجود فارق واحد: في الجاذبية كل شيء يجذب كل شيء آخر، ولكن الآن تخيل أن هناك نوعين من «الأشياء»، وأن هذه القوة الجديدة (القوة الكهربائية، بالطبع) لديها خاصية بحيث إن الأشياء المتشابهة تتنافر والمختلفة تتجاذب. ويسمى «الشيء» الذي يحمل هذا التفاعل القوي بالشحنة.

ثم ماذا لدينا؟ لنفترض أن لدينا اثنتين من الشحنات المختلفة التي تجذب بعضها البعض (موجبة وسالبة) وإنهما قريبتان من بعضهما جدًا. ولنفترض أن لدينا شحنة أخرى على بعد مسافة بعيدة. هل ستشعر هذه الأخيرة بأي جذب؟ إنها لن تشعر فعليًا بأي شيء، لأن – إذا كانت الشحنتان متساويتين- انجذابها نحو إحدى الشحنتين يساوي نفورها من الأخرى، وهكذا يكون في اتزان.

لذلك، ستكون هناك قوة صغيرة في أي مسافة معتبرة. من ناحية أخرى لو قربنا الشحنة الإضافية سيزيد التجاذب في النظام لأن تنافر المتماثلتين وتجاذب المختلفتين سيقرب الشحنات المختلفة ويبعد المتشابهة من النظام، وبالتالي سيكون التنافر أقل من التجاذب.

وهذا يفسر لماذا تتبادل الذرات -المكونة من شحنات كهربائية موجبة وسالبة- فقط قوى ضئيلة حينما تُفصل عن بعضها بمسافات معتبرة (بعيدًا عن تأثير الجاذبية).

عندما تقترب الذرات من بعضها البعض، سيمكنها «رؤية داخل بعضها» وإعادة ترتيب شحناتها، ونتيجة لذلك يصبح بينهم تفاعل قوي جدًا. فالأساس الحقيقي للتفاعل بين الذرات هو الكهرباء. وبما أن هذه القوة هائلة جدًا، فإن جميع الشحنات الموجبة وجميع الشحنات السالبة ستتراكب طبيعيًا مع بعضها البعض بشكل قوي.

كل شيء في الوجود، حتى نحن، مصنوع من حبيبات دقيقة، والتفاعل بين أجزائها الموجبة والسالبة قوي جدًا ومحصلته تساوي صفرًا. لكن مرة كل حين، عن طريق الصدفة، قد نكتسب (بالاحتكاك) بضع شحنات سالبة أو عدد قليل من الشحنات الموجبة (عادة ما يكون من الأسهل كسب الشحنات السالبة)، وفي هذه الظروف نجد قوة الكهرباء غير متوازنة، ويمكننا بعد ذلك أن نرى آثار جاذبية الكهرباء.

لكي نعطي فكرة عن مدى قوة الكهرباء مقارنة بالجاذبية، افترض وجود حبتين من الرمال بقطر ميليمتر ويبعدان عن بعضهما ثلاثين مترًا. لو أن القوة بينهما ليست متوازنة، ولو أن كل شيء يجذب كل شيء آخر عوضًا عن وجود قوى التنافر بين الأجسام المتشابهة، بحيث لا تلغي الشحنات بعضها، ما مقدار القوة التي ستتواجد وقتها؟ حسنًا، سيكون هناك حوالي 3 مليون طن بين حبتي الرمل!! أترى، مجرد زيادة بسيطة في عدد الجسيمات الموجبة أو السالبة (أو نقصان بسيط) يكفي لتوفير تأثير كهربائي معتبر.

وهذا هو السبب في أنك لا ترى فرقا بين الأشياء المشحونة كهربائيا وغير المشحونة، حيث إن الشحن من عدمه يحتاج إلى عدد بسيط من الجسيمات التي تكاد لا تؤثر في وزن الجسم وحجمه.

[المعنى من وجود شحنتين كهربائيتين بقطر مليمتر ومسافة فاصلة بنحو ثلاثين مترًا ينشأ بينهما قوة جذب قدرها نحو 3 مليون طن هو لتوضيح الفرق بين تأثير الجاذبية بين كتلتين وتأثير الكهرباء بين ذات الكتلتين، الذي كما رأينا كان مهولًا! وفي الحقيقة حجم الشحنات الكهربية أصغر من ذلك كثيرًا جدًا لكن تكبير المقياس يعطي مقارنة واضحة. المترجم‌].

هذا التصور جعل الذرات أسهل للفهم، كان يعتقد أن للذرة «نواة» كبيرة في المنتصف ذات شحنة كهربائية موجبة، يحيط بها عدد معين من «الإلكترونات» الخفيفة سالبة الشحنة.

ونتقدم قليلا في المسار الزمني لقصتنا لننوّه إلى اكتشاف أن في النواة نفسها هناك نوعان من الجسيمات: البروتونات موجبة الشحنة والنيوترونات عديمة الشحنة، وللجسيمين ذات الوزن الثقيل نسبيًا.

لو أن لدينا ذرة في نواتها ستة بروتونات وتحيط بالنواة ستة إلكترونات (إن الجسيمات السالبة في عالم المادة الاعتيادي كلها إلكترونات، وهي خفيفة جدًا مقارنة مع البروتونات والنيوترونات التي تشكل النواة) فإن هذه الذرة ستكون السادسة في ترتيب الجدول الكيميائي وتسمى الكربون. وبذات الطريقة فإن الذرة الثامنة في الجدول الكيميائي تسمى أكسجين وهكذا. هذا لأن الخصائص الكيميائية تعتمد على الإلكترونات في المدار الخارجي، وتحديدًا وحصرًا على عددها هناك.

وبالتالي فإن الخصائص الكيميائية للمادة تعتمد فقط على عدد الإلكترونات. (يمكن تسمية قائمة جميع العناصر للكيميائي كالتالي: 1، 2، 3، 4، 5.. إلخ. فبدلًا من قول «الكربون»، يمكننا القول «عنصر رقم ستة»، وهذا يعني ستة إلكترونات، لكن لم يكن معروفًا أن العناصر يمكن ترقيمها بهذه الطريقة عندما اكتشفت لأول مرة، وايضًا، هذا سيجعل كل شيء يبدو معقدًا نوعًا ما. من الأفضل أن تكون العناصر بأسماء ورموز، بدلًا من تسمية كل عنصر برقم).

واكتشف المزيد عن القوة الكهربائية، فرغم أن التفسير الطبيعي للتفاعل الكهربائي يقول ببساطة إن هناك جسمان يجذبان بعضهما: موجب وسالب، لكن اُكتشِف قصور هذه الفكرة عن تمثيل الوضع. التمثيل الأنسب للحالة هو القول إن وجود الشحنة الموجبة يشوه، أو يصنع «شرطًا» في الفراغ، بحيث حين نضع فيه شحنة سالبة فإنها تتأثر بالقوة.

وتسمى هذه الإمكانية لإنتاج قوة بالمجال الكهربائي. وعندما نضع إلكترونًا في حقل كهربائي، نقول إنه «سُحِبَ». وهكذا لدينا قاعدتان:

  1. الشحنات تخلق مجالًا.
  2. الشحنات في المجالات تؤثر عليها قوى وتحركها.

وسبب ذلك سيصبح واضحًا عندما نناقش الظاهرة التالية: إذا شحنّا جسمًا كهربائيًا وليكن مشطًا، ثم وضعنا قطعة مشحونة من الورق على مسافة وحركنا المشط ذهابا وإيابا، فستتفاعل الورقة مع المشط بالانجذاب إليه.

وعندما نحرك المشط ببطء، نجد تعقيدًا هو المغناطيسية، وكون المغناطيسية تترافق مع الشحنات المتحركة، يجعل المغناطيسية والكهربائية وجهان لعملة واحدة فكلاهما متعلقان بذات المجال ولا يمكن أن يوجد مجال كهربائي متغير بدون المغناطيسية

وإذا هززنا المشط بشكل أسرع، سنكتشف أن بعض الورق متأخر قليلًا؛ هناك تأخير في الاستجابة. وإذا أبعدنا الوريقات المشحونة لمسافة أبعد، يصبح التأخير أكبر. وهنا نلاحظ أمرًا مهمًا: بالرغم من أن القوى المتبادلة بين الجسمين المشحونين تتناسب عكسيًا مع مربع المسافة بينهما، لكننا نجد عندما نحرك شحنة أن التأثير يمتد لأبعد مما نعتقد من أول وهلة! وهذا يعني إن التأثير يضعف أبطأ من مربع المسافة المعكوس (1/ المسافة^2).

لتوضيح الموضوع: إذا كنا في بركة ماء وهناك قطعة فلين عائمة قريبة جدًا، فيمكننا تحريكها «مباشرة» عن طريق دفع الماء باستخدام قطعة فلين أخرى. إذا نظرت فقط إلى قطعتي الفلين فإن كل ما تراه هو أن إحداهما تتحرك استجابة لحركة الأخرى؛ هناك نوع من «التفاعل» بينهما.

بطبيعة الحال، ما نقوم به حقًا هو تحريك الماء. وهذا الماء يحرك الفلين. يمكننا أن نصنع «قانونًا» ينص على: إذا حركت الماء قليلًا، فإن أي جسم قريب في الماء سوف يتحرك. لكن إذا كان بعيدًا، فإن قطعة الفلين الأخرى ستتحرك قليلًا فقط، لأننا حركنا الماء على مستوى محدود.

من ناحية أخرى إن هززنا قطعة الفلين فستنشأ ظاهرة جديدة هي أن حركة الماء هنا، تحرك الماء الأبعد وهكذا تنتقل الأمواج بعيدًا. وهكذا ينشأ عن طريق الاهتزاز تأثير يمتد بعيدًا: تأثير اهتزازي لا يمكن فهمه بطريقة التفاعل المباشر. ولهذا يجب استبدال فكرة التفاعل المباشر بفكرة وجود الماء؛ وفي حالة الكهربائية نستبدل التفاعل المباشر بما نسميه المجال الكهرومغناطيسي.

يحمل المجال الكهرومغناطيسي الموجات، بعض هذه الموجات هو الضوء وبعضها هو الموجات المستخدمة في البث الإذاعي، ولكن الاسم العام هو الموجات الكهرومغناطيسية. وللموجات المهتزة ترددات عديدة، وهذا هو الشيء الوحيد المختلف بين موجة وأخرى: تردد الذبذبات.

عند هز شحنة ذهابًا وإيابًا بسرعة متزايدة، والنظر في تأثير ذلك، سنحصل على سلسلة كاملة من أنواع مختلفة من التأثيرات، وهي كلها موحدة (ومختلفة) بعدد واحد، هو عدد الذبذبات في الثانية الواحدة.

فالتردد الناتج عن التيار الكهربائي المعتاد في الدوائر الموجودة في مساكننا هو قرابة مئة دورة في الثانية الواحدة. وإذا قمنا بزيادة التردد إلى 500 أو 1000 كيلوسايكل/ الثانية ( 1 كيلوسايكل = 1000 دورة)، سنصبح «على الهواء مباشرة»، لأن هذا هو نطاق التردد الذي يستخدم للبث الإذاعي (بالطبع الأمر لا علاقة له بالهواء! فيمكن أن يكون لدينا بث إذاعي دون أي هواء).

وإذا قمنا بزيادة التردد مرة أخرى، سنصل إلى النطاق الذي يستخدم لراديو الأف أم والتلفزيون.

وبزيادة التردد سنصل إلى أمواج أقصر في الطول الموجي مثل تلك المستخدمة في الرادار، وبزيادته أكثر لن نحتاج إلى أي أداة ل«رؤية» الأشياء إذ يمكننا أن نرى ذلك بالعين البشرية.

وإن استطعنا هز المشط [آمل ألا تكون نسيته!] بسرعة جنونية بحيث نصل إلى نطاق التردد من 5*1014 إلى 1015 دورة في الثانية ستستطيع أعيننا أن ترى تذبذب المشط المشحون بلون أحمر أو أزرق أو بنفسجي، اعتمادًا على التردد.

تُسمى الترددات الأقل من هذا النطاق الأشعة تحت الحمراء أما الترددات الأكثر منه فتسمى الأشعة فوق البنفسجية. ومن وجهة نظر الفيزياء فإن قدرتنا على الرؤية في نطاق تردد محدد لا يجعل هذا النطاق مميزًا أكثر من البقية، لكن من وجهة نظر بشرية فهو أكثر إثارة للاهتمام بالطبع.

وإذا رفعنا التردد سنحصل على الأشعة السينية، وهي ليست سوى ضوء عالي التردد، وإن رفعنا التردد أكثر سنحصل على أشعة غاما، وغالبا ما يستخدم هذان المصطلحان (الأشعة السينية وأشعة غاما) بشكل مترادف تقريبًا.

في العادة، تسمى الأشعة الكهرومغناطيسية الصادرة من أنوية الذرات بأشعة غاما، في حين أن أشعة الطاقة العالية من الذرات نفسها تسمى الأشعة السينية، ولكن لا يمكن التمييز بينهما من وجهة نظر فيزيائية في نفس التردد، بغض النظر عن مصدرها.

وإذا ذهبنا إلى ترددات أعلى من ذلك، قل إلى 1024 دورة في الثانية، نجد أننا يمكن أن نصنع تلك الموجات اصطناعيًا، على سبيل المثال من خلال المسرع الدوراني التزامني (السنكروترون Synchrotron) هنا في معهد كاليفورنيا للتقنية (كالتيك Caltech) [لم يكن مصادم الهيدرونات الكبير قد ظهر للوجود بعد]. ويمكننا أن نجد موجات كهرومغناطيسية ذات ترددات أعلى بشدة -أسرع بألف مرة- في الموجات الموجودة في الأشعة الكونية. وهذه الموجات لا يمكن لنا السيطرة عليها.

الطيف الكهرومغناطيسي

تابع قراءة الجزء الثاني من المحاضرة

المصادر: 1