Getty Images | Westend61

أسلوب التربية الكوري هو سر تربية أطفال أذكياء وناجحين

أولى الكلمات التي تعلمتها عندما كنت طفلًا هي «نونتشي»، وهي تعني حرفيًا «قياس العين».

النونتشي هو فن الإحساس بما يفكر ويشعر به الآخرون وكيفية الاستجابة له بشكل مناسب، وهو القدرة على تفحص غرفة مليئة بالأشخاص بسرعة، مع التركيز على المجموعة وليس على الأفراد.

تعد السرعة أمرًا بالغ الأهمية بالنسبة للنونتشي، فأولئك الذين يتمتعون بنونتشي سريعة يكونون واعين دائمًا ويعيدون معايرة افتراضاتهم باستمرار استنادًا إلى أي كلمة أو إيماءة أو تعبير وجه جديد.

يعد النونتشي قوة خارقة في كوريا، ويعتقد البعض بأنها تسمح لك بقراءة العقول، على الرغم من أنه لا يوجد شيء خارق في هذا.

يمكن أن يساعدك النونتشي السريع والقوي في اختيار الشريك المناسب في الحياة أو العمل، والتألق في العمل، وتحميك من أولئك الذين يسعون لإلحاق الضرر بك، كما يقلل من القلق الاجتماعي.

من السهل الخلط بين النونتشي والعواطف، فالكثير من العواطف، يمكن أن تزعزع الاستقرار، أما بالمقابل يقوم النونتشي على المراقبة الدقيقة في المقام الأول، مما يسمح لك بالبقاء ثابتًا بينما تستمع إلى شخص أخر.

عيناك وأذناك هم كل ما تحتاجه لتسخير قوة النونتشي، بالإضافة إلى عقل هادئ بالتأكيد، وهذا هو الجزء الصعب.

لماذا لا يوجد لدينا نونتشي؟

يتماشى النونتشي تمامًا مع النصائح التربوية التي يقدمها الأهل مثل: «انظر إلى الاتجاهين قبل عبور الشارع»، و«لا تضرب أختك»، ففي الأسلوب الكوري التقليدي لتربية الأطفال يقوم الآباء بتعليم أبنائهم النونتشي ابتداءً من سن الثالثة، عملًا بالمقولة المعروفة «العادة تتشكل في سن الثالثة وتستمر لسن الثمانين».

«لماذا ليس لديك نونتشي؟!» هي جملة توبيخية شائعة، يذكر الكاتب أنه عندما كان طفلًا وأساء إلى إحدى صديقات العائلة، أخبر أباه مدافعًا عن نفسه: «لم أكن أقصد إزعاج والدة جيني»، فرد عليه والده: «حقيقة أن الضرر لم يكن مقصودًا لا يجعله أفضل. إنه في الواقع يجعله أكثر سوءًا».

قد يجد بعض الغربيين صعوبة في فهم انتقاد والد الكاتب له، «ألا تفضل أن يكون طفلك لئيمًا عن غير قصد على أن يكون عن عمد؟».

ولكن فكّر بالأمر بطريقة أخرى، الأطفال الذين يختارون أن يكونوا سيئين على الأقل يعرفون ما يأملون تحقيقه من خلال هذا السوء، سواء أكان مكتسبًا من أحد الأقارب أو تمت تنشئته من قبل الوالدين.

الأطفال الذين لا يدركون العواقب المترتبة على أفعالهم أو كلماتهم على الآخرين، هم أطفال لا يملكون نونتشي. وبغض النظر عن جمالهم ولطفهم، فمن المحتمل أن يصبحوا فاشلين في حياتهم ما لم يتخلصوا من هذا الجهل.

التربية بأخذ النونتشي بالاعتبار

يقوم الآباء الكوريون بغرس النونتشي في نفوس أبنائهم وذلك من خلال تعليمهم هذا الدرس الحاسم: «الأمر لا يتعلق بك بالكامل».

أنا لست أبًا، ولكن يمكنني أن أشهد على الأهمية الكبيرة للتربية وفقًا لهذه الحكمة.

لنفترض أن هناك أمًا وابنها الذي يبلغ من العمر أربع سنوات، وينتظران في طابور للحصول على الطعام، وهنا ينفذ صبر الطفل ويبدأ بالتذمر: «نحن هنا منذ وقت طويل، أنا جائع». ولكن رد الأم الكورية لن يكون «أوه، أيها المسكين، أنا آسفة، لدي بعض العنب في حقيبتي خذها، سوف تُسكت جوعك». بدلًا من ذلك ستقول له: «هل تعتقد أنك الوحيد الذي ينتظر جائعًا في الصف، انظر حولك، الجميع ينتظرون في الصف مثلك تمامًا«.

هذا النوع من التربية يهدف إلى تعليم الأطفال أنهم ليسوا محور الكون، وأن الأشياء لن تقدم لهم على طبق من فضة.

مثال آخر: بعض المدارس في كوريا لا توظف عمال النظافة.

إذ يتوقع من الطلاب أن يتناوبوا في التنظيف، ويكنسوا ويمسحوا ويخرجون القمامة، وحتى ينظفون الحمامات. ينقسم الطلاب إلى مجموعات ويتم تبادل المهام، وهنا يوجد العديد من الدروس المكتسبة، الأول: كلما كنت مرتبًا، كلما قل وقت التنظيف.

الثاني: غرس الوعي بأهمية العمل الجماعي، فعلى الطلاب احترام بيئتهم، فهم المسؤولون عن الحفاظ عليها.

أنت تحتاج إلى النونتشي

يولد البعض ولديهم نونتشي، والبعض الآخر يكتسبها، والبعض الآخر تُغرس فيهم.

أما أنا فقد غُرست فيّ النونتشي، عندما كنت في 12 من العمر انتقلت عائلتي من أمريكا إلى موطننا كوريا الجنوبية.

على الرغم من أني كنت أتحدث الإنكليزية فقط، فقد انتسبت إلى مدرسة كورية.

كانت هذه أفضل دورة نونتشي تدريبية على الإطلاق، لأنني اضطررت إلى الاندماج بثقافة جديدة بدون أي معرفة لغوية.

ومن أجل تحقيق النجاح في بلدي الجديد، كان عليّ أن أكون شديد الاعتماد على النونتشي الخاص بي، والتي أصبحت في النهاية بمثابة حاستي السادسة.

في أيامنا تلك لم يكن مسموحًا للطلاب بطرح الأسئلة أثناء الفصل، إنما يعطي المعلمون معلومات غامضة عن قصد، حول كل شيء من المكان الذي ستُجرى فيه الامتحانات إلى اللوازم أو الكتب التي يجب إحضارها.

وكان حل هذه الألغاز يعتمد على نفسك باستخدام النونتشي كجزء من تعليمك.

هذه هي الطريقة التي تعلمت بها إحدى القواعد الأساسية للنونتشي، «إذا كان بإمكانك الملاحظة بصبر، فالأسئلة مثل: ماذا تفعل، وكيفية تتصرف، وكيف ترد، ستتم الإجابة عنها دون الحاجة إلى قول كلمة».

وبعد أكثر من عام بقليل من وصولي إلى كوريا، أصبحت من الطلاب الأوائل في صفي و نلت جوائز في الرياضيات والفيزياء، وفي غضون 18 شهر، تم انتخابي عرّيفًا لفصلي. وقد حققت كل هذا على الرغم من أن لغتي الكورية كانت لا تزال سيئة جدًا.

إلى أولئك الذين لا يزالون يشككون في قوة النونتشي: «أنا دليل حيٌّ على أنك لست بحاجة إلى أن تكون الشخص الأذكى أو الأغنى أو الأكثر امتيازًا لإيجاد النجاح والسعادة في الحياة؛ ما عليك سوى الحصول على نونتشي بسرعة».

المصادر: 1