Image: © Shutterstock

لماذا يكون البشر في غاية الفضول؟

لماذا يعد الفضول هو الصفة المميزة في التجربة البشرية؟

رغبة الإنسان في المعرفة والفهم هي القوة الدافعة التي تُكمن وراء تطورنا كأشخاص وحتى وراء نجاحنا كصنف بشري. إلا أنه يمكن للفضول أن يكون خطرًا ايضًا، مؤديًا إلى تعثرات وحتى انهيارات، فلماذا ينتابنا هذا الدافع في كثير من الأحيان طوال فترة حياتنا؟

وبعبارة أخرى، لماذا البشر هم في غاية الفضول؟ وبالنظر إلى الطابع المعقد الذي يتسم به الفضول، فهل يملك العلماء تعريفًا على الأقل لهذا المحرك الغريزي؟

حب الاستطلاع متأصل للغاية، فهو يساعدنا على التعلم كالصغار والعيش كالكبار. أما بالنسبة للتعريف، فلا توجد مجموعة واحدة من الحجر. ويبدي العديد من الباحثين من مختلف الاختصاصات اهتمامًا حول الفضول، فلا عجب أنه لم يتم العثور على تعريف واسع مقبول المعنى.

وقد وصف أحد العلماء النفسيين الحديثين وليام جيمس William James، الفضول على أنه «دافعٌ نحو إدراك أفضل». وكتب ايفان بافلوف Ivan Pavlov، أن الكلاب (وبالطبع كانت الكلاب) تبدي فضولًا حول المحفزات الجديدة وذلك عبر السؤال «بما هذا؟» حيث أن هذا كردِ فعل يجعلهم يركزون تلقائيًا نحو أي شيء جديد يدخل بيئتهم.

أخبرت كاثرين تومي Katherine Twomey، محاضرة في تطوير اللغة والتواصل في جامعة مانشستر في المملكة المتحدة Live Science، بينما نحاول فهم تعريف كان قد اُثبت أنه تعريفٌ محير: «كان هناك إجماع بالرأي على أنه أحد الوسائل الخاصة بجمع المعلومات».

ويتفق العلماء النفسيين أيضًا على أن الفضول هو ليس شيئًا متعلقًا بتلبية حاجة ملحة، كالجوع أو العطش بل على العكس، هو شيء ذو دافع جوهري.

نشق طريقنا في العالم

يتضمن الفضول مجموعة كبيرة من السلوكيات، وهذا يعني إن ما يجعل البشر يتسائلون حول العالم وحول استكشاف بيئتهم هو على الأرجح ليس «شيء وراثي». حيث قيل أن الفضول يتضمن مكون وراثي. فالمورثات والبيئة تتفاعل بطرق معقدة من أجل تكوين الأشخاص وتوجيه سلوكهم، بما فيه فضولهم.

وفقًا لدراسة تم نشرها في دورية Proceedings Of The Royal society B, Biological Science، قام الباحثون بتحديد التغييرات في نوع جيني محدد وهو الأكثر شيوعًا بين الطيور المغردة الفردية والتي تحرص بشكل خاص على استكشاف بيئتها، وارتبطت الطفرات البشرية التي تدعى DRD4 بالنزعة البشرية التي تميل للبحث عن الحداثة.

يتحتم على الأطفال الرُضع تعلم كم هائل من المعلومات وخلال فترة زمنية قصيرة، بغض النظر عن تركيبتهم الوراثية، وحب الاستطلاع هو أحد الأدوات التي عثر عليها البشر لغرض انجاز هذه المهمة العظيمة.

حيث ذكرت تومي، إن لم يكن الأطفال الرُضع محبين للاستطلاع، فلن يستطيعوا تعلم أي شيء أبدًا ولم يكن التطور ليحدث.

أظهرت المئات من الدراسات أن الأطفال الرُضع يفضلون التجديد. فأوضح عالم نفسي من خلال دراسة قديمة في عام 1964 أنه كلما كبر الأطفال الرُضع الذين تتراوح أعمارهم بين 2-6 أشهر، كلما قل اهتمامهم بالنمط البصري المعقد متى ما نظروا إليه. وأشارت دراسة تم نشرها في صحيفة Developmental Psychology، عام 1983، إلى أن الأطفال الأكبر سنًا قليلًا الذين تتراوح أعمارهم بين (8-12) شهرًا، سيملون بمجرد اعتيادهم على الألعاب المألوفة، وسيفضلون بعدها الألعاب الجديدة، وهو على الأحرى سيناريو يعرفه مقدمو الرعاية جيدًا.

وإن مصطلح إعطاء الأولوية للتجديد يطلق عليه الفضول الإدراكي. وهو ما يحفز الحيوانات والأطفال الرُضع وربما الأشخاص البالغين أيضًا للبحث والسعي وراء الأشياء الجديدة قبل أن يصبحوا أقل اهتمامًا بها بعد الاستكشاف المستمر.

وكما أظهرت هذه الدراسات، فإن الأطفال الرُضع يفعلون هذا طيلة الوقت. والهذيان هو مثال على هذا.

قالت تومي: «إن الاستكشاف الذي يقومون به هو عبارة عن هذيان منظم». فعندما يبلغ عمر معظم الأطفال بضعة أشهر فقط، يبدأون بإصدار أصوات متحركة ومتكررة تشبه الكلام، كما لو أنهم يتعلمون كيفية التكلم. فالهذيان يظهر فائدة الفضول الإدراكي. فهو يبدأ كاكتشاف عشوائي تام لما يمكن أن يفعله علم التشريح الصوتي الخاص بهم.

وذكرت أيضًا، في نهاية المطاف: «سيتوصلون لشيء ما معتقدين أنه يبدو وكأنه شيء قد تفعله أمهاتهم أو آبائهم». ومن ثم سيفعلونه مرة بعد أخرى.

ولا يقتصر الأمر على الأطفال الرُضع فقط. فالغربان أيضًا مشهورة باستخدام الفضول الإدراكي كوسيلة للتعلم. على سبيل المثال، الدافع الذي يدفعهم لاكتشاف بيئتهم يساعدهم أحيانًا على تصميم أدوات بسيطة يستخدمونها لصيد اليرقات التي تكون خارج الشقوق ويصعب الوصول إليها. علاوةً على ذلك، أظهرت التجارب مع الروبوتات التي تمت برمجتها لتكون فضولية أن الاستكشاف هو طريقة قوية تستخدم لأجل التكيف مع بيئة جديدة.

جعل العالم يعمل لصالحنا

قالت تومي، وأحد أنواع الفضول الأخرى المتميزة هو الإنسان. حيث يطلق عليه العلماء النفسيين الفضول المعرفي، ويكمن بالسعي وراء المعرفة والقضاء على الشك. حيث يظهر هذا النوع من الفضول في فترة متأخرة في الحياة وقد يتطلب لغة معقدة.

أما بالنسبة لأغوستين فوينتس Agustín Fuentes، أستاذ في علم الجنس البشري في جامعة برينستون، فأوضح أن هذا الشكل من الفضول قام بفصل البشر وربما جميع أفراد الجنس البشري (جنس هومو) بعيدًا عن الحيوانات الأخرى ومهد لنا الطريق لملء كل زاوية تقريبًا من العالم، بالإضافة إلى ابتكار التقنيات وتحويلها من محاور يدوية إلى هواتف ذكية.

أخبر فوينتس Live Scienc: «تجاوز البشر في نسَبنا المميز ببساطة تغيير الطبيعة عن طريق تخيل وابتكار إمكانيات جديدة كاملة تنبثق من هذا النوع من الفضول».

وفقًا لتومي، لكن الفضول له ثمن. فإن كان بإمكان البشر تخيل شيء ما فهذا لا يعني أنه سينجح، على الأقل ليس منذ المرة الأولى. ففي بعض الحالات، المخاطر تكون منخفضة والفشل هو جزءٌ أساسي للنمو. على سبيل المثال، العديد من الأطفال يتقنون الزحف بشكل ماهر، لكنهم يقررون تجربة المشي لأنه هناك المزيد لرؤيته وفعله عندما يقفون منتصبين.

نقلًا عن الباحثين، إلا أن هذا الإنجاز يكلف قليلًا. فوثقت دراسة تم نشرها في صحيفة Psychological Science، عام 2012، والتي اُجريت على الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين (12-19) شهرًا والذين يحاولون تعلم كيفية المشي، أن هؤلاء الأطفال كانوا قد سقطوا كثيرًا في أثناء المحاولة. حوالي سبعة عشر مرةً تحديدًا. ولأن المشي أسرع من الزحف، فهذا يحفز الأطفال الماهرين بالزحف إلى الانتقال للمشي.

ولكن في بعض الأحيان، يمكن أن يؤدي اختبار فكرة جديدة إلى كارثة.

وقال فوينتس: «ربما أدى الفضول إلى انقراض الغالبية العظمى من السكان».

على سبيل المثال، ابتكر الإنويت من مناطق القطب الشمالي في جرينلاند وكندا وألاسكا وشعب السامي في المناطق الشمالية لأوروبا «وسائل رائعة لمواجهة التحديات». والتي تتعلق بالعيش في المناخات الشمالية، وذكر أيضًا: «لكن ما ننساه هو على الأحرى فشل عشرات الآلاف من السكان الذين حاولوا النجاح في هذا الأمر». وهو الوصول إلى المناظر الطبيعية الصعبة.

في نهاية المطاف، نجد أن الفضول يدور حول البقاء على قيد الحياة. وليس حول جميع البشر الفضوليين الذين عاشوا ليمرروا حبهم للاستكشاف إلى أحفادهم، بل حول هؤلاء الذين ساعدوا على خلق نوع لا يسعهُ إلا التفكير، «أتسائل ما الذي كان سيحدث لو….».

المصادر: 1