Josep Gutierrez /Moment /Getty Images
[the_ad_placement id="scine_before_content"]

هكذا عرف العلماء أن فيروس كورونا لم يُصنع مخبريًا

إحدى نظريات المؤامرة خلال هذه الجائحة هي فكرة أن فيروس كورونا تم تصنيعه مخبريًا، لكن الغالبية العظمى من العلماء الذين قاموا بدراسة هذا الفيروس يؤكدون أنه تطور بشكل طبيعي، ودخل لأجسام البشر عن طريق الحيوانات، وعلى الأغلب عن طريق الخفافيش.

كيف نعرف بالضبط أن فيروس كورونا أو المعروف علميًا باسم SARS-COV-2 له أصل حيواني وليس صناعي؟

الجواب يكمن في المادة الوراثية والتاريخ التطوري للفيروس، وفهم بيئة الخفافيش.

تقريبًا 60% من كل الأمراض المعدية المعروفة و75% من الأمراض الجديدة التي تظهر أو تعيد الظهور لها أصول حيوانية، وفيروس SARS-COV-2 هو من أحدث سبعة أنواع من الفيروسات التاجية، التي أصابت البشر، وكلها أتت من الحيوانات، إما من الخفافيش، أو الفئران، أو الحيوانات الأليفة.

الخفافيش هي مصدر الفيروسات التي تسبب الأمراض المعدية التالية: الإيبولا Ebola، وداء الكَلَبْ، والعدوى بفيروس نيباه Nipah وفيروس هيندرا Hendra، فيروس ماربورغ Marburg، وسلالات فيروسات إنفلونزا.

المحتوى الوراثي أو «الجينومي» لفيروس SARS-COV-2تم التعرف على تسلسله، ثم مشاركته مع آلاف العلماء حول العالم، لذلك لو كان تم التلاعب به مخبريًا لوجدنا إشارات على ذلك في معلومات الجينوم الخاصة به. وحينها يكون لدينا دليلًا على تسلسل غير طبيعي في أساس الفيروس الجديد، ومعلومات واضحة مستهدفة، تم إدخالها أو حذفها من العناصر الوراثية. لكن لا وجود لهذا الدليل! ومن غير المحتمل أن يتم إجراء أي تعديل وراثي على الفيروس دون أن يترك أي أثر يدل عليه، مثل قطع DNA القابلة للكشف.

إن الحمض النووي لفيروس SARS-COV-2 يشبه الحمض النووي للفيروسات التاجية الأخرى المنقولة عبر الخفافيش، وكل تلك الفيروسات لديها بنية وراثية متشابهة بشكل عام، مثل تلك التي تأتي من حيوان آكل النمل الحرشفي، كل منها تملك بناءً وراثيًا متشابهًا.

إن الاختلافات بين جينومات الفيروسات التاجية هذه تظهر أنماطًا طبيعية نمطية من مراحل تطور الفيروس التاجي. هذا يجعلنا نتوقع أن فيروس SARS-COV-2 قد تطور من فيروس تاجي برّي (طبيعي) سابق.

إن أحد المكونات الأساسية التي تجعل فيروس SARS-COV-2 مختلفًا عن الفيروسات التاجية الأخرى هو نتوء بروتيني محدد يرتبط ببروتين آخر خارج الخلايا البشرية يدعى ACE2 وبسبب هذا الارتباط يتمكن الفيروس من التعلق وغزو الخلايا البشرية بقوة.

والفيروسات التاجية المشابهة الأخرى لديها صفات مماثلة، تدل على أنها تطورت بشكل طبيعي ولم يتم تعديلها مخبريًا.

إن الفيروسات التاجية والخفافيش محكومة بسباق تسلح دائم، حيث تتطور الفيروسات فيها بشكل دائم لتغزو جهاز المناعة لدى الخفافيش، بينما تطور الخفافيش أجهزتها المناعية لتواجه العدوى من الفيروسات التاجية.

وتستمر الفيروسات بالتطور لمرات عدة وبأشكال مختلفة، لكن أغلبها ستقضي عليه أجهزة الخفافيش المناعية، بينما سينجو بعضها فقط وينتقل لخفافيش أخرى.

اقترح بعض العلماء أن فيروس SARS-COV-2 ممكن أن يكون قد تطور من فيروس خفاشيّ الأصل، معروف باسم (RaTG13) كان قد وجده العلماء في معهد ووهان لعلم الفيروسات Wuhan Institute of Virology، وكانت نسبة التشابه بين هذين الفيروسين تصل إلى 96%.

قد يبدو هذا للوهلة الأولى متقاربًا جدًا، لكن في الشروط التطورية هذا يجعلهم مختلفين بشكل جذري، وكلاهما يملك سلفًا مشتركًا شائعًا، وهذا يثبت لنا أن (RaTG13) ليس سلفًا لفيروس SARS-COV-2.

في الحقيقة من المرجح أن فيروس SARS-COV-2 قد تطور من مصادر فيروسية مختلفة، لم تستطع النجاة لفترات طويلة، أو بقيت ضمن الخفافيش بتراكيز منخفضة. وبنفس الوقت طوّر الفيروس قدرته على غزو الخلايا البشرية، وبالصدفة وجد طريقه إلينا. من الممكن أن يكون ذلك عن طريق مضيف حيواني وسيط بيننا وبين الخفافيش، كان مزدهرًا حينها. أو أنه انتقل أساسًا مباشرة إلى البشر بشكل غير مؤذ، ثم حدثت طفرة وأصبح مؤذيًا عندما بدأ ينتقل بين الناس.

الاختلافات الجينية

إن خلط أو تهجين جينومات الفيروسات التاجية هي إحدى الطرق التي تجلب فيروسات تاجية جديدة. وهناك الآن أدلة كثيرة على أن هذه العملية ممكن أن تشمل جيل فيروس SARS-COV-2.

منذ بداية الانتشار الوبائي بدأ فيروس SARS-COV-2 بالتطور لسلالتين واضحتين، حيث أصبح يتكيف ليغزو بشكل أنجح الخلايا البشرية، ومن الممكن أن يكون هذا قد حدث من خلال طريقة تدعى الغزو الانتقائي، حيث تساعد بعض الطفرات في انتقال الفيروس لعدد أكبر من المضيفين، ليصبح أكثر شيوعًا في تعداد الفيروسات، وهذه عملية طبيعية من الممكن أن تقلل بشكل كبير من التنوعات بين الجينومات الفيروسية الفردية.

نفس الآلية ستُحسب لصالح نقص التنوع الجيني في فيروس SARS-COV-2وهذا يعني أن أسلاف فيروس SARS-COV-2 موجودة وتنتقل بين الخفافيش منذ مدة طويلة. لكن لاحقًا من الممكن أن يكون قد تعرض الفيروس لطفرات جعلته ينتقل من الخفافيش إلى حيوانات أخرى ومن ضمنها الإنسان.

من المهم أيضًا أن نتذكر أن حوالي خمس الثديات على الأرض هي خفافيش، بعضها يوجد في مناطق محددة لكن بعضها الآخر يسافر لمسافات شاسعة، وهذا التنوع والانتشار الجغرافي يجعل من الصعب جدًا تحديد أي نوع بالأصل جاء منه فيروسSARS-COV-2 .

توجد أدلة أخرى على أن الحالات الأولى من مرض كوفيد-19 حدثت خارج ووهان الصينية، ولم يكن لدى هؤلاء المرضى ما يربطهم بسوق ووهان الذي بدأ فيه انتشار الإصابات.

ببساطة، من الممكن أن يكون قد أصيب الناس صدفةً ثم نقلوه هم بدورهم إلى ووهان ثم إلى السوق الشعبي المغلق والمزدحم، وهذا ما أدى إلى زيادة فرص العدوى والانتشار بشكل متسارع، وهذا تضمن إصابة أحد العلماء الذين يدرسون فيروس كورونا في الخفافيش في مدينة ووهان، دون أن يعرفوا السبب، ثم جلبوه معهم من المكان الذي تعيش فيه الخفافيش، وعلى الرغم من ذلك، ما تزال هذه الحالة تعتبر عدوى طبيعية وليست مسربة مخبريًا.

لن نستطيع أن نفهم حقًا طبيعة التاريخ والأصل الحيواني لجائحة مثل كوفيد-19 إلا عبر العلم الصارم ودراسة العالم الطبيعي. ولهذا صلة وثيقة، بسبب علاقاتنا التي تتغير باستمرار والتي يزداد بها التواصل مع الحياة البرية، فتزداد خطورة ظهور أمراض جديدة مميتة ومعدية لدى البشر.

في النهاية فيروس SARS-COV-2ليس أول فيروس انتقل إلينا من الحيوانات وبالتأكيد لن يكون الأخير.

المصادر: 1