Image credit: All About Space magazine

إلى أين تؤدي الثقوب السوداء؟

إلى أين تذهب إذا سافرت عبر ثقب أسود؟

حسنًا ها أنت ذا على مشارف القفز داخل ثقب أسود. ما الذي يمكن أن يكون بانتظارك؟ أيجب عليك عكس كل التوقعات النجاة بطريقة ما؟ إلى أين سينتهي بك المطاف؟ ما القصص المشوقة التي سوف تستمتع في سردها إذا تمكنت من العودة؟

الإجابة البسيطة لجميع هذه التساؤلات هي كما جاء على لسان الفيزيائي ريتشارد ماسي Richard Massey: «لا أحد يعلم!».

باعتبار ريتشارد زميل أبحاث في الجامعة الملكية في معهد علم الفضاء الحاسوبي بجامعة دورهام Institute for Computational Cosmology at Durham University، فهو على دراية تامة بأسرار الثقوب السوداء العميقة، قال ريتشارد: «إن السقوط داخل أفق الحدث للثقب الأسود، وهو مكان في الفضاء من المستحيل الفرار منه حالما تدخل فيه، هو بمثابة الاختفاء وراء ستار، ما أن يسقط أي شخص داخل ثقب أسود مارًا به فلا يستطيع إرسال أي شيء لخارجه، أعتقد أن قوة جاذبية الثقب الهائلة ستمزق أي شيء يسقط داخله إلى أشلاء، لذلك أشك بأن الدخول هناك قد يؤدي إلى أي مكان».

قد تكون هذه الإجابة صادمة ومخيبة للآمال إلا أنها مُتوقعة، فمنذ أن تنبأ ألبيرت آينشتاين، في نظرية النسبية العامة، بوجود الثقوب السوداء من خلال ربط الزمكان بالجاذبية، عُرف بأن الثقوب السوداء تنشأ نتيجة موت نجمٍ ضخم جدًا، ينتج عنه نواة صغيرة وكثيفة جدًا، فرضًا أن كتلة هذه النواة تبلغ تقريبًا ثلاثة أضعاف كتلة الشمس، فستكون قوة جاذبيتها قوية جدًا، لدرجة أنها تنهار على نفسها في نقطه واحدة تدعى نقطة التفرد singularity، وهي مركز الكثافة اللا نهائية للثقب الاسود.

يمتلك هذا الثقب الأسود الغريب قوةً جاذبية جبارة، حيث لا يمكن لأي شيء الفرار منها حتى الضوء، لذلك في حال وجدت نفسك في أفق الحدث فلن تستطيع الهرب. طبقًا لاقتراح العالم الألماني كارل شوارزشيلد Karl Schwarzschild فإن أفق الحدث هو النقطة التي لا يمكن للضوء أو المادة المرور منها بالاتجاه المعاكس، إنما فقط إلى الداخل. وطبقًا لكلام الفيزيائي ريتشارد ماسي، ستقلص قوة الجاذبية جسدك إلى خيوط من الذرات ثم تنسحق في نقطة التفرد، أي أن قوة المد والجزر في الثقب الأسود تتسبب في التأثيرات المعكرونية spaghettification على جسم ساقط داخله، لذلك تبدو فكرة العبور إلى مكان آخر محض خيال لا أكثر.

ما هي الثقوب الدودية؟

درس العلماء خلال السنوات الماضية إمكانية أن تكون الثقوب السوداء هي ثقوب دودية تؤدي إلى مجرات، أو كما اقترح بعضهم إلى أكوان أخرى، وبقيت تلك الفكرة سائدة لفترة من الزمن، جراء اشتراك آينشتاين مع ناثان روزن Nathan Rosen في وضع نظرية الجسور التي تربط بين نقطتين مختلفتين في الزمكان عام 1935، انتعشت في ثمانينيات القرن الماضي عندما ناقش كيب ثورن Kip Thorne، وهو أحد الخبراء المرموقين في تطبيقات الفيزياء الفلكية لنظرية النسبية العامة، إمكانية انتقال المواد خلال الثقوب السوداء.

وقال ماسي: «إن قراءة كتاب كيب ثورن عن الثقوب الدودية كان أول شيء أثار حماسي تجاه الفيزياء عندما كنت طفلًا، لكن في الواقع فإن وجود تلك الثقوب الدودية أمرٌ غير محتمل».

في الواقع، كتب ثورن، الذي قدم نصيحته الخبيرة إلى فريق إنتاج فيلم هوليوود Interstellar: «لا نرى أي أشياء في كوننا يمكن أن تصبح ثقوبًا دودية في المستقبل»، وفقًا لكتابه «علم النجوم» The Science of Interstellar نورتون وآخرون 2014. و قال ثورن للموقع: «سيبقى السفر خلال تلك الأنفاق الافتراضية محض خيال علمي، فلا يوجد دليل يثبت أن الثقوب السوداء قد تسمح بمثل هذا الانتقال».

تكمن المشكلة في عدم قدرتنا على الاقتراب ورؤية ما يحدث داخل الثقب الأسود أو تصويره، لأن الضوء لا يمكنه الفرار من جاذبية الثقب الجبارة، فلن تستطيع الكاميرات تسجيل أي شيء، وتفترض النظرية أن أي شيء يجتاز أفق الحدث يضاف إلى كتلة الثقب الأسود، نتيجة تشوه الزمن بالقرب من الثقب الأسود، فسيحدث الأمر ببطء شديد، لذلك فلن تكون الإجابات متوفرة على المدى القريب.

قال دوغلس فينكبينر Douglas Finkbeiner، أستاذ الفيزياء الفلكية في جامعة هارفارد: «أعتقد أن الثقوب السوداء تؤدي إلى انتهاء الزمان، فلن يرى المراقب البعيد رائد الفضاء وهو يسقط في الثقب الأسود، لكن يراه يزداد احمرارًا وخفوتًا كلما اقترب من أفق الحدث، بسبب ظاهرة الانزياح الأحمر الثقالي، أما رائد الفضاء فسيسقط إلى ما وراء الأبدية. أيًا كان ما يعنيه ذلك».

قد يؤدي الثقب الأسود إلى ثقب أبيض

طرح عالم الكونيات الروسي إيغور نوفيكوف Igor Novikov عام 1964 نظرية تبحث في حقيقة ما إذا كانت الثقوب السوداء تؤدي إلى مجرات أو أكوان أخرى، أي أن هناك ما يقابلها على الجانب الآخر، فهل تكون هي الثقوب البيضاء؟ اقترح إيغور نوفيكوف أن الثقب الأسود متصل بثقب أبيض موجود في الماضي. وتسمح الثقوب البيضاء للضوء والمادة بالخروج منها، على عكس نظيرتها الثقوب السوداء، لكن لا تسمح لهما بالدخول.

تابع العلماء استكشاف العلاقة المحتملة بين الثقوب السوداء والبيضاء. ويقول عالما الفيزياء كارلو روفيلي Carlo Rovelli وهال هاجارد Hal M. Haggard في دراسة نشرت في مجلة Physical Review D عام 2014: «إن هناك مقياس تقليدي يحقق معادلات آينشتاين خارج حدود الزمكان المتناهي، حيث تغور المادة في الثقوب السوداء، ثم تخرج مجددًا من الثقوب البيضاء». بعبارة أخرى كل مادة تبتلعها الثقوب السوداء يمكن أن تخرج مجددًا، وربما تصبح الثقوب السوداء بيضاء عند موتها.

وبدلًا من تدمير المعلومات التي تمتصها، سيتوقف انهيار الثقب الأسود، ويتعرض بدلًا عن ذلك إلى ارتداد كمي، يسمح للمعلومات بالهروب. ويلقي ذلك بعض الضوء على مقترح قدمه عالم الكونيات والفيزياء النظرية السابق بجامعة كيمبريدج ستيفن هوكينغ Stephen Hawking الذي اكتشف في سبعينات القرن الماضي إمكانية انبعاث الجسيمات والإشعاع الحراري من الثقوب السوداء نتيجة للتقلبات الكمية.

وقال فينكباينر Finkbeiner: «يقول هوكينغ إن الثقب الأسود لا يدوم إلى الأبد. لذا فحسب هوكينغ فإن الإشعاع سيؤدي إلى فقدان طاقة الثقب الأسود وانكماشه واختفائه، على النحو الذي وصفه في ورقته البحثية التي نُشرت عام 1976 في مجلةPhysical Review D نظرًا إلى افتراضه، أن الإشعاع المنبعث سيكون عشوائيًا، ولا يحتوي على أية معلومات، فسيمحو الثقب الأسود الكثير من المعلومات عند انفجاره.

هذا يعني أن فكرة هوكينغ تتعارض مع نظرية الكم التي تقول أن المعلومات لا يمكن تدميرها. توضح الفيزياء أنه سيصبح فقط من الصعب العثور على المعلومات، لأنه في حال فقدانها سيصبح من المستحيل معرفة الماضي أو المستقبل. وأدت فكرة هوكينغ إلى ظاهرة «مفارقة معلومات الثقب الأسود»، التي حيرت العلماء طويلاً. قال البعض أن هوكينغ كان مخطئًا، حتى أن الرجل نفسه اعترف بأنه أخطأ خلال المؤتمر العلمي المنعقد في دبلن عام 2004.

Image credit: Shutterstock

هل يمكننا إذًا العودة إلى مفهوم انبعاث المعلومات المحفوظة من الثقب الأسود وخروجها منه من خلال الثقب الأبيض؟ ربما!

ففي دراسة نُشرت عام 2013 في مجلة Physical Review Letters للبحوث العلمية، طبق جورجي بولين Jorge Pullinمن جامعة ولاية لويزيانا Louisiana State University، ورودولفو غامبيني Rodolfo Gambini من جامعة الجمهورية University of the Republic في مونتيفيديو في الأوروغواي، حلقة جاذبية كمية على ثقب أسود، ووجدا أن الجاذبية تزيد تجاه المركز، ولكنها تنخفض وترمي بأي شيء يدخل إلى منطقة أخرى من الكون. هذه النتائج تعطي مصداقية إضافية لفكرة اعتبار الثقوب السوداء بمثابة بوابات. في هذه الدراسة لم يكن هناك وجود لمنطقة التفرد singularity، لذا لم يتشكل الحاجز الذي لا يمكن اختراقه ويسحق كل ما يقابله. كما يعني ذلك أن المعلومات لا تختفي.

قد لا تؤدي الثقوب السوداء إلى أي مكان

حتى الآن يعتقد كل من أحمد المهيري Ahmed Almheiri ودونالد مارولف Donald Marolf وجوزيف بولشينسكي Joseph Polchinski وجيمس سولي James Sully كعلماء فيزياء، أن هوكينغ قد يكون محقًا. وعملوا على نظرية أصبحت تدعى باسم «جدار حماية AMPS firewall»، نسبة للأحرف الأولى من أسماء العلماء الأربعة، أو «جدار حماية الثقب الأسود». ووفقًا لحساباتهم، تستطيع ميكانيكا الكم عمليًا تحويل أفق الحدث إلى جدار حماية عملاق، يحرق أي شيء يلامسه فورًا. وبهذا المعنى لن تؤدي الثقوب السوداء إلى أي مكان، بسبب عدم قدرة أي شيء على النفاذ لداخلها.

إلا أن ذلك يتعارض مع نظرية النسبية العامة لآينشتاين. فمن المفترض ألا يشعر الشخص العابر لأفق الحدث فعليًا بأية معاناة، لأن الأجسام تكون في حالة سقوط حر، بناءً على مبدأ التكافؤ، ولن تشعر المواد أو الأشخاص بالأثر الجبار للجاذبية. ويمكن أن تكون تلك النظرة تابعة للقوانين الفيزيائية الموجودة في مكان آخر في الكون، ولكن حتى إذا لم تتعارض مع نظرية آينشتاين فإنها تحجم نظرية الحقل الكمي، أو تشير إلى إمكانية فقدان المعلومات.

© All About Space magazine

ثقب أسود في حالة عدم تعيين

تقدم هوكينغ مرة أخرى في عام 2014، ونشر دراسة تجنب فيها وجود أفق الحدث، مما يعني عدم احتراق أي شيء، قائلًا: «أن الانهيار الجاذبي سوف ينتج أفقًا ظاهرًا بدلاً من ذلك. وسيعلق الأفق أشعة الضوء في محاولة للتحرك بعيدًا عن مركز الثقب الأسود، وسيستمر لفترة من الزمن».

في دراسته الجديدة يذكر أن الأفق الواضح يحتفظ بالمواد والطاقة مؤقتًا، قبل تفكيكها وتحريرها فيما بعد. يتوافق هذا التفسير بشكل أفضل مع نظرية الكم، التي تقول أن المعلومات لا يمكن تدميرها، وإذا أُثبتت فسوف تشير إلى إمكانية هروب أي شيء من الثقب الأسود.

بالغ هوكينغ إلى درجة أنه قال أن الثقوب السوداء قد لا يكون لها وجود، حيث كتب: «يجب إعادة تعريف الثقوب السوداء واصفًا حالات ترابط متزعزعة الاستقرار لحقول الجاذبية». لذا لن يكون هناك تفرد مع تحرك الحقل الظاهر نحو الداخل بسبب الجاذبية، ولن يصل إلى المركز أبدًا، وسوف يندمج داخل الكتلة الكثيفة.

في تلك الحالة أي شيء ينبعث من الداخل لن يكون على هيئة المعلومات التي ابتُلعت في بادئ الأمر. سيكون من المستحيل عندئذ معرفة ما دخل بالنظر إلى ما خرج.

الأمر الوحيد المؤكد أن هذا اللغز المبهم سيستغرق الكثير من الساعات العلمية لفترات طويلة قادمة. اقترح روفيلي Rovelli وفرانشيسكا فيدوتو Francesca Vidotto في الآونة الأخيرة أن مكونات المادة المظلمة قد تكون من بقايا الثقوب السوداء المتبخرة، ونشرت ورقة بحثية لهوكينغ عام 2018 بعنوان «الثقوب السوداء والشعر الناعم»، تصف كيف تُركت جسيمات «عديمة الطاقة» حول نقطة اللا عودة (أفق الحدث) الفكرة التي تقترح عدم فقدان المعلومات وإنما الاحتفاظ بها.

لكنها لم تصمد أمام النظرية التي عبر عنها الفيزيائي جون أرتشيبالد ويلر John Archibald Wheeler، التي تعمل على أساس عدم قدرة المراقب على رصد اثنين من الثقوب السوداء، بسبب عدم حفظ أي شحنات زائفة لفيزياء الجسيمات الخاصة. أثارت الفكرة جدالًا ونقاشًا في أوساط العلماء، لكن تبقى بحاجة إلى بعض التوضيحات والأدلة قبل اعتبارها الإجابة النهائية لسؤال: إلى أين تؤدي الثقوب السوداء؟

المصادر: 1