تخيل مجتمعًا مستقبليًا كل شيٍء فيه مبنيٌ على العلم، ترى ماذا سيكون الخلل؟

العلموية” هي الاعتقاد بأن كل ما نحتاج إليه لحل مشاكل العالم هو (العلم)، الناس في بعض الأحيان يستخدمون عبارة “التفكير العقلاني”، لكنهم بالنتيجة يشيرون لنفس الشيء. فقط إذا اراد الناس ان يلغوا الدين وسائر توجهاتهم المنحازة، يمكن أن نستخدم المنطق لإصلاح كل شيء.

في الأسبوع الماضي، عرض العالم الفيزيائي الفلكي الامريكي نيل ديكراس تايسون مثال تام للعلموية عندما اقترح فكرة (بلد العقلنة)، الذي “يجب أن تقوم كل سياساته حسب الأدلة“.

تايسون رجل ذكي جدا، ولكن هذه الفكرة ليست ذكية، بل لعله يمكننا القول انه امر غير معقول وبدون أدلة كافية.

بالطبع، ان تتصور مجتمعا يتصرف الجميع فيه منطقيا يبدوا مفهوما جذابا، ولكن استخدام المنطق للنظر في هذا المفهوم يكشف انه أمر غير ممكن الحدوث.

لقد كان هناك دائما أمل، خصوصا عندما تكون النخب أقل تدينًا، بأن العلم سوف يقوم بدور اكبر من كونه مجرد وسيلة للتعرف على العالم من حولنا. العلم يجب أيضًا أن يعلمنا كيف نعيش، مشيرًا لنا نحو الخلاص الذي وعدنا به الدين ذات مرة.

يمكنك ان ترى هذا في أي طوباوية علمانية في القرن العشرين، سواء كان ذلك في الرايخ الثالث (الدولة النازية)، الماركسية العلمية، أو “أطروحة التحديث” للرأسمالية الغربية.

كل هذه النظريات فشلت باختصار نتيجة لنفس السببين التاليين:

أولاً

الخبراء عادة لا يعلمون بقدر ما هم يعتقدون في كثير من الأحيان يخطئون في تقييم علميتهم، وذلك لان عقولهم الغير منطقية بطبيعتها- من خلال الثقة المفرطة، و وهم المعرفة، أو لمجرد رغبتهم بأن رؤيتهم للعالم يمكن أن تكون حقيقية- هذه الاسباب تضللنا وتجعلنا نفسر المعلومات بشكل خاطئ.

العقلانية غير موضوعية جميع عقول البشر تتأثر بالميول الشخصية، المشكلة الحقيقية هي عندما ننسى أن العلماء والخبراء هم بشر أيضا، و نستقبل الأدلة و النقاشات المنطقية بدون جدل او كلام بسبب افتراضات مسبقة عن صحتها المطلقة كالآخرين. العلماء: مثلنا تماما.

ثانياً

ليس من اختصاص العلم ان يخبر الناس كيف يعيشون من اللافت للنظر كيف بسهولة ننسى الشر الذي يمكن “للعلم” القيام به بشكل متكرر على مر التاريخ، كان يعتقد البشر أنهم يعملون بطرق منطقية وعقلانية، إلا أنهم ادركوا أن مثل هذه الأعمال التي يعتقدون بمنطقيتها قد أسفرت عن سياسات بشعة أخلاقيًا نتجت فقط لأنه هؤلاء العقلاء تأثروا “بالأدلة”.

الفراسة – تحديد شخصية شخص ما من خلال شكل وحجم جمجمته – كانت تعتبر علم. (مما لا يثير الدهشة، كانت الطبقة العليا نسبيا من ذوي الرؤوس كبيرة.) كان تحسين النسل يعتبر علم، و كذلك كانت الداروينية الاجتماعية تعتبر علم بل ان أسوأ مبررات الأنظمة السوفيتية والنازية كانت تعتبر علمية.

العنصرية العلمية كانت مبررة أيضا من خلال بيانات علمية محترمة بشكل لا يصدق. علماء القرن التاسع عشر كانوا يشعرون بثقة عالية تجاه “قيمة الأدلة” التي تبرر و تدعم استعباد الأفارقة، متمثلة بسمو الجنس الأبيض وتضافر الجهود للحد من تكاثر الأجناس “الأقل قيمة”.

منذ وقت ليس بالطويل، كان الأطباء النفسيين يعتقدون بأن المثلية حالة جنسية غير صحية وبغيضة كثير من العلماء كانوا ايضا يعتقدون بأن المرأة اقل عقلانية من الرجال بسبب بنيتها البيولوجية، والتمييز الجنسي ولد من جديد من خلال علم النفس التطوري المعاصر.

مشاعر ايجابية:

ولكن على الرغم من سجل العلم الحافل بالاخطاء المريعة، لا يزال الناس يحتفظون بآراء إيجابية للغاية تجاهه كمختص بعلم الاجتماع، أقوم بكثير من الاعمال الميدانية مع رجال كنيسة يؤمنون بخالق للكون، أنا مصدوم حقيقة لانني نادرا ما اجد بينهم من يكره “العلم” صحيح أنهم لا يحبون بعض العلماء، و خصوصا ما يخص نظرية التطور لدارون، ولكن “العلم” هو دائما على ما يرام بالنسبة لهم.

وبالنسبة لأولئك الذين يرتبطون بشدة مع مفهوم التفكير العقلاني، فأن هناك ملايين منهم ممن يكون التزامهم و قناعتهم بالعلم راسخة غير قابلة للتغيير.

جزء من المشكلة هنا هو أن لا أحد يعرف حقا ماذا يعني العلم، معظم الناس يعرفوه على أنه استكشاف العالم الذي نعيش فيه، وهو صحيح إذا كنا نبتغي وصف مبسط، التعريف الأكاديمي للعلم هو امر جدلي بشكل كبير لم يشهد أي تقدم حقيقي واضح. (من الصعب حتى معرفة كيفية تعريف الفيزياء أو الكيمياء أو الأحياء).

ماهي العقلانية:

يقول الفيلسوف سوزان هاك:

العلم بصورة اساسية، هو مجرد التفكير بعقلانية

وهذا تعريف جيد و لكنه يؤدي إلى مشكلة أخرى: ما الذي نعنيه بكلمة عقلانية؟

عملي مع الذين يؤمنون بان للكون خالق (الخلقيين) يبين كيف انه من المستحيل للبشر أن يتصرفوا بعقلانية. ونحن دائما نتأثر بالانحياز الشخصي على سبيل المثال، إجراء تحليل دقيق للمعرفة العلمية لهؤلاء الخلقيين “يظهر أنهم يعرفون كثير من الأمور العلمية مثل أي شخص آخر لكنهم فقط يرفضون مزاعم علمية.

في دراستي الميدانية في المدرسة الثانوية الإنجيلية الخلقية، لقد وجدت الطلاب قادرين تماماً على الإجابة بشكل صحيح على اي سؤال حول (نظرية التطور) في امتحان الأحياء. هم ببساطة يستخدمون عبارات مثل “يعتقد العلماء بأن…” في إجاباتهم حتى لا يخونوا ايمانهم بمسألة خلق الكون. هذا في الواقع وسيلة منطقية للغاية بالنسبة لهم للتعامل مع التناقض الكبير بين إيمانهم و المبدأ العلمي السائد.

في الواقع الخلقية والعلموية تتشاركان قواسم مشتركة اكثر من تلك التي يقر بها امثال نيل تايسون أو ريتشارد دوكينز.

مثل تايسون, الخلقيين يبدؤون ببعض الافتراضات المسبقة مثل (“التطور لا يمكن أن يكون صحيحا” والتي تكون بديل مشابه لعبارة العلميين بأن “العلم لايمكن ان يكون مخطئا”) ويبنون جدل متسق بشكل لافت للنظر بنأء على هذه الافتراضات. الجميع تقريبا مذنبين بشكل من الأشكال يتعلق “بدوافع المنطق”: نبدأ ببعض الافتراضات المسبقة، ومن ثم نحاول ايجاد طريقة للحصول على أدلة تدعمنا لنفعل ما نريد.

الأخطاء الماضية للعلم تثير شكوكنا حول امكانية بناء المدينة الفاضلة من خلال العلم. ولكن، قد يقول العلماء، أن اهم ما في العلم هو قدرته على التصحي الذاتي. الطب النفسي اعاد النظر في ارائه حول المثلية، على سبيل المثال. هذا يبين ان الاعتماد بدقة ان محاولة الاعتماد فقط على “ثقل الأدلة العملية” يحتمل الخطأ.

الحقيقة صعبة المنال:

العلم قد يعطينا بيانات، ولكن هذا لا يعني أن البيانات تشير إلى الحقيقة – انها مجرد ما نفهمه حالياً كحقيقة، كيفية التعامل مع هذه البيانات يتطلب شي من الاختلافات البسيطة والاحكام. هو امر فلسفي وربما ديني وبالتأكيد سياسي.

العلماء لا يستطيعون أن يقولوا لنا ما اذا كان لنا الحق في قتل طفل من ذوي الإعاقة بالنمو، على الرغم من قدرتهم الجيدة على حشد الأدلة حول مستقبل حياة الطفل أو قدرته على التفكير أو الحركة بمفرده. ليس هناك إجابة سهلة حول مثل هذه الامور الاخلاقية، تماما كعدم وجود محك لأطلاق حكم حول ما اذا كانت التقاليد افضل من الكفاءة أو ان الزواج الأحادي هو أفضل من الكثير من انواع الجنس العشوائي.

العلموية لا تعترف بهذا القصور. قصر نظر العلموية و طموحها الطوباوي الساذج وإيمانها البسيط يشبه بغرابة الدوغماتية الدينية التي يدينها شخصيات مثل تايسون ودوكنز.

بالعودة لفبراير الماضي، أحد أصدقائي من علماء علم الاجتماع إعاد نشر تغريدة ساخرة لتايسون:

في العلم، عندما يدخل السلوك البشري المعادلة، تسير الامور بشكل غير مستقيم. هذا هو السبب في كون الفيزياء سهلة في حين علم الاجتماع صعب

نحن علماء الاجتماع نقدر هكذا اعتراف من تايسون, على الرغم من استياء بعضنا اتجاه الحاجة لعالم الفيزياء و الفلكي المشهور كرجل دعاية لنا. الامر المثير للازعاج هو أن الشخص الذي يميز هذه الصعوبات التي تواجه دراسة الحياة الاجتماعية بطريقة أو بأخرى لايربط بين تلك التحديات و عواقبها الفلسفية والسياسية. ببساطة, إذا كان دراسة علم الاجتماع امر معقد، فمسألة حكم مجتمع من خلاله امر غير بسيط بتاتا.

العلم ليس أمرا مستقيما – كما يعترف تايسون نفسه. تفسيرنا للعلم يتطلب حكمة ورؤى ابعد مما يستطيع أن يقدمه العلم.

ترجمة: محمد القصير

تدقيق لغوي: حسام عبدالله

المصادر: 1

المزيد