[the_ad_placement id="scine_before_content"]

هل دفعتنا سنة 2020 إلى التقدم بالسن؟

تسببت جائحة كورونا بعزل الملايين من الناس في منازلهم كما فرقت الانقسامات السياسية العائلات والصداقات ومؤخرًا شهدنا أيضًا الاضطرابات المدنية تملأ الشوارع. وكانت الأسابيع والأشهر المنصرمة بمثابة عاصفة شاملة للعوامل التي تؤثر سلبًا ليس فقط على رئتينا وقلوبنا وكليتينا، وإنما على أدمغتنا أيضًا. إذا لم يكن لديك بالفعل ما يكفي للقلق حوله، فالحقيقة هي أن عام 2020 دفعنا نحو الشيخوخة المبكرة.

لقد رأيت الكثير من الأدمغة خلال ثلاثة عقود بحكم عملي كجراح أعصاب، وقد لاحظت أن الأدمغة المسنة تختلف عن تلك الشابة حيث يكون الدماغ أصغر حجمًا وذا قشرة دماغية أرق عمومًا عندما يكون الشخص مسنًا. وبالرغم من عدم قدرتنا على رؤية هذا، إلا أن عدد الخلايا العصيبة يكون أقل أيضًا. تعد هذه الآثار والأعراض نتيجةً طبيعية للتقدم في السن، ولكنها تحدث أيضًا عندما يتعرض الشخص للتوتر والإجهاد (الضغط العصبي أو النفسي) لفترات طويلة كالتي نمر بها الآن.

يقوم الدماغ بإفراز هرمونات الإجهاد أو التوتر عندما يدرك وجود خطر أو تهديد ما، لإعطائنا الطاقة قصيرة المدى التي نحتاجها لتنجب هذا الخطر. ولكننا لا نحتاج الكثير من هذه الهرمونات لأنها تؤثر أيضًا على مناطق مهمة في الدماغ مرتبطة بالذاكرة واتخاذ القرارات والوظائف الإدراكية الأخرى. حيث أظهرت الدراسات إن هرمونات الإجهاد في الواقع تعمل على إعادة تشكيل هياكل الدماغ الحساسة إذا تركت من غير فحص. ويظهر على الأفراد الذين يعانون من أمراض مرتبطة بالقلق والتوتر طويل المدى، مثل اضطراب ما بعد الصدمة، اختلافات في حجم الخلايا العصبية في الهياكل الدماغية المهمة عند مقارنتها بأدمغة أولئك الذين لم يتعرضوا للصدمات. كما يسبب أيضًا التوتر طويل المدى تقلص بنية الدماغ وترقق قشرته (حيث تتمركز الخلايا العصبية)، بالإضافة إلى علامات الشيخوخة التقليدية.

قامت إحدى الدراسات بقياس مستوى هرمون الإجهاد (الكورتيزول) في لعاب المرضى كل عام لمدة خمس سنوات. فتبين أن المرضى الذين ارتفع لديهم مستوى الكورتيزول بوتيرة مستمرة ومتدرجة كانوا أكثر عرضة لانكماش الحُصين Hippocampus (مكون أساسي في الدماغ يقع في الفص الصدغي ويلعب دورًا هامًا في تخزين الذاكرة) ولضعف الأداء في المهام المتعلقة بالذاكرة. بعبارات أخرى، يمكن القول إن مدة خمس سنوات فقط من الارتفاع بمستوى هرمونات الإجهاد ستؤدي إلى نفس الأعراض التي تسببها الشيخوخة في الدماغ.

تسبب الصراع السياسي وجائحة كوفيد-19 والاضطرابات المدنية بارتفاع حدة حالة الإجهاد المزمن- الموجودة مسبقًا في مجتمعاتنا التي تعاني من حرمان النوم وتعدد المهام دون راحة. ويمكن أن تتحول حالة القلق والإجهاد هذه الآن إلى وباء بحد ذاتها.

وتعرض موظفو الرعاية الصحية الذين كانوا في الخطوط الأمامية بمواجهة فيروس كورونا لمستويات لا يمكن تصورها من الإجهاد والتوتر بالإضافة إلى المخاطر الجسدية التي يواجهونها كل يوم. ولكن المخاوف التي نستيقظُ عليها كل يوم تشكل أيضًا تهديدًا رئيسًا لنا حيث تدفعنا إلى القلق من الإصابة بالمرض ورعاية أسرنا وفقدان وظائفنا. وهذا كله يجعلنا نشيخ مبكرًا.

ودفعتنا أوامر البقاء في المنزل وحظر التجول إلى الشعور بعدم الاتزان ولكنها أيضًا صعّبت علينا ممارسة الأنشطة التي تحارب آثار التوتر وتقي من الشيخوخة المبكرة. ويعد النشاط البدني طريقة ممتازة لمكافحة الضغط النفسي ولكن مع استمرار إغلاق الصالات الرياضية وإجراءات البقاء في المنزل لمدة أسابيع، أصبح من الصعب المحافظة على روتين اللياقة البدنية.

كما تعد التغذية الجيدة (العادات الغذائية الصحية) عاملًا أساسيًا للحفاظ على صحة الدماغ أيضًا، وعلى الرغم من استفادة البعض خلال هذه الفترة واستغلالها ليصبحوا طهاة أفضل، إلا أن بعض الأشخاص الآخرين اتبعوا عادات غذائية سيئة. كما أصبح من الصعب ممارسة التواصل الاجتماعي الذي يعد مكونًا حاسمًا في درء القصور الإدراكي والانحدار أو (التدهور المعرفي) الذي يتسبب به التقدم بالعمر.

بوجود كل هذه الأضرار والمشكلات التي ألحقتها بنا سنة 2020، فإننا حتمًا لا نريد أن نشيخ مبكرًا أيضًا. لذلك فإن المحافظة على صحة أدمغتنا ستضمن لنا الخروج من هذا الوقت العصيب بأفضل صورة ممكنة. وبالرغم من صعوبة التحكم بالقلق والضغط النفسي في الوقت الحالي، الإ أنه من المهم الآن، أكثر من أي وقت مضى، ممارسة الرياضة والحصول على قسط كاف من النوم وتناول الطعام الجيد والبقاء على اتصال مع الآخرين. مارس اليوجا والتأمل ويمكنك أيضًا ممارسة المشي والتنفس العميق حيث إن اتخاذ هذه العادات أضحى مهمًا اليوم أكثر من أي وقت مضى من أجل حماية دماغك.

المصادر: 1