مازال هناك مليون شخصٍ يعيشون في المخابىء تحت شوارع بِكّين والتي تعود إلى حقبة الحرب الباردة، والسؤال لماذا؟!

مازال هناك مليون شخصٍ يعيشون في المخابىء تحت شوارع بِكّين والتي تعود إلى حقبة الحرب الباردة، والسؤال لماذا؟!

يعيش مابين 100000 إلى المليون شخصٍ في بكين تحت الأرض ضمن ملاجىء قديمة كانت تقيهم من القنابل.

يحتل هؤلاء المواطنون القاطنون تحت الأرض والذين يُطلق عليهم لقب شوزو shuzu أو «قبيلة الفئران» عالمًا ضيقًا وعفنًا ومجردًا من النوافذ يقع على بعد عشرات الأقدام تحت الشوارع الصاخبة للعاصمة الصينيّة. لاتشبه تلك الشبكة الضخمة من مساكن المخابىء غير الشرعية أي مكان يمكن أن تجده في أية عاصمةٍ رئيسيّةٍ حول العالم.

تعود جذور عالم بكين السفلي وغير المرئي إلى ما يُسمى بالحرب الباردة الأخرى. تصاعدت التوترات في عام 1969 بين الصين والاتحاد السوفيتي، حيث اشتبكت الدولتان بقيادتيهما الشيوعية على الحدود الصينيّة السوفيتيّة. وذلك عندما نصبت القوات الصينيّة كميناً لحرس الحدود السوفييتيّ في ذلك العام في جزيرة زينباو وهي منطقة متنازع عليها تقع في وسط نهر أوسوري تفصل شمال شرق الصين عن الشرق الأقصى الروسيّ، وأسفرت الأعمال القتالية عن دماء، مما دفع البلدين إلى الاستعداد لهجوم نووي محتمل. في الجانب الصينيّ قام الرئيس الرئيس السابق لجمهورية الصين الشعبية ماو تسي تونغ بدعوة مدنه لبناء ملاجئ تقي من القنابل النووية. واستجابت بكّين ببناء ما يقارب من 10000 مخبئٍ.

بحلول أواخر الثمانينيات، بدأت الحكومة الصينية في التحرر وبردت التوترات مع الاتحاد السوفييتيّ، مما دفع مكتب الدفاع المدني إلى استئجار هذه الملاجئ لأصحاب العقارات المحليين، الذين بدأوا بدورهم في استئجار هذه المساحات للعمال المهاجرين والشباب اليائسين. كان العيش عشرات الأقدام تحت الأرض في مخبئٍ بدون نوافذ بالنسبة للكثيرين هو الطريقة الوحيدة لتحقيق أحلامهم في ملاحقة الركب الاجتماعيّ. الأمر الذي لا يزال باقيًا حتى يومنا هذا.

الأمر المألوف لدى الجميع هو أنَّ تكلفة السكن في بكّين مرتفعة ولاتزال في تصاعد. حيث تعتبر واحدة من أكثر مناطق العالم ازدحامًا مع وجود أكثر من 21 مليون شخصٍ يسعون للسكن في هذه المدينة. إلا أنَّ ارتفاع تكلفة الإيجار يفوق بكثير متوسط دخل الفرد، ومع ذلك يستمر الناس في التوافد إلى المنطقة لكثرة الفرص الاجتماعية والاقتصادية فيها.

كتب يي مينغ لقناة ناشيونال جيوغرافيك: «مع محدودية القدرة للوصول إلى المساكن العامة ذات الأسعار المعقولة، فإن المخابئ التي أُنشأت للحماية من القنابل النووية هي إحدى الخيارات القليلة الممكنة للعمال المهاجرين.» حيث يمكن أن يكلف المسكن المشترك الصغير في مخبئ خرساني كهذا أقل من 20 دولاراً في الشهر.

جعل الموقع المحوري لهذه المخابىء منها مكانًا يستحق العناء للحصول عليه بالنسبة للعديدين على الرغم من ضيق المساحة ومحدودية ضوء الشمس. كما كتبت آنيت م. كيم، الأستاذة المساعدة في السياسة العامة في جامعة جنوب كاليفورنيا، في المجلة الأكاديمية “Cities”، «تكون الأولوية للسكان ذوي الدخل المنخفض، وغالبًا هم المهاجرين في بكين حيث يعتبرونه السكن الإيجاري الواقع في وسط المدينة. إنَّ إمكانية الذهاب إلى العمل مشيًا على الأقدام أو بواسطة دراجة هوائية فضلًا عن تكلفة الإيجار المنخفضة عاملٌ يسمح بإمكانية زيادة الادخار، مايجعل العيش في غرفٍ صغيرةٍ تحت الأرض مكانًا جديرًا بالاختيار»

كما هو متوقع عادة حول ملجأ الحماية من التداعيات النووية والذي تبدل حاله كمكانٍ للسكن فإن هذه المساحات تتوفر فيها بعض أساسيات العيش ولكن بقلةٍ شديدة مثل أنابيب المياه، وشبكات الصرف الصحي، والكهرباء. لكن لاوجود لمصادر الضوء الطبيعية، والقليل من فتحات التهوية، إضافةً إلى أنَّ أغلب وسائل الراحة يتوجب مشاركتها مع الجيران كالمطابخ والحمامات. بحسبما أفاد مينغ فإن القانون المحلي يقرُّ أن حجم الشقق يجب أن يبلغ 43 قدماً مربعاً على الأقل لكل مستأجر، إلا أنه من الجلّي أن هذه القاعدة لا تُطبق. حيث قد تكون بعض الشقق بحجم مقصورةٍ صغيرةٍ جداً.

تبعاً لما جاءت به كيم؛ فإنَّ ظروف السكن فائقة الكثافة ليست حالة تتفرد بها بكين فقط. «هذه ليست مجرد حالة خاصة. يُظهر التاريخ أن المهاجرين واجهوا حالة العيش في وحدات قبوٍ مزدحمة بالإضافة إلى الشقق الصغيرة خلال مرحلة التحضر السريع للغرب.»

السؤال الآن هو ما إذا كان هذا الاتجاه سيستمر في المستقبل؟. في عام 2010، أعلنت المدينة حظرًا على الاستخدام السكني لملاجئ الحماية النووية هذه، ولكنّ المرسوم لم يحقق النتائج المرجوة منه في منع الناس من ترك منازلهم هناك. صرّحت كيم: «إذا كان لدينا رغبةٌ حقيقية في عدم السماح للناس بالعيش تحت الأرض، فإننا سنواجه تحدياتٍ حول مهمة العثور على مساحات أخرى لحوالي مليون شخص.»

قد يكون من الصعب الوصول إلى الملاجىء السفليّة لهذه المدينة بالنسبة للأجانب. ففي عام 2015، تمكن المصور الإيطالي أنطونيو فاسسيلونغو Antonio Faccilongo من الغوص في خبايا هذا العالم السفليّ، حيث التقط الحياة في المخابئ وجمعها في سلسة تحت عنوان “Atomic Rooms” أي «الغرف النووية».

لتلقي نظرة داخلها، يمكنك الدخول من الرابط هنا

المصادر: 1