زواج تشارلز داروين الأب مؤسس نظرية التطور من ابنة خاله من الدرجة الأولى

يعد تشارلز داروين Charles Darwin الأب المؤسس لعلم التطور بالإضافة إلى كونه عالم أحياء مرموق الذي أحدثت دراساته علامة فارقة ووضعت حجر الأساس في تفسير نشأة جميع الأحياء على كوكب الأرض.

وتسببت نظريته حول الانتخاب الطبيعي أو (الانتقاء الطبيعي) بقلب دنيا علوم القرن التاسع عشر رأسًا على عقب وأثارت جدلًا كبيرًا منذ طرحها فتداولتها العديد من الدراسات.

ومما لا شك فيه أن الجانب الأكاديمي والعلمي لداروين لا يزال موضع بحث وجدل يثير اهتمام العلماء حول العالم إلى يومنا هذا، وأن حياته الشخصية أيضًا لا تقل شأنًا عن ذلك في إثارة الحيرة.

قرر داروين، الذي يعد الأب المؤسس لعلم التطور وعلم الوراثة المرتبط بالتطور، الزواج من ابنة خاله من الدرجة الأولى وأنجبا 10 أطفال ظهر على البعض منهم أعراضًا مباشرة تنتج عن زواج الأقارب.

وعقد تشارلز داروين قرانه على ابنة خاله (شقيق والدته)، إيما ويدجوود Emma Wedgwood في يوم 29 من شهر كانون الثاني/يناير عام 1839.

فبينما يعد زواج الأقارب من الدرجة الأولى اليوم من غير المحبب اجتماعيًا، إلا أنه كان أمرًا شائعًا في الماضي عبر التاريخ وخصوصًا بين أفراد الطبقة الأرستقراطية والعوائل الملكية.

Darwin, c. 1854

وكان زواج الأقارب قديمًا طريقة للحفاظ على السلطة والثروة ضمن دائرة العائلة الواحدة الموثوق بها. واتبعتها السلالات الحاكمة المصرية وآل هابسبورغ Hapsburgs العائلة الحاكمة للامبراطورية النمساوية المجرية.

كما عُد الزواج بين الأقارب خلال العصر الفيكتوري في إنجلترا نوعًا من الصفقة التجارية أكثر منه علاقة حب بين شخصين. إلا أن نتائج ذلك كانت جلية ووخيمة حيث ارتفع معدل الوفيات بين الأطفال وعانى العديد منهم من العيوب والأمراض العقلية التي كانت أكثر شيوعًا بين الأطفال من أسر اعتمدت زواج الأقارب.

لم يكن زواج داروين من إيما الأول من نوعه في العائلة، حيث شهدت عائلتيهما على مدى أربعة أجيال زيجات متكررة بين أفراد تربطهم علاقة قربى وثيقة.

ففي ذلك الوقت، لم يكن الناس على دراية كبيرة بمخاطر زواج الأقارب. هذا وقد يؤدي التزاوج بين فردين يتطابقان بقدر كبير في الجينات الوراثية إلى تغلّب الصفات المتنحية المضرة على الجينات السليمة وينتج عن ذلك فرصة أكبر لسيادة “الجينات (المورثات) السيئة” التي تظهر على شكل عيوب جسدية مختلفة أو نقص في المناعة ضد الأمراض لدى الفرد.

وعلى الرغم من كون هذه العواقب التي يؤدي إليها زواج الأقارب شائعة ومعروفة حينها ضمن الأوساط العلمية وكذلك لدى داروين نفسه، إلا أن عالم الأحياء الشهير قرر المجازفة.

لم تكن إيما، حفيدة رجل الأعمال يوشيا ويدجوود Josiah Wedgwood، على دراية برغبة تشارلز في الزواج منها. فقد كانت وتشارلز أبناء عمومة، بالرغم من وجود الكثير من حالات زواج الأقارب في تاريخ العائلة.

ورغم عدم تهيؤها وتوقعها للأمر، إلا أنهما ارتبطا لفترة قصيرة ثم تبع ذلك فورا عرض الزواج من قبل داروين.

كان داروين في تلك الفترة منغمسًا بأبحاثه ودراساته وربما تملكه الخوف من وقوف موضوع تأسيس العائلة عائقًا بينه وبين تحقيق أهدافه العلمية.

وكان داروين يعمل لساعات طويلة ونادرًا ما يأخذ استراحة حيث لم يستطع جسده مقاومة عقله الدائم النشاط والممتلئ بالأفكار المحفزة.

إلا أن داروين العالم بدأ يعاني من أمراض مختلفة أساء الأطباء في ذلك العصر فهمها وتفسيرها.

ولا يزال الوضع الصحي الذي عانى منه داروين يمثل موضوعًا للنقاش والجدال في الأوساط العلمية والطبية إلى يومنا هذا. حيث كانت تظهر عليه أعراض مرضية مختلفة كالصداع والرعشة والتقيؤ وآلام المعدة وتسرع دقات القلب ولكن لم يتفق الأطباء حينها على تشخيص دقيق لحالة داروين.

هذا وقد عدّ داروين الزواج من الأمور الشكلية المملة حتى أنه قبل عرض الزواج على إيما كان قد أعد قائمة لإحصاء الإيجابيات والسلبيات التي ستنتج عن إحدى الخيارين إما الزواج أو البقاء عازبًا. حيث كتب تحت خيار عدم الزواج إن وجود زوجة يعني «نقص النقود لشراء الكتب وضياع كبير للوقت». بينما أدرج تحت خيار الزواج إن «وجود زوجة رفيقة دائمة ومؤنسة في سن الشيخوخة سيكون على أي حال أفضل من اقتناء كلب».

وعلى الرغم من هذه الكلمات، جمعت الزوجين علاقة قوية ومتينة مليئة بالحب حيث بقيا معًا حتى يوم وفاة داروين بعد 43 سنة من تاريخ زواجهما.

ورزق الزوجان بأول طفل لهما، ويليام اراسموس William Erasmus، في عام 1839. ثم رزقا بتسعة أطفال آخرين خلال الفترة الممتدة ما بين عامي 1841 و1856.

قررت العائلة، بعد أن استقرت في لندن لمدة من الزمن، الانتقال إلى مكان ذي طابع ريفي أكثر فوقع الاختيار على قرية داون Downe التي تقع في منطقة بروملي London Borough of Bromley (إحدى الأقسام الإدارية لمدينة لندن حاليا). وأعدها الزوجان مكانًا مناسبًا لتربية وتنشئة أطفالهم. إلا أنه لم يقدّر لجميع هؤلاء الأطفال الوصول إلى سن البلوغ.

حيث توفيت ابنتهما آن Anne، التي ولدت في عام 1841، بعد أن أصيبت بمرض السل في العاشرة من عمرها. بينما توفيت أختها ماري Mary من مواليد عام 1842 بعد ولادتها بأسابيع قليلة.

كما توفي أيضًا أصغر أطفالهما وهو تشارلز وارنغ داروين بعمر السنتين. وعلى الرغم من كون هذا أمرًا اعتياديًا حينها، حيث كانت معدلات الوفيات بين الأطفال مرتفعة في تلك الفترة مقارنة بيومنا هذا، إلا أن عالم الأحياء داروين كان على دراية كاملة بالعواقب المحتملة التي تنتج عن زواج الأقارب من خلال دراساته وتجاربه.

وقام داروين شخصيًا بمتابعة وترصد المشاكل الصحية التي عانى منها أطفاله خلال نشأتهم كما احتفظ بدفتر دوّن عليه ملاحظاته وأصبح لاحقًا بمثابة شهادة علمية وأساس للبحوث المستقبلية.

وذكر داروين لأحد أصدقئه في رسالة موثقة له، إن أطفاله ذوي بنية ومظهر ضعيفين حيث قال تحديدًا: «إنهم ليسوا أقوياء جدًا».

حيث عانى ثلاثة من أطفاله من العقم وهو أمر يتسبب به زواج الأقارب عادة. كما لاحظ داروين أن أولاده كانوا جميعًا رقيقي البنية وعرضة للإصابة بالأمراض المختلفة على الرغم من عدم امتلاكهم لأي إعاقة عقلية أو جسدية دائمة.

بل على العكس من ذلك، ذاع صيت ثلاثة من أبنائه وهم جورج George وفرانسيس Francis وهوراس Horace. فأصبحوا شخصيات معروفة في مجالاتهم عند الكبر حتى أنهم حصلوا على لقب فارس.

وقد اعتمد تيم أم بيرا Tim M. Berra، مؤلف كتاب داروين وأطفاله والإرث الآخر لداروين Darwin and His Children: His Other Legacy، على الملاحظات التي دونها داروين عند دراسة الوضع الصحي لذرية داروين في محاولة منه لإلقاء الضوء على عائلة ونسل العالم الشهير.

خلص تيم من خلال دراسته ل25 أسرة نواة (أسرة أولية مكونة من أبوين وأطفالهما) عبر أربعة أجيال من عائلتي داروين وويدجوود إلى أن الجينومات الجسمية (المحتوى الوراثي الجسدي) لأبناء داروين كانت متطابقة أو متماثلة الجينات بنسبة أكثر من 6%.

ويعد هذا التماثل أربعة أضعاف مقدار التراكب مقارنة مع الأطفال المولودون من زيجات بين أقارب من الدرجة الثانية فقط.

وهكذا يمكن القول، أن داروين الذي وضع حجر الأساس لعلم الوراثة كان نفسه ضحية من ضحايا المجال الذي يقوم بدراسته وبحثه. إلا أن تلك الأبحاث التي أجراها خلال مراقبة أبنائه ساعدته لاحقًا في وضع نظريات متقدمة حول مخاطر زواج الأقارب.

حتى أنه راسل عضوًا في البرلمان يدعى جون لوبوك John Lubbock ليعرب له عن مخاوفه من موضوع زواج الأقارب وقال: «إنه يؤدي إلى الصم والبكم والعمى … الخ».

كما اقترح داروين إدراج أسئلة تتعلق بزواج الأقارب عند إحصاء التعداد السكاني في انجلترا حتى يتسنى له الحصول على قاعدة بيانات سكانية واسعة لدراسة نسبة تكرار وحدوث زواج الأقارب في البلاد وتأثير ذلك على الأطفال.

للأسف رُفض اقتراح داروين حينها. ولكن اليوم يمكننا الجزم بأن تلك المبادرة التي تقدم بها لربما كادت أن تسهم في منع حدوث الطفرات الوراثية.

المصادر: 1