خبراء يحذرون من أن بلوغ المملكة المتحدة درجة الحرارة ال 40 مئوية صيفًا قد يكون أقرب مما توقعنا

أُصدر مكتب الأرصاد الجوية في المملكة المتحدة تحذيرًا شديدًا في دراسةٍ جديدة حول حالة الطقس المعتادة في الصيف بحلول نهاية هذا القرن.

اختبرَ باحثون، باستخدام بيانات درجة الحرارة ومحاكاة النموذج المناخي، احتمالية تجاوز درجات الحرارة في المملكة المتحدة ال 30 و35 و40 درجة مئوية (أي 86 و95 و104 فهرنهايت) كل صيف خلال ال 80 سنة القادمة.

ووجدوا أنهُ إذا استمرت انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية بالارتفاع، فإن درجات حرارة قد ترتفع لتتجاوز 40 درجة مئوية في مكانٍ ما في المملكة المتحدة كل ثلاث سنوات ونصف بحلول عام 2100.

إن كنت تعيش في مناخٍ حار أو سبقَ وسافرتَ في مناخٍ حار، فقد مررتَ بوضعٍ تُغطي فيه الحرارة الخانقة جسدك، حينما يسجل مقياس الحرارة درجةً أعلى من 40 درجة مئوية. لكن هناك فرق بين مواجهة مثل هذا النوع من الحرارة وأنت في حوض سباحة أو من خلال نافذة غرفة فندق مكيفة، وبين العيش في هذه الحرارة لبضعة أيام من دون مُتنفس.

في إنجلترا وحدها، يموت كل سنة 2000 شخص بسبب الأمراض المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة. في حين تكيفت المناخات الأكثر دفئًا بشكل تقليدي بمرور الوقت لارتفاع درجات حرارة خلال الصيف، فإن المملكة المتحدة لم تكن مستعدة للتعامل مع تلك الأنواع من موجات الحرارة.

كم من المرجح أن تكون موجات الحرارة بدرجة ال 40 مئوية شائعة في المملكة المتحدة؟

اِستخدم الباحثون نموذجًا لمحاكاة أربع حالات مختلفة للمناخ وهذه الحالات هي: مناخ اليوم الحالي، ومناخ طبيعي افتراضي لم يتم تغييره بواسطة النشاط البشري، وسيناريوهان لمناخ مستقبلي بتراكيز مختلفة لغازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي، التي تُعرف ب RCB 4.5 وRCB 8.5.

حيثُ تُشير RCB إلى «مسارات التركيز النموذجية Representative Concentration Pathways»، وهي مشاريع تسخين مستقبلية ضمن سيناريوهات مختلفة لانبعاثات غاز الاحتباس الحراري.

إذًا، على سبيل المثال، تفترض RCB 1.9 أن يُلبي العالم الهدف الذي يطمح لتقليل الانبعاثات والذي أُقرَ في اتفاقية باريس للمناخ في عام 2015، وهو تقييد الارتفاع في متوسط درجات حرارة العالم بحلول نهاية القرن إلى أقل من 2 درجة مئوية فوق معدلات ما قبل الثورة الصناعية.

قررت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) أن يُعتبر RCB 4.5 سيناريو متوسط، وفيه تستمر الانبعاثات بالارتفاع حتى عام 2045، لكن بحلول عام 2100 ستكون مستويات ثناني أكسيد الكربون في الجو هي نصف مستوياته في عام 2050.

خلال سيناريو RCB 4.5 يرتفع متوسط درجة الحرارة المتوقع في العالم من 2 إلى 3 درجة مئوية بحلول نهاية القرن. تُعتبر RCB 8.5 هي السيناريو الأسوأ وفيهِ تستمر الانبعاثات بالصعود عند معدلاتها الحالية بدون توقف خلال القرن الحالي، مؤديةً إلى ارتفاع متوسط درجة الحرارة في العالم بقدر 4.8 درجة مئوية بحلول عام 2100.

تزداد وتيرة وشدة الطقس المتطرف extreme weather (وهي أي ظاهرة جوية متطرفة أو سابقة لأوانها تتميز بحدوث تغيرات جوية مفاجئة أو غير فصلية) مع ارتفاع حرارة العالم. حسب الدراسة الجديدة، يحدث حاليًا في المملكة المتحدة ارتفاع بدرجات الحرارة لأكثر من 35 درجة مئوية مرة كل خمس سنوات. لكن في عام 2100، وتحت سيناريو RCB 4.5 المتوسط، ستحدث موجات حرارة المحتملة كل سنة في المملكة المتحدة.

تكون موجات الحرارة التي تصل إلى 40 درجة مئوية نادرة جدًا حاليًا في المملكة المتحدة، تحدث مرة واحدة كل 100 إلى 300 سنة. لكن بحلول عام 2100، اي خلال سناريو RCB 4.5، من المُرجح أن تحدث موجات الحر تلك مرة واحدة كل 15 سنة وأما خلال سيناريو RCB 8.5، فتحدث مرة واحدة كل ثلاث سنوات ونصف.

بغض النظر عن أي مسار انبعاث يتبعهُ المجتمع الدولي، وجد العلماء أن درجات الحرارة ستستمر بالارتفاع، بموجات حرارة تبلغ 30 و35 و40 درجة مئوية لتصبح أكثر شيوعًا مما ستكون عليه تحت سيناريو المناخ الطبيعي الافتراضي.

دور التيارات النفاثة Jet Stream (وهو تيار هواء قوي وسريع يهب من الغرب باتجاه الشرق)

ارتفعت درجات الحرارة وقت النهار درجة مئوية واحدة كحدٍ أعلى خلال كل عقد من الزمن في جنوب شرق المملكة المتحدة بين عامي 1960 و2016، في حين كانت تغيرات درجة الحرارة في اسكتلندا أكثر تقلبًا، مع ارتفاع طفيف لدرجة الحرارة في بعض المناطق وانخفاضها في أخرى، حسب الدراسة الجديدة.

عمومًا، وُجِد أن إنكلترا أكثر تأثرًا بدرجة الحرارة الشديدة التي تبلغ 30 و35 درجة مئوية لأن معظم خطوط العرض فيها تقع جنوبًا وبسبب بعدها الأكبر عن التأثيرات الخافضة للحرارة لشمال الأطلسي.

قد يعتمد مستقبل مناخ المملكة المتحدة بشكل كبير على كيف يؤثر الاحتباس الحراري على الغلاف الجوي فوق شمال الأطلسي، وبالتحديد حركة رياح التيارات النفاثة لشمال الأطلسي.

يَتْبع هذا التجمع العالي الارتفاع من الرياح القوية الحد الفاصل بين الهواء الأبرد والهواء الأدفئ ويسيطر على مسارات العواصف وموقع مراكز الضغط التي تؤثر بشكل قوي على جو المملكة المتحدة.

في أيار/مايو 2020، تباطأت سرعة الرياح النفاثة، وغيرت موقعها باتجاه الشمال، وأصبحت ملتوية الشكل، سامحةً لمركز عالي الضغط أن يتوقف فوق المملكة المتحدة (ومعظم أجزاء أوروبا) لمدة أسابيع. أدى ذلك إلى جعل شهر أيار/مايو اكثرَ شهرٍ يشهدُ سطوعًا للشمس تم تسجيلهُ في المملكة المتحدة على الإطلاق. كذلك سُجل أيار/مايو كالشهر الأشد حرارة عالميًا.

في دراسة عام 2018، استخدم الباحثون فيها حلقات عمر الأشجار في بريطانيا والبحر المتوسط لإعادة تحديد موقع تيارات شمال الأطلسي النفاثة العائدة لعام 1725. وجدوا أن موجات الحر في المملكة المتحدة مالت نحو الزيادة عندما تحركت التيارات النفاثة نحو الشمال، وكان موقعها شمالًا أكثر شيوعًا من مواقعها الأخرى خلال أواخر القرن العشرين فصاعدًا.

يتأثر سلوك التيارات النفاثة بارتفاع درجات الحرارة في النصف الشمالي من الكرة الأرضية وذوبان جليد القطب الشمالي وانبعاثات غاز الاحتباس الحراري. في حين يحاول العلماء فهم حساسية التيارات النفاثة تجاه هذه العوامل، يتوجب على المملكة المتحدة الاستعداد بنفسها لمواجهة حتمية لحرارة مواسم الصيف المقبلة.

سُجلت درجة الحرارة الأعلى في المملكة المتحدة في تموز/يوليو 2019، عندما سجل المحرار الزئبقي 38.7 درجة مئوية في كامبريدج Cambridge.

في نفس الصيف، ارتفعت درجات الحرارة في فرنسا إلى 46 درجة مئوية وأودت بحياة 1500 شخص. برغم هذا الأذى الحاصل، إلا أنه لم يكن شيئًا مقارنة ب 15000 ضحية قضوا خلال موجة الحر في فرنسا في آب/أغسطس من عام 2003.

كانت استجابة فرنسا لهذه الكارثة بتنفيذ الخطة الوطنية لمواجهة موجة الحر (نظام الإنذار المبكر) من أجل إبقاء الناس على علم بالخطر الوشيك وتوفير دليل الصحة العامة المتعلق بالأمراض المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة.

هذه التدابير كان لها الفضل بتقليل عدد حالات الوفاة خلال موجة الحر في 2019. يجب على المملكة المتحدة البدء بتحضيرات مشابهة بشكلٍ جدي، لمواجهة موجات الحر الشديدة المقبلة.

المصادر: 1