هل البحر حقًا أزرق؟ ما الذي يؤثر على لون المحيط ولم الأمر مهم جدًا؟

جيمس جويس وصفه بالأخضر المخاطي

لورد بايرون اختار له اللون الأزرق المظلم القديم

هومر قال بأنه كان دائمًا كنبيذٍ غامق

كان هؤلاء الأدباء العظام يصفون لون البحر واختلاف وجهات نظرهم لم يكن مجرد إلهام شعريّ.

أفادت تجاربنا الخاصة أن لون البحر والمحيط يشهد تغيرًا ملحوظًا، تبعًا لكلٍ من الزمان والمكان، فمن الفيروزي اللامع والأخضر الضارب للبياض مرورًا باللازورد والأزرق الداكن إلى الرمادي الباهت والبني الترابي.

إذًا لماذا كبرنا جميعًا معتقدين أن البحر أزرق؟

تبين أن لون البحر يختلف تبعًا لكل من الفيزياء وعلم الأحياء.

ألوان قوس قزح

تكون المياه النقية بالطبع شفافة، لكن لو كانت عميقة بما يكفي لدرجة لا يمكن للضوء الوصول والانعكاس عن قاع البحر.

فيظهر لنا باللون الأزرق الداكن والسبب الأكبر لذلك بعض من أساسيات الفيزياء.

تحوي العين البشرية خلايا قادرة على التقاط الإشعاعات الكهرومغناطيسية التي تكون بالأطوال الموجية ما بين 380 و700 نانومتر، وضمن هذا المجال تتوافق الأطوال الموجية المختلفة مع الألوان المختلفة التي نراها في قوس قزح.

إن جزيئات الماء أفضل في امتصاص الضوء الواصل بأطوال موجية طويلة، ذلك يعني الأحمر، البرتقالي والأخضر، يترك هذا في الغالب الأزرق الذي له أطوال موجية أقصر، وبما أن الضوء الأزرق هو الأقل احتمالًا لامتصاصه فيمكن له أن يخترق إلى مسافات أعمق، ما يجعل المياه العميقة تبدو أكثر زرقة.

الأطوال الموجية القصيرة معرضة أكثر للتشتت والانحراف في الاتجاهات المختلفة، وذلك يشمل انعكاسها عن سطح الماء باتجاه أعيننا مما يجعل البحر يبدو أزرقًا.

غير أن نقاوة مياه البحر تتراوح من مكان إلى آخر والجسيمات المعلقة داخله يمكن أن تزيد تشتت الضوء فالرمال والطمي المحمولة الى البحر من الأنهار أو المقذوفة من قعر البحر بالأمواج والعواصف يمكنها التأثير على لون المياه الساحلية وإضافةً إلى المخلفات العضوية كالنباتات المتحولة –معروفة للعلماء بأنها مواد مبددة للون- تعقد الأمر أكثر بإضافة الأخضر أو الأصفر أو البني.

تلك كانت الفيزياء ولكن الأكثر أهميةً هو علم الأحياء، فالمؤثر الأكبر على لون البحر هو هذه الكائنات الحية الدقيقة المدعوة بالعوالق النباتية.

وهي عبار عن طحالب وحيدة الخلية عادة أصغر من رأس الدبوس وتَستعمل صباغ اليخضور لتركيب الطاقة من الشمس وتحويل الماء وثنائي أكسيد الكربون إلى المركبات العضوية التي تُكون جسمها، ويُقدر بأنها مسؤولة عن توليد حوالي نصف كمية الأوكسجين الذي نتنفسه خلال عملية التركيب الضوئي.

تمتص العوالق النباتية بشكلٍ مؤكد الإشعاعات الكهرومغناطيسية للأحمر والأزرق من طيف اللون المرئي وتعكس الأخضر ما يفسر ظهور البحر باللون الأخضر في أماكن ازدهارها.

ازدهار الطحالب

إن تحديد لون البحر أكثر من مجرد ممارسة جمالية، فالعلماء يرصدون ألوان المحيطات عبر الأقمار الصناعية منذ عام 1978. وقد أسفرت هذه الدراسات عن صور مثيرة تتضمن أشكال كمجسات عملاقة من اللون الأزرق والأخضر تتراقص في دوامات حول بعضها الآخر، وبقدر جمال هذه الصور فإن لها هدفًا أعظم، ويمكننا استخدامها لرصد التلوث والعوالق النباتية.

يمكن للعوالق النباتية التكاثر بسرعة كبيرة استجابة للمتغيرات في بيئتها مثل تغير درجات الحرارة أو التغيرات المفاجئة في مستوى المغذيات.

وقد بين العلماء أن تعدادها يمكن أن يتضاعف خلال يوم واحد فقط.

وكونها متموضعة في قاعدة شبكة الغذاء البحرية فيترتب على ذلك آثار مهمة تشمل النظام البيئي بأكمله، فهي الغذاء الرئيسي للعوالق الحيوانية والحيوانات الصغيرة مثل المجدافيات والكريل وقناديل البحر، التي تُؤكل بدورها من قبل الأسماك التي تُؤكل هي الأخرى من قبل حيوانات أكبر كالمحار وشقائق النعمان وصولًا إلى القروش والحيتان.

التغير في تعداد وتوزع العوالق النباتية وزيادة أو انخفاض معدلات نموها يمكن أن يؤمن للعلماء إنذارًا مبكرًا حول التغيرات البيئية فكلما زادت كمية العوالق النباتية الطائفة في المحيطات كلما زاد امتصاص غاز ثنائي أكسيد الكربون من الجو، وبما أن غاز ثاني أكسيد الكربون هو السبب الرئيس للاحتباس الحراري فكلما زاد تحوله إلى مواد عضوية تغرق إلى قاع المحيط مع موت هذه العوالق النباتية كلما انخفض متوسط معدل درجات الحرارة المستقبلية، ولأن العوالق النباتية تأخذ غاز ثنائي أكسيد الكربون وتنتج الأوكسجين، فهي تؤدي دورًا مهمًا في دورة حياة الكربون العالمية.

تقول ڤينتيا ستيوارت المنسق العلمي لدى مجموعة تنسيق لون المحيط الدولية: «دورة الكربون يمكنها أن تحدد تراكيز غاز ثنائي أكسيد الكربون المستقبلية، لذا يمكن استعمال معلوماتها للمساعدة في توضيح التغيرات المناخية».

يشير التغير في لون المحيط أيضًا إلى بداية هجوم العوالق النباتية المميتة المدعوة بالمدّ الأحمر أو ازدهار الطحالب الضارة، فبعض أنواع العوالق النباتية تنتج سمومًا يمكنها أن تقتل الأسماك أو الطيور أو الثديات وتسبب أمراضًا بشرية.

وبتراكيزها المرتفعة يمكنها أخذ شكل المدّ الأحمر لذلك دعيت بهذا الإسم، لكنها ليست دائمًا حمراء اللون، كذلك لا يمكنها التحرك إلا مع حركة المياه، ولهذا السبب يفضل العلماء مصطلح ازدهار الطحالب الضار (HABs).

استشعار البحار

إذًا كيف يتقصى العلماء تغيرات اللون في البحار والمحيطات؟

التقنية الرئيسية لذلك هي استعمال الأقمار الصناعية التي تحمل معدات تقيس كثافة الضوء المرئي المرتد عن الماء، فمعظم ضوء الشمس يتشتت في طريقه نزولًا إلى سطح البحر بسبب الجسيمات الموجودة في الهواء، فقط نحو 10% تنعكس مجددًا عن سطح البحر إلى الجو وباتجاه القمر الصناعي. الذي يقيس نسب الأخضر أو الأزرق في الطيف المرئي ثم تستعمل خوارزميات حاسوبية هذه البيانات لتقدير كمية اليخضور في المياه.

بدأت هذه التقصيات في عام 1978 مع اختبارات ناسا لمسح لون البحر في المناطق الساحلية.

عام 1997 أطلقت ناسا تقنية المسح واسع المدى لسطح البحر (SeaWiFS) بواسطة حساس على متن قمر اصطناعي آخر، مما حسن كفاءة عرض لون المحيط ومنذ ذلك الوقت فإن وكالة الفضاء الأوروبية ESA والهند وكوريا الجنوبية جميعهم أطلقوا أجهزة استشعارهم الخاصة.

يقول ديفيد أنتوني رئيس هيئة التحكم بالاستشعار وبحوث الأقمار الصناعية في جامعة بيرث، أستراليا: «يُخطط لاطلاق جيل جديد من اللواقط والمستشعرات لاحقًا هذه السنة على متن القمر الصناعي Sentinel-3 مما سيسمح للباحثين دراسة الضوء المرتد عن سطح البحر بتفاصيل أكبر وأيضًا اكتشاف أنواع مختلفة من العوالق النباتية».

كمثال على ذلك اكتشف العلماء طريقة لرصد مجموعات من العوالق النباتية تدعى بالطحالب النباتية الصدفية والطحالب العصوية.

يقول ستيوارت: «من الواضح أن كوننا قادرين على التمييز بين أنواع العوالق النباتية المختلفة أكثر فائدةً، حيث أن لكل منهم دور وظيفي مختلف في النظام البيئي».

صحاري المحيط

أسفر مسح لون المحيط عن نتائج هامة أخرى، فقد نشر الباحثون الأمريكيون السنة الماضية دراسة تظهر مدى تغير مستويات اليخضور في المحيطات حول العالم بين عامي 1998 و2012.

لم يكن ذلك ظاهرة عامة لكن التغيرات في درجة اللون المرصود من قبل الأقمار الصناعية بينت أن مستويات اليخضور انخفضت في محيطات نصف الكرة الشمالي وازدادت نسبتها في بعض أحواض محيطات نصف الكرة الجنوبي وذلك قاد البعض لاستنتاج أن المناطق البحرية ذات المستويات المنخفضة من اليخضور في بعض الأحيان تدعى بـصحاري المحيط، حيث إنها تتوسع نتيجة لارتفاع درجة حرارة البحر.

يقول ستيوارت: « الأمر المهم هو أن الأقاليم الصحراوية في محيطات نصف الكرة الشمالي في اتساع».

وذلك تم تأكيده ببيانات من مستشعرات أخرى لذا هناك حتمًا شيء ما يحصل.

البعض يعتقد أن البيانات المسجلة غير كافية لإثبات أن الاحتباس الحراري يؤثر على مستويات العوالق النباتية في البحار والتي تتنوع بشكل طبيعي على مدى دورات من 15 عامًا أو أكثر.

بعض الدراسات اقترحت أن العلماء بحاجة لرصد لون البحر لأكثر من 40 سنة لتحديد مدى تأثير التغير المناخي على العوالق النباتية، ذلك يعني حتى عام 2038 للحصول على نتائج معتمدة على المسح عالي الدقة.

فقط عندها يمكننا معرفة ما إذا كان لون المحيط قد تغير ولأي درجة ومن ذلك سنستنتج ما إذا كان البشر يتأثرون بكمية العوالق النباتية الموجودة وتأثيرها على دورة حياة الكربون العالمية.

المصادر: 1