إليك السبب وراء عدم اختيار الفتيات للمهن في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات

نشرت الأكاديمية الأسترالية للعلوم Australian Academy of Science في الشهر الماضي تقريرًا يظهر أن جائحة كوفيد-19 سوف تؤثر بشكل سلبي على النساء في تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، المختصرة بمصطلح STEM (Science,Technology, Engineering and Maths).

يذكر التقرير أنه قبل جائحة كوفيد-19 وظِفت حوالي 7500 امرأة، في مجالات أبحاث العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في أستراليا في عام 2017، مقابل 18400 رجل.

يقول المؤلفون:《يبدو أن الوباء يزيد من التفاوت بين الجنسين. فالنساء لا يمثلون القوى العاملة بشكل كافٍ في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، بل وتكون أدوارهنَّ عادة أقل في المناصب الوظيفية وأقل أمانًا. لذلك فقد أصبح معدل فقدان وظائفهن أكبر من الرجال، وذلك يشكل تهديدًا مباشرًا للعديد من النساء من القوى العاملة في مجال العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في أستراليا، مما قد يؤدي إلى عكس مكاسب الأسهم في السنوات الأخيرة》.

يلاحظ أن النساء لا يلتحقن بكليات العلوم والرياضيات مثل الرجال، فإن 35% فقط من الشهادات الجامعية في مجال العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات يتم منحها للنساء في أستراليا، وبقي هذا الرقم مستقرًا على مدى السنوات الخمس الماضية.

اقترحت بعض الأبحاث في التسعينيات أن النساء لا يتخصصن في الرياضيات والعلوم لأن أداءهنّ لا يكون جيدًا مثل الرجال. لكن الأبحاث الحديثة تظهر أن النساء تسجلنَّ نتائج متماثلة بل وأعلى قليلًا من الرجال في الرياضيات والعلوم.

إذن فلماذا لا يخترنِّ هذه المهن مثل الرجال؟

وجدت دراستنا المنشورة مؤخرًا أنه بينما يكون أداء النساء في الرياضيات والعلوم في نفس المستوى أو أعلى من الرجال، لُوحظ أن أداءهن في العلوم الإنسانية أفضل. وقد يكون هذا هو السبب الذي يجعلُهنِّ لا يسعون في الحصول على الوظائف في مجال العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.

أداء الفتيات في الرياضيات والعلوم جيد

أردنا معرفة ما إذا كان هناك اختلافًا في الأداء المدرسي بين الجنسين في مجال العلوم والرياضيات، وفيما إذا كانت تؤثر على طلبات تقدُمهم للجامعة.

لذا استخدمنا في دراستنا بياناتٍ لأكثر من 70000 طالب وطالبة في المرحلة الثانوية في اليونان، وذلك على مدى عشر سنوات.

ووجدنا أن نتائج الفتيات في الرياضيات والعلوم كانت أعلى بنسبة 4% تقريبًا من الفتيان، لكن درجاتهن في العلوم الإنسانية كانت أعلى بنحو 13%.

ولكننا وجدنا أيضًا أن احتمالات اختيار الفتيات لتخصص متعلق بالعلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات كانت أقل بنسبة 34%، وذلك في السنوات الأخيرة من المدرسة الثانوية.

يمكن تطبيق هذه النتائج على أستراليا، وذلك وفقًا لأحدث النتائج من برنامج منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لتقييم الطلاب الدوليين PISA، لنجد أن الفتيات في أستراليا لهنَّ مستوىً مماثلًا للفتيان في الرياضيات والعلوم، ولكن بمستوى أعلى بكثير في القراءة.

حيث يبلغ الفرق بين أداء الفتيات والفتيان في القراءة 6% في أستراليا، و9% في اليونان.

ولكن عندما يتعلق الأمر بالرياضيات والعلوم، فلا يوجد فرق كبير بين أداء الفتيات والفتيان في أي من البلدين.

مقارنة التمييُّز لدى الفتيات في العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات

بينت دراساتنا أن الطلاب والطالبات اختاروا المجالات التي يريدون التخصص فيها من خلال مقارنة نقاط القوة والضعف، بين زملائهم في المواد الأكاديمية.

وباستخدام بياناتنا المتوفرة، قارنَّا درجات الطلاب في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات مع العلوم الإنسانية. فإذا كان الطالب حاصل على درجة أعلى في العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات من مواد القراءة والكتابة، فإننا نصنفه على أنه طالب متميز في العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. وإذا كان تمييُّزه في العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات أكثر من غيره من زملائه، فإن هذا الطالب لديه القوة في دراسة العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.

ولأن الفتيان بشكل عام أفضل بكثير في العلوم والرياضيات من العلوم الإنسانية، أي أن الفرق بين المواد كبير، فقد كان لديهم تمييُّز أكبر في ذلك المجال. وبما أن الفتيات أفضل بقليل في العلوم والرياضيات أكثر من العلوم الإنسانية، أي أن الفرق بين المواد قليل، فقد كانت لديهن تمييُّز أقل من الفتيان في مجال العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.

وفي بياناتنا فرقنا أزواج من الفتيات بشكل عشوائي في صفوف دراسية مختلفة في المدارس الثانوية، اللواتي لديهن درجات متطابقة في العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات وفي العلوم الإنسانية، ومن ثم سجلنا ملاحظات عن قراراتهنَّ في اختيار الجامعات خلال ثلاث سنوات.

على سبيل المثال، نُقلت فتاتين لديهما نفس الأداء في العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات وبنفس التمييُّز، إلى صفوف دراسية مختلفة.

حيث نُقلت إحداهما إلى صف حيث كان لدى زملائها تمييُّزًا أعلى في مواد العلوم والرياضيات، (أي الفرق بين درجات مواد العلوم والرياضيات أعلى من مواد العلوم الإنسانية)، بينما الأخرى نُقلت إلى صف كانت فيه هي وزملائها بنفس درجة التمييُّز في مواد العلوم والرياضيات، (أي لا يوجد فرق بين درجات مواد العلوم و الرياضيات).

وأظهرت النتائج التي توصلنا إليها إلى أن هاتين الفتاتين، حتى لو كان لديهما درجات متطابقة في العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات والعلوم الإنسانية، فإنهما اختارتا مجالات دراسية مختلفة، في نهاية المدرسة الثانوية. حيث كانت الأولى (التي كانت لدى زملائها تمييُّزًا أعلى في مواد العلوم والرياضيات) أقل احتمالًا لاختيار مجال متعلق بالعلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.

لذا فإن هاتين الفتاتين اللتان تمتلكان أداء متطابقًا، انتهى بهما الأمر باختيار مهنة تعليمية مختلفة، وذلك بناءً على زملائهما الذين جالَستهم.

وقد فعلنا ذات الشيء للفتيان، وقمنا بتحليل أزواج من ذوي الدرجات المتطابقة، ولكن بزملاء دراسة مختلفة، ولكننا لم نحظ أية اختلافات في قرارات تسجيلهم.

وهذا يوضح وجود فجوة نسبته تصل إلى 12% من بين الجنسين فيما يتعلق بالالتحاق بكليات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في التعليم العالي.

ماذا يمكننا أن نفعل؟

يشير بحثنا إلى أن الفتيات أكثر تأثُرًا بنجاحهن بأقرانهنّ، في حين أن هذا لا ينطبق على الفتيان.

وتتوافق النتائج التي توصلنا إليها مع الأبحاث السابقة، التي تشير إلى أن الفتيات يتأثرن بالدرجات السلبية أكثر من الفتيان، خاصة في العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، أثناء اتخاذ قراراتهن المستقبلية.

كذلك يشير بحثنا إلى أن المعلم يلعب دورًا مهمًا ومؤثرًا، فيما يتعلق بالتعرف على نقاط القوة الأكاديمية الفردية وتشجيعها، بغض النظر عن زملاء الصف أو الجنس.

حيث أظهر بحث سابق أن الصورة النمطية لجنس المعلم بخصوص قدرة الفتيات في العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، قد تؤثر سلبًا على الطريقة التي ترى بها الفتيات أنفسهن.

لذلك يجب على المعلمين والمعلمات تعزيز الثقة لدى الفتيات، عندما يتعلق الأمر بمواضيع العلوم والرياضيات، حتى لو كانوا أفضل في القراءة والكتابة.

إن دراسة الرياضيات والعلوم تؤمن وظائف في الهندسة والفيزياء وعلوم البيانات وبرمجة الكمبيوتر، والتي لها سوق عمل واسع ومدخول مرتفع بشكل عام. لذا فإن الابتعاد عن العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات له تأثير سلبي على دخل الفتيات في الحياة على المدى الطويل.

المصادر: 1