التعافي من وباء كوفيد-19 يُعد فرصة لتحسين النظام الغذائي الإفريقي

حذرَ برنامج الأغذية العالمي أن وباء كوفيد-19 من الممكن أن يتسببَ في واحدة من أسوأ أزمات الغذاء مُنذ الحرب العالمية الثانية. منَ المُتوقع أن يتضاعف عدد الأشخاص الذين سوف يعانون من الجوع، وقد يكون أكثر من نصفِ هَؤلاء الأشخاص من جنوب الصحراء الكبرى في إفريقيا.

بينما يبقى الأغنياء في منازلهم للحفاظ على التباعد الجسدي، تُخاطر الفئات الاقتصادية المُهمشة بالخروجِ بحثًا عن الطعام وفي بَعضِ الحالاتِ المتطرّفة، يَكونُ عليهم أن يختاروا بينَ الحفاظِ على حياتهم أو الحفاظ على سُبل كسب عيشهم. لذلك يُوضح مثلَ هذا التفاوت في الغذاء الحاجة لاتخاذ إجراءات على مُستوَى النظام كَكُل.

حتى الآن، أثبتَ نِظام الغذاء العالمي أنهُ قادرٌ على مقاومةِ وباء كوفيد-19. فما زال الغذاء يُنتج، يُصنع ويصل للناس. ولكن، لسوءِ الحظ، يَستمر الظُلم وعدم المساواة في النظامِ أيضًا فَلا يستطيع ما يَقرُب من 1.58 مليارِ شخصٍ حول العالم تَحمٌلَ تكلفة الوجبات الصحية.

يَظهر هذا التفاوت الكبير بصورةٍ خاصة في القارة الإفريقية. بل وحتى قبل أزمة كوفيد-19، فإن نظام الغذاء الإفريقي كانَ يُعتبرُ غيرَ صحيًا ويُعاني من نقصٍ دائمٍ في الموادِ الغذائية. في عام 2018، عانى 250 مليون شخص في جنوبِ الصحراء الكبرى في إفريقيا من الانعدام الشديد للأمن الغذائي، فكانَ دَخل المزارعين أقل من أي مكانٍ آخر على مستوى العالم، ويعاني أكثر من 30% من الأطفال من التقزم نتيجة الفقر وقلة الغذاء.

ليس غريباً أن يتعرضَ نظام الغذاء في إفريقيا إلى أزمات فقد أَدَّى الجفاف، أحداث إل نينو El Niño (وهي ظاهرة مناخية تحدث عندما يؤثر تغير درجة الحرارة في أحد المحيطات على حالة الجو في مناطق أخرى بعيدة)، الآفات والأمراض، الإرهاب، الهجرة، والاضطرابات السياسية إلى خسائر فادحة.

تَصدم جائحات مثل هذهِ النظام، فتتسبب في خسارةِ المحاصيل والغذاء، وتدفع الناس نحو الفقر ويتعرض المزيد منهم لخطر انْعِدام الأمن الغذائي وسوء التغذية.

كل أزمة تستدعي الاستجابة لكي نتمكن من تخفيف الضرر الناتج عنها ولكن سُرعانَ ما يعود النظام مرة أُخرى إلى حالتهِ الغير مرغوب فيها. غيرَ أن الضررَ الذي تسببَ فيه كوفيد-19 من المُرجح أن يكونَ مُختلفًا لأنهُ تَسببَ بحدوثِ أخطاء آنية ومتزامنة في النظام وهذا سَيُقوّض الفرص الاقتصادية الآن ومن المحتمل لسنواتٍ أُخرى قادمةٍ. على سبيلِ المثال، سَوفَ تتأثر السياحة بالقيودِ المفروضةِ على السفر والتجمعات.

ما نراهُ الآن كنتيجة لجهودِ احتواء كوفيد-19 يُعد بمثابة كارثة طبيعية عالمية ولكنه في نفس الوقت فرصة من نوعٍ آخر للتعافي. فمعَ قُربِ انتهاء حالة الركود الناتجة من محاولةِ العودة إلى الوضع السابق، تُصبح السيناريوهات البديلة معقولة. في هذا الصدد، يُصبح الوضعُ مشابهًا لأزمة البترول التي حدثت في عام 1970، والتي غيرتْ المُجتمعات تمامًا.

العودة إلى نفس الاستثمارات السابقة في الزراعة وأنظمة الغذاء يُمكن أن يُعيد إنتاج الظلم وعدم المساواة في تلك الأنظمة في حينِ أنهُ يَنبغي على جهودِ التعافي أن تكونَ موجهةً نحو خلقِ مستقبلٍ أفضل وقد إنتهى الباحثون مُسبقًا من إكمال العمل الأساسي للتبليغ بكيفية سير هذهِ العملية.

نُؤمن بإمكانية إعادة تصميم الأنظمة الغذائية لتوفير غذاءٍ صحي، والسماح لعائلات المزارعين بكسبِ لقمة العيش، ودعم المجتمعات المزدهرة مع توفير خدمات النُظم البيئية المستدامة.

التعافي من كوفيد-19 هو الوقت المناسب لتطبيق المعلومات التي تمَ جمعها على مدار عقود حول هذا الموضوع على أرض الواقع.

فيما يلي، ثلاث طرق لتَحسين الزراعة بما يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة وهي: جعل الأنظمة سهلة التكيف، الاستدامة والعدل.

مع ملاحظة أنهُ تمَ تطوير واختبار جميع هذه الأمثلة من قبل الباحثين في الجامعات ومراكز البحوث.

1- التركيز على الزراعة الحساسة للتغذية Nutrition- Sensitive Agriculture*

أشارت منظمة الصحة العالمية إلى وجودِ عبء مزدوج لمشكلة التغذية هما: سوء التغذية جنبًا إلى جنب مع زيادة الوزن أو السمنة. وهذه مشكلة مستمرة في جميعِ أنحاء العالم.

يُمكن للزراعة أن تساعد في حلِ المشكلة بطرقٍ مختلفة، منها دمج المحاصيل والثروة الحيوانية بشكلٍ أفضل، الزراعة الذكية مناخيًا Climate-Smart Agriculture، الزراعة المُحافظة على الموارد، واستخدام النباتات المعمرة الخشبية في الحقول والبساتين لزيادة إنتاج المواد الغذائية المتنوعة بيئيًا.

ترتكز الفكرة الأساسية على الأنظمة الزراعية المتكاملة التي تعتمد على تنوع الأصناف كمصدر لمرونة وتنوع النظام الغذائي مع تقليل استخدام المواد الكيميائية الضارة في نفس الوقت.

تؤثر أسواق الأغذية النشوية المستقرة صناعيًا على الأسعار وحافز المستهلكين بشكلٍ سيء. فعندما تدعم الحكومات محاصيل معينة، يُصبح إنتاجها رخيص نسبيًا وكذلك سعرها بالنسبة للمستهلك. لذلك، سيختار المستهلكون الفقراء على الاغلب المواد الغذائية النشوية التي لا تُوفرْ مُغذيات متوازنة بشكلٍ كافٍ.

بدلًا من ذلك، يجب تشجيع الزراعة المهتمة بالناحية الغذائية والتي تدعمْ النُظم الغذائية المتنوعة. يُمكن للإعانات المالية الفِطْنَة Smart Subsidies أن تُساهم بإرشاد عمليات إنتاج الغذاء لتُصبح داعمة لخيارات الغذاء الصحي وزيادة التنوع البيولوجي في الأراضي الزراعية.

2- إعادة صياغة فكرة التقدم في عملية التنمية

لا يجبْ أن يعتمدَ الأشخاص الذين يعيشون في المناطقِ الريفية على الزراعةِ فقط. كما ينبغي أن تكون الفرص التَكْمِيلية جزءًا من التنمية الريفية ورفاهية الإنسان، فسكان الريف الفقراء هم أقل احتمالًا للتقدم من خلال الزراعة لأن مزارعهم صغيرة. لهذا السبب، ينبغي أن يَكونَ هناك طرق متنوعة لتلبية تطلعات واحتياجات الجميع.

إنَ عدة أنشطةً مثلَ مُعالجة المحاصيل وإضافة القيمة للمنتجات لها القدرة على تحسين وظيفة الأنظمة الغذائية لذلكَ يجب أن تُشجع وتُدعم مثلَ هذهِ الأنشطة. يمكن للشباب الذين يتركون الزراعة أن يلعبوا دورًا محوريًا في تطوير أعمال أخرى تَكْمِيلية في المناطق الريفية.

3-إدراك مبدأ الصحة الكوكبية Planetary Health*

يرتبط التعديل البشري على البيئة الطبيعية بمشاكل صحية تتراوح بين الإجهاد والأمراض المُعدية. تُعتبرُ الزراعة حجرَ أساسٍ في تحقيق معظم أهداف التنمية المستدامة بسبب تأثيرها المباشر على الأنظمة الغذائية والتلوث وتَغير المناخ والحد من مخاطر الكوارث.

يجب الاعتراف بالروابط التي تجمع الموارد الطبيعية، والزراعة أو الحِراجة الزراعية agroforestry والبشر والبيئة وإدارتها لتحسين النتائج وتجنب العواقب غير المقصودة.

الطريقُ إلى الأمام:

تُمثل هذهِ البِنْيات نقطة البداية لحديثٍ سياسيٍ جديد حول الزراعة، والذي لا بُدَ أن يُوجه نحو الهدف العام وهو الوصول إلى نظامٍ غذائيٍ مُتكيف ومستديم وعادل. ينبغي أن تأخُذ الاستراتيجيات الناتجة بنظر الاعتبار تنوع الظروف البيوفيزيائية والاجتماعية والاقتصادية في البلدان الافريقية.

نؤمن أن هذا هو الوقت المناسب للتركيز على الفرص التي منحتها لنا هذهِ الأزمة «والبناء مرة ثانية بشكلٍ أفضل». في حين أن الأطباء ووكالات المساعدة الإنسانية يستعدون للأسوأ، يَجب على العلماءِ أيضًا تَقديم مساهماتهم.

يُمكن لكوفيد-19 تغيير مَسار الزراعة. لقد حانَ الوقت لمُشاركة العلماء في عمليةِ التخطيط للمستقبل والبَدء في تطوير استراتيجية شاملة لحلول الغذاء المستقبلية في إفريقيا.

*الزراعة الحساسة للتغذية: طريقة للزراعة تعتمد بشكلٍ رئيسي على نوع الطعام الذي يتم إنتاجهُ و الذي يجب أن يكونَ طعامًا عالي القيمة الغذائية.

*الصحة الكوكبية: صحة الحضارة الإنسانية و حالة النُظم البيئية الطبيعية التي تعتمد عليها.

المصادر: 1