90% من رواد الفضاء من الرجال، لكن هل سيكون مستقبل الفضاء للنساء؟

سافر نحو 566 شخصًا إلى الفضاء، من بينهم 65 امرأة، أي حوالي 11.5% فقط.

أعلنت وكالة ناسا مؤخرًا أنها ستضع المرأة كأولوية في حساباتها مع الرجل، وذلك في رحلاتها إلى سطح القمر بحلول 2024. فعلى الرغم من وصولنا لقرابة 60 عام من الرحلات البشرية الفضائية إلا أن المرأة لا تزال بمرحلة البدايات.

فالنتينا تيريشكوفا Valentina Tereshkova أول امرأة تسافر إلى الفضاء

كانت رائدة الفضاء فالنتينا فلاديميروفنا تيريشكوفا أول امرأة تسافر إلى الفضاء، حيث قامت بالدوران حوال الأرض 48 مرة، بين 16 إلى 18 حزيران/يونيو عام 1963. أصبحت رحلتها دعاية للحرب الباردة لإثبات تفوق الشيوعية. وفي المؤتمر العالمي للمرأة عام 1963 استخدم القائد السوفيتي نيكيتا خروتشوف Nikita Khrushchev رحلة تيريشكوفا ليعلن أن الاتحاد السوفييتي حقق المساواة للمرأة.

وقد تشجعت الكثير من النساء في جميع أنحاء العالم وحلمن بأنهن قد يسافرن أيضًا إلى الفضاء. حيث كتبت إيكاترينا إرجاردت Ekaterina Ergardtعاملة في مزرعة سوفيتية إلى تيريشكوفا قائلة: «عمري الآن ثمانون عامًا، لقد شهدت سنوات بداية نضال المرأة للحصول على الحرية والمساواة، والآن أشهد طريق الفضاء وهو يفتح للمرأة».

محكومات بالأرض

على الرغم من هذا التفاؤل، فقد مر 19 عامًا ليسمح لامرأة أخرى بعد تيريشكوفا بالسفر خارج الأرض.

في الولايات المتحدة الأميركية استُبعدت النساء من الفضاء بسبب القيود التي تفرض على رواد الفضاء، حيث يجب أن يكونوا طيارين في المهمات العسكرية، وهي مهنة محظورة على النساء.

في الستينيات عندما كان أول رواد فضاء أمركيون يقومون بتدريباتهم لمهمة «ميركوري 7» Mercury 7، قام طبيب الفضاء الدكتور راندي لوفليس Randy Lovelace بتجنيد 13 طيارًا من النساء، واضعهن في نفس خطوات تدريب رواد الفضاء الرجال بمهمة «ميركوري 13» Mercury 13. وسُجل تفوق «ميركوري 13» على «ميركوري 7» في العديد من الاختبارات، خاصة في كيفية تعاملهن مع العزلة.

لكن وكالة ناسا لم تقتنع بهذا، وعقدت جلسة استماع في الكونغرس للتحقيق فيما إذا كانت المرأة مؤهلة لتكون رائدة فضاء. في شهادتها، قالت مرشحة فضاء ميركوري 13 جيري كوب Jerrie Cob:

«أجد الأمر سخيفًا بعض الشيء عندما قرأت في إحدى الصحف أن هناك مكانًا يدعى «كلية الشيمبانزي» Chimp College في مدينة نيو مكسيكو New Mexico، حيث يتم تدريب الشيمبانزي للرحلات الفضائية، أدركت أنني على استعداد لأحل محل الشيمبانزي، إذا كانت هذه هي الطريقة الوحيدة للوصول إلى الفضاء».

رسالة في زجاجة

تاريخيًا، حتى أولئك الذين يشاركون لوفليس اعتقاده أنه يجب على المرأة الذهاب إلى الفضاء، فإنهم يرون أن دورهن يتركز في تقديم المساعدة للرجل، أو في عكس التأثير الحضاري، أو في تقديم الجنس.

لذلك نرى أن النساء الأوائل سافرن على القمر كشريكات مجلات إباحية مثل «بلاي بوي» Playboy، حيث وضعت صورهن وأسماؤهن بشكل ساخر ضمن قوائم أسماء رواد فضاء «أبولو 12» Apollo 12. كانت أسماؤهم: سينثيا مايرز Cynthia Myers وأنجيلا دوريان Angela Dorianوريجان ويلسون Reagan Wilsonوليزلي بيانشيني Leslie Bianchini. وتم تشبيه أجساد النساء بالقمر، حيث كلاهما هدف غزو الرجال.

في الثقافة الشعبية في الستينيات، غالبًا ما ارتبطت النساء بالسحر والعاطفة بدلاً من العلم والتكنولوجيا. صور المسلسل الهزلي «أنا أحلم بجنيّ» العلاقة بين رائد فضاء أمريكي وجنية ساحرة تخيلية تسمى تُدعى «جيني» Jeannie. كانت وكالة ناسا مستشارة لهذا المسلسل الذي عكس بعض أحداث الفضاء الحقيقية. وجسدت «جيني» الأنوثة الشرقية المثيرة مقابل شخصية رواد الفضاء الأمريكيين كذكوريين وعسيري الطبع.

وفي مسلسل هزلي مشابه «المسحور» Bewitched، سافرت الساحرة سامانثا Samantha إلى القمر للنزهة وذلك قبل أن تعود وتتخلى عن مهنتها وتصبح ربة منزل عادية.

كانت الرسالة واضحة في الثقافة الشعبية: «المرأة بحاجة للبقاء في المطبخ». ولا تزال هذه المسلسلات الهزلية تبث حول العالم.

من المطبخ إلى ممرات الفضاء

بحلول السبعينيات، خطت الحركة النسوية خطوات كبيرة، وكان على وكالة ناسا التكيف مع المستجدات. فتم قبول النساء الأوائل في تدريبات رواد الفضاء في عام 1978. ولكي لا تتفوق أمريكا على الاتحاد السوفييتي فقد قامت بزيادة عدد النساء في برنامجها الخاص.

في عام 1982 زارت سفيتلانا سافيتسكايا Svetlana Savitskaya محطة الفضاء «ساليوت7» Salyut 7، لتصبح ثاني امرأة تسافر إلى الفضاء وأول من يؤدي السير في الفضاء. لكن لم يُسمح لها بنسيان طبيعة عمل المرأة، فعندما عادت إلى الأرض قدم لها زملاؤها الذكور مريلة مطبخ.

في العام التالي، 1983، طارت سالي رايد Sally Ride كأخصائية مهام فضائية في المكوك الفضاء تشالنجر Space Shuttle Challenger، لتصبح أول امرأة أمريكية في الفضاء. أما أول امرأة أمريكية تقوم بالسير في الفضاء فقد كانت كاثرين سوليفان Kathryn Sullivan عام 1995.

وها نحن في القرن الحادي والعشرين ولا تزال هناك عوائق أمام مشاركة المرأة في الفضاء. ففي آذار/مارس 2019 تم إلغاء مهام السير في الفضاء لجميع النساء، وذلك لعدم وجود ما يكفي من بدلات الفضاء متوسطة الحجم. بينما استطاعت رائدتا الفضاء كريستينا كوتش Christina Kochوجيسيكا مئير Jessica Meir تحقيق ذلك، وكان هذا الإنجاز في تشرين أول/أكتوبر 2019.

أوضح مدير ناسا كين باورزوكس Ken Bowersox في مناقشة لهذا الإلغاء: «أن جسم رائد الفضاء المثالي لا يزال جسم الرجل». وألقى باللوم على متوسط قوام المرأة الصغير، قائلًا: «إن المرأة أقل قدرة على الوصول إلى الأشياء والقيام بالمهام بسهولة».

انعدام الوزن له تأثير كبير

هل فعلًا جسم المرأة هو المشكلة أم عالم الفضاء الذي بني للرجل؟ كيف ستبدو تكنولوجيا الفضاء إذا صُممت من قبل النساء ومن أجلهن؟

هناك فجوة كبيرة بين الجنسين في بيانات الفضاء. مثلُا هناك عدد قليل من الأبحاث حول آثار الجاذبية الميكروية microgravity على أجساد النساء مقارنة بدراستها على أجساد الرجال.

ومع ذلك، فإن المرأة هي رائدة فضاء مثالية بطرق عدة. فالقوة البدنية والطول ليسا مزايا جيدة في الجاذبية الميكروية، وهو أمر يصب في مصلحة المرأة. كذلك فالمرأة تستهلك كمية أقل من الطعام والأكسجين، وتحافظ على وزنها بشكل أفضل ضمن الوجبات الغذائية المقيدة، وتنتج نفايات أقل. وعلى حد تعبير سالي رايد Sally Ride، إخصائية المهام الفضائية: «إن انعدام الوزن له تأثير معادل كبير».

فضاء للنساء

إن وصول المرأة إلى الفضاء، ليس فقط كرائدات فضاء ولكن كمستخدمات ومبدعات في الخدمات الفضائية مثل مراقبة الأرض والاتصالات عبر الأقمار الصناعية، لا يزال أمرًا بعيدًا عن المساواة، ولكن هناك بوادر للتقدم في هذا المجال.

إحداها برنامج «فضاء للنساء» Space4Women، الذي يديره مكتب الأمم المتحدة لشؤون الفضاء الخارجي UNOOSA، والذي يهدف إلى تأكيد وضمان ميزات وصول النساء والفتيات إلى الفضاء، وأنهن يلعبن دورًا نشطًا ومتساويًا في علوم وتكنولوجيا الفضاء والابتكار والاستكشاف.

وكما لاحظت مديرة مكتب الأمم المتحدة لشؤون الفضاء الخارجي سيمونيتا دي بيبو Simonetta di Pippo، فإن 40% من أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة تعتمد على استخدام علوم وتكنولوجيا الفضاء.لذا تعد خطة وكالة ناسا للهبوط على سطح القمر بادرة إيجابية أخرى.

وأعربت الدكتورة فالنتينا تيريشكوفا Valentina Tereshkova، بعد جولتها حول مدار الأرض عام 1964، عن رغبتها في الذهاب إلى القمر، لكنها لم تقم برحلة فضائية أخرى أبدًا. ولكن تتمتع الدكتورة تيريشكوفا اليوم، البالغة من العمر 83 عامًا، بمهنة متميزة في العلوم والسياسة، ولا تزال عضوًا في البرلمان الروسي.

لذلك في النهاية، فإن بعد كل هذه المعارك في الحصول على حقها في الوصول إلى الفضاء، فإن رؤية امرأة تطأ قدمُها سطح القمر هي حقًا لحظة تاريخية.

المصادر: 1